أُمّة خذلت فلسطين وعالم أسقط قناعه.. الاختبار الأخلاقي الأخير للنظام الدولي

لؤي صوالحة
"فلسطين، بقيت شاهدا، لا على مأساة شعبها فقط، بل على سقوط منظومة كاملة ادّعت تمثيل الإنسانية"- جيتي
"فلسطين، بقيت شاهدا، لا على مأساة شعبها فقط، بل على سقوط منظومة كاملة ادّعت تمثيل الإنسانية"- جيتي
شارك الخبر
ليست فلسطين مجرّد قضية سياسية عالقة، ولا نزاعا جغرافيا طويل الأمد، بل هي -في جوهرها- اختبار أخلاقي متكرر فشل فيه العالم مرارا. فمنذ أكثر من سبعين عاما، يقف الشعب الفلسطيني في مواجهة مشروع استعماري استيطاني واضح المعالم، بينما يصرّ النظام الدولي على التعامل مع هذا الواقع بوصفه "نزاعا معقّدا" قابلا للإدارة، لا جريمة مستمرة تستوجب الإنهاء والمحاسبة. هذا التوصيف المضلِّل لم يكن خطأ لغويا بريئا، بل كان أساسا لبناء سياسة عالمية سمحت بإطالة عمر الظلم وتحويله إلى أمر واقع.

على امتداد هذه العقود، لم يكن الفلسطيني يدافع عن أرضه فحسب، بل عن منظومة قيم ادّعت البشرية جمعاء تبنّيها بعد الحرب العالمية الثانية: حق تقرير المصير، ورفض الاحتلال، وتجريم التمييز، وحماية المدنيين. ومع ذلك، وبدل أن تكون هذه القيم سندا له، تحوّلت إلى عناوين انتقائية، تُستحضر حين تخدم مصالح القوى الكبرى، وتُهمَل حين تصطدم مع حليف استراتيجي أو حسابات جيوسياسية.

لقد أدّى هذا الانفصام بين الخطاب والممارسة إلى حالة غير مسبوقة من التطبيع مع الجريمة. فالاحتلال، الذي يُفترض أن يكون حالة استثنائية مرفوضة، جرى التعامل معه كواقع دائم، والاستيطان، الذي يُعدّ وفق القانون الدولي جريمة حرب، تحوّل إلى "خلاف قانوني". أما الحصار والعقاب الجماعي، فقد أُعيد تعريفهما كإجراءات أمنية. بهذه الطريقة، لم يُسلب الفلسطيني أرضه فقط، بل سُلب حقه في توصيف ما يتعرّض له.

الاحتلال، الذي يُفترض أن يكون حالة استثنائية مرفوضة، جرى التعامل معه كواقع دائم، والاستيطان، الذي يُعدّ وفق القانون الدولي جريمة حرب، تحوّل إلى "خلاف قانوني". أما الحصار والعقاب الجماعي، فقد أُعيد تعريفهما كإجراءات أمنية

غير أن ما جرى بعد السابع من أكتوبر شكّل لحظة مفصلية، لا في تاريخ الصراع فحسب، بل في تاريخ النظام الدولي المعاصر. فالحرب على غزة لم تكن مجرّد تصعيد عسكري، بل عملية شاملة استهدفت بنية الحياة ذاتها: الإنسان، والمكان، والذاكرة. جرى ذلك في وضح النهار، وتحت عدسات الكاميرات، وبشهادات موثّقة من منظمات دولية وصحفيين وأطباء وناجين. ومع ذلك، فشل العالم -مرة أخرى- في اتخاذ موقف يتناسب مع حجم الجريمة.

في غزة، لم يكن القتل عشوائيا، بل ممنهجا، ولم يكن التدمير نتيجة جانبية، بل هدفا معلنا، ولم يكن التجويع خللا لوجستيا، بل أداة ضغط واضحة. ومع ذلك، أصرّت عواصم كبرى على استخدام لغة مخففة، تفرغ المأساة من مضمونها، وتحوّل الإبادة إلى "سياق معقّد". هذه اللغة لم تكن مجرد توصيف، بل كانت غطاء سياسيا وأخلاقيا لاستمرار الجريمة.

في هذا السياق، لا يمكن فصل الخذلان العربي عن التواطؤ الدولي. فالأنظمة العربية، في معظمها، اختارت الصمت أو العجز أو الحياد، وتصرّفت وكأن ما يجري شأن خارجي لا يمسّ أمنها أو قيمها أو تاريخها. لكن هذا الفشل الإقليمي ما كان ليأخذ هذا المدى لولا الغطاء العالمي الذي سمح له بالاستمرار. فحين تصمت الأمم المتحدة، ويُشلّ مجلس الأمن، وتُعطّل آليات المحاسبة، يصبح الصمت العربي جزءا من منظومة أوسع، لا استثناء فيها.

لقد كشفت هذه المرحلة عن أزمة عميقة في مفهوم "النظام الدولي القائم على القواعد". فهذه القواعد، التي يُفترض أنها عامة وملزمة، تبيّن أنها خاضعة لميزان القوة؛ تُفعَّل حين يكون الجاني ضعيفا، وتُجمَّد حين يكون قويا أو محميا. بهذا المعنى، لم يعد القانون الدولي مرجعية أخلاقية، بل أداة سياسية تُستخدم انتقائيا، ما أفقده شرعيته في نظر الشعوب المتضرّرة.

الأخطر من ذلك، أن هذا الانحياز لم يكن سياسيا فقط، بل إعلاميا وثقافيا. فقد لعبت قطاعات واسعة من الإعلام الدولي دورا في إعادة صياغة الرواية، عبر مساواة غير أخلاقية بين الضحية والجلاد، أو عبر التركيز على "السياق الأمني" وتجاهل الجذور الاستعمارية للصراع. هذا التشويه المنهجي للواقع لم يقتل الحقيقة فقط، بل أسهم في تطبيع العنف، وتحويل المجزرة إلى خبر عابر.

في المقابل، وُضع الفلسطيني مرة أخرى في موقع المتّهم؛ طُلب منه أن يبرّر مقاومته، وأن يعتذر عن بقائه، وأن يلتزم بقواعد اشتباك لم يضعها هو، ولم تُطبّق يوما على من يحتل أرضه. هذا المنطق لا يعكس حرصا على المدنيين، بل رغبة في نزع الشرعية عن أي فعل مقاوم، وتحميل الضحية مسؤولية الجريمة الواقعة عليها.

إن مطالبة شعب واقع تحت الاحتلال، ويتعرّض للحصار والقصف والتجويع، بأن يكون "عقلانيا" وفق معايير من يعيشون في أمان، ليست دعوة للسلام، بل إعادة إنتاج للظلم بلغة أخلاقية زائفة. فالحياد، في مثل هذه الظروف، لا يعني التوازن، بل يعني الانحياز للأقوى، لأنه يكرّس الواقع القائم ويمنحه شرعية ضمنية.

الاحتلال، الذي يُفترض أن يكون حالة استثنائية مرفوضة، جرى التعامل معه كواقع دائم، والاستيطان، الذي يُعدّ وفق القانون الدولي جريمة حرب، تحوّل إلى "خلاف قانوني". أما الحصار والعقاب الجماعي، فقد أُعيد تعريفهما كإجراءات أمنية

من هنا، تصبح فلسطين أكثر من مجرد قضية وطنية؛ تصبح مرآة تعكس أزمة القيم العالمية. فهي تكشف حدود الخطاب الليبرالي حين يتعارض مع المصالح، وتفضح هشاشة الالتزام بحقوق الإنسان حين يكون الضحية من خارج الدائرة الغربية. كما تكشف عجز النخب السياسية والثقافية عن اتخاذ مواقف مبدئية حين يكون الثمن سياسيا أو اقتصاديا.

لقد اعتاد العالم الحديث على تقديم نفسه بوصفه متعلما من مآسي القرن العشرين، رافعا شعار "لن يتكرر"، لكن ما يجري في فلسطين يثبت أن هذا الشعار لم يكن التزاما أخلاقيا بقدر ما كان وعدا انتقائيا. فالإبادة، حين تطال شعبا محتلا خارج مراكز القوة، تصبح قابلة للتأجيل والتبرير والمساومة.

ومع ذلك، ورغم هذا الانكشاف الشامل، لم تُهزم فلسطين، فالهزيمة لا تُقاس بعدد الضحايا فقط، بل بقدرة الجريمة على كسر المعنى. والفلسطيني، رغم كل ما تعرّض له، ما زال متمسكا بحقه، وبقدرته على تسمية الأشياء بأسمائها. هذه القدرة، في عالم يفرّ من الحقيقة، هي شكل من أشكال القوة.

الهزيمة الحقيقية لحقت بمن صمت، وبرّر، ووازن بين الدم والمصلحة، لحقت بنظام دولي فقد بوصلته الأخلاقية، وبنخب اختارت السلامة الفكرية على حساب العدالة. أما فلسطين، فقد بقيت شاهدا، لا على مأساة شعبها فقط، بل على سقوط منظومة كاملة ادّعت تمثيل الإنسانية.

إن قراءة ما يجري اليوم بمعزل عن هذا السياق الواسع هي قراءة ناقصة، فالقضية ليست فقط وقف إطلاق نار أو مساعدات إنسانية، بل إعادة طرح سؤال جوهري: ما قيمة القيم إذا لم تُطبّق على الجميع؟ وما معنى العدالة إذا كانت خاضعة للهوية والقوة؟

في هذا المعنى، تصبح فلسطين الاختبار الأخلاقي الأخير، اختبارا للصدق لا للخطابة، وللموقف لا للبيانات. ومن يفشل فيه اليوم، لن يُدان سياسيا فحسب، بل سيُسجَّل في ذاكرة الشعوب بوصفه شريكا في الصمت، وهو شكل من أشكال العنف لا يقلّ أثرا عن السلاح.

القيمة الحاكمة لهذا المقال بكلمتين: العدالة الكاشفة
التعليقات (0)

خبر عاجل