منذ
السابع من أكتوبر عام 2023، لم تعد
غزة خبرا عابرا في نشرات المساء، بل صارت قصة
تُكتب كل يوم بالدم، وتُروى بصوتٍ مبحوح لا يسمعه العالم كما يجب. أكتب هذه
الكلمات وكأنني أدوّنها على ورقةٍ قرب نافذة مفتوحة على هذا الألم، أحاول أن ألتقط
المعنى من بين الركام، لكن الحقيقة أبسط وأقسى من كل محاولات الشرح: هناك شعب
يُقتل، وهناك عالم يتقن الانتظار.
منذ ذلك
اليوم، لم تهدأ لغة
الوساطات. أسماء كثيرة حضرت، ووعود كثيرة قيلت، واتصالات لم
تتوقف. كان يُقال إن هناك تقدما، وإن اتفاقا يقترب، وإن الضغط يتزايد.. لكن غزة لم
ترَ من كل ذلك شيئا ملموسا. على الأرض، كانت الطائرات تسبق الكلمات، وكانت
الصواريخ تصل قبل البيانات، وكان الموت أسرع من أي تفاوض.
الجمعة
الأخيرة لم تكن استثناء، بل كانت تلخيصا مكثفا لكل ما جرى. ثلاثة عشر شهيدا في يوم
واحد؛ في مواصي خان يونس، استهدفت غارة سيارة شرطة، فسقط ثمانية شهداء، بينهم من
كانوا يحاولون الحفاظ على ما تبقى من حياة منظمة وسط الفوضى. وفي الشمال، قرب
مستشفى كمال عدوان، لم يكن البيت آمنا، فسقط ثلاثة، بينهم طفل وطفلة شقيقان، كأن
الطفولة نفسها أصبحت هدفا. وفي مدينة غزة، امتد القصف إلى عناصر الشرطة قرب الشيخ
رضوان، ليسقط شهداء وجرحى في مشهد يتكرر حتى فقد صدمته الأولى.
لا يعود السؤال عن وجود الوساطة، بل عن معناها. فالوسيط الحقيقي لا يكتفي بأن يكون حاضرا، بل بأن يكون مؤثرا؛ لا ينقل الرسائل فقط، بل يفرض حدودا
هذه ليست
أرقاما.. هذه ملامح حكاية تُعاد كل يوم؛ حكاية تقول إن القتل لم يعد خطأ عابرا، بل
نهجا مستمرا.
حين وصفت
حركة "حماس" ما يجري بأنه فشل واضح للوسطاء والضامنين، لم تكن تضيف جديدا
بقدر ما كانت تُسمّي الأشياء بأسمائها. فالوساطة التي لا توقف القتل، ماذا يمكن أن
تُسمّى؟ والضمانات التي تُخرق يوميا، ماذا يبقى منها؟ الواقع وحده يجيب: لا شيء.
الهدنة
التي دخلت حيّز التنفيذ في 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، كان يُفترض أن تكون بداية
مختلفة، لحظة يُعاد فيها ترتيب الحياة، ولو مؤقتا. لكن ما حدث هو العكس، 197 يوما
من الخروقات المتواصلة، 791 شهيدا خلال فترة يُفترض أنها "هدنة"، وأكثر
من 2200 جريح. أرقام لا تحتاج تفسيرا بقدر ما تحتاج موقفا. أما منذ بداية الحرب،
فقد تجاوز عدد الشهداء 72 ألفا، ومعهم أكثر من 172 ألف إصابة.. وكأن الزمن في غزة
يُقاس بعدد من رحلوا، لا بعدد الأيام.
هنا، لا
يعود السؤال عن وجود الوساطة، بل عن معناها. فالوسيط الحقيقي لا يكتفي بأن يكون
حاضرا، بل بأن يكون مؤثرا؛ لا ينقل الرسائل فقط، بل يفرض حدودا. وما رأيناه طوال
هذه الفترة هو حضور بلا أثر، وصوت بلا قوة.
الاحتلال لم يتوقف، لأنه لم يُجبر على
التوقف؛ لم يشعر بأن هناك كلفة حقيقية، أو ضغطا يمكن أن يغيّر سلوكه، وهذا وحده
كافٍ ليفسر كل شيء.
المشكلة
أعمق من مجرد فشلٍ في جولة تفاوض، نحن أمام خلل في الفكرة نفسها: فكرة أن الوساطة
يمكن أن تنجح دون أدوات، وأن الكلمات يمكن أن تُقابل النار. ما جرى في غزة كشف أن
موازين القوة لا تُدار بالنيات، وأن العدالة، حين تُترك بلا حماية، تصبح مجرد شعار.
ورغم كل
هذا، يستمر الحديث بنفس اللغة؛ بيانات، إدانات، دعوات للتهدئة.. وكأن شيئا لم
يتغير. لكن الحقيقة أن كل شيء تغيّر، أو ربما انكشف، انكشف الحدّ الذي تقف عنده
الإرادة الدولية، وانكشفت المسافة بين ما يُقال وما يُفعل.
حين يفشل العالم في وقف هذا المستوى من العنف، فهو لا يفشل في مكان واحد فقط، بل يفتح الباب لتكرار النموذج؛ يرسل رسالة خطيرة مفادها أن القانون يمكن تجاوزه، وأن الدم يمكن أن يُصبح رقما
الناس في
غزة لم يعودوا ينتظرون شيئا من كل ذلكن لم يعد لديهم وقت لانتظار بيان جديد، أو
أمل مؤجل في اتفاق لم يولد بعد. هم يعيشون في لحظة مستمرة من الخطر، يحاولون فقط
أن ينجوا بيومهم. وهذا وحده كافٍ ليُدرك أي إنسان حجم الفجوة بين ما يُناقش في
الغرف المغلقة، وما يُعاش تحت القصف.
الأخطر من
هذا كله، أن هذا المشهد لا ينتهي عند حدود غزة. حين يفشل العالم في وقف هذا
المستوى من العنف، فهو لا يفشل في مكان واحد فقط، بل يفتح الباب لتكرار النموذج؛ يرسل
رسالة خطيرة مفادها أن القانون يمكن تجاوزه، وأن الدم يمكن أن يُصبح رقما، وأن
الصمت قد يكون كافيا لتجاوز كل شيء.
لهذا، لا
يمكن قراءة ما يحدث باعتباره حدثا عابرا، هذه لحظة كاشفة، بكل ما تحمله الكلمة من
معنى، لحظة تُعيد تعريف من هو المسؤول، ومن هو المتفرج، ومن هو الشريك بالصمت.
وفي
النهاية.. أكتب هذه
السطور كما لو أنني أضع نقطة في آخر جملة طويلة لم تنتهِ بعد.. غزة لا تحتاج إلى
وسيطٍ يقول إنه يحاول، بل إلى من يملك الجرأة ليُوقف، لا تحتاج إلى وعود، بل إلى
أفعال تُحترم؛ لأن الدم، حين يطول انتظاره، يتحول إلى شهادة ضد كل من تأخر.
ومنذ
السابع من أكتوبر حتى اليوم، الحقيقة لم تتغير، بل أصبحت أوضح: الوسطاء لم يفشلوا فقط في كبح
جرائم الاحتلال.. بل
فشلوا في أن يكونوا على قدر ما تتطلبه هذه اللحظة من إنسانية.
وفي غزة،
تُكتب الخاتمة كل يوم من جديد: ليس السؤال من أدان.. بل من أوقف، ولأن أحدا لم
يفعل، بقيت الحكاية مفتوحة على وجعٍ لا ينتهي.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.