أقرَّ الكنيست الإسرائيلي ما يُعرف إعلاميًا
بـ "قانون
إعدام الأسرى
الفلسطينيين". هذا التشريع، الذي يتجاوز كل
الأعراف الدولية والإنسانية، ليس مجرد إجراء قانوني جديد، بل هو إعلان حرب على
مبادئ العدالة، وخرق فجّ لكل المعاهدات والمواثيق التي تحمي كرامة الإنسان وحق
الحياة، مهما كانت الظروف أو الخلفيات السياسية أو العسكرية.
إنّ إقرار مثل هذا القانون يكشف عن اختلال
عميق في فهم سلطة الدولة وحدودها، ويطرح أسئلة جوهرية حول مشروعيتها وشرعيتها، ليس
فقط في إطار النزاع العربي ـ الإسرائيلي، بل في الضمير الأخلاقي والقانوني العالمي.
من منظور حقوق الإنسان، فإن عقوبة الإعدام
محرمة في العديد من الاتفاقات الدولية، أو مشروطة بحدود ضيقة جدًا؛ فالمادة (6) من
العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تؤكد على حق كل إنسان في الحياة،
وتحمّل الدول مسؤولية عدم تعريض هذا الحق للفناء التعسفي. كما أن اتفاقية الأمم
المتحدة لمناهضة التعذيب توضح أن أي نظام قضائي يقوض ضمانات المحاكمة العادلة
ويتيح تطبيق الإعدام دون محاكمة نزيهة هو انتهاك جسيم.
إدراج عقوبة الإعدام بحق أسرى من شعب تحت احتلال يجعل هذا القانون أكثر إشكالية، ويجعله غير قابل للتبرير قانونياً أو أخلاقياً. فالعقاب الجماعي والقتل التعسفي لا يمكن أن يكونا وسيلة للعدالة أو الأمن.
إدراج عقوبة الإعدام بحق أسرى من شعب تحت
احتلال يجعل هذا القانون أكثر إشكالية، ويجعله غير قابل للتبرير قانونياً أو
أخلاقياً. فالعقاب الجماعي والقتل التعسفي لا يمكن أن يكونا وسيلة للعدالة أو
الأمن.
سياسيًا، فإن "قانون الإعدام" لا
يعمل كأداة للردع أو تحقيق الأمن، بل يحوّل النزاع من صراع سياسي يتطلب حلولًا
تفاوضية إلى صراع قصير النظر يرتكز على العقاب الانتقامي. هذه القوانين تعمّق
الاستقطاب وتكرّس العداء، بدلاً من فتح مسارات للحوار والتفاهم، وتحوّل أصحاب الحق
في الحياة إلى أهداف قانونية قابلة للقضاء عليهم وفق تشريعات مضرة ومضللة.
تاريخيًا، فرض قوانين قمعية تحت غطاء
"الأمن" أو "القانون والنظام" أدى دائمًا إلى تجاوزات كارثية.
وما نراه اليوم في هذا القانون هو إعادة إنتاج لتجارب تاريخية انتكاسية، حيث
السلطة تُسوّغ لنفسها تجاوز الحدود القانونية والأخلاقية، وتؤدي هذه الممارسة إلى
كوارث إنسانية.
من زاوية الشرعية الدينية والسياسية معًا،
هذا القانون باطل شرعًا وقانونًا. أي سلطة تحتل شعبًا وتفرض قوانين بحقهم، مهما
كان الإطار القانوني المحلي، لا تكتسب أي مشروعية حقيقية.
الفقه السياسي الإسلامي يؤكد أن الاحتلال
والظلم مرفوضان تمامًا، وأن الإنسان، باعتباره خليفة الله في أرضه، ملزم برفض
الظلم والدفاع عن حقوقه وحقوق الآخرين. أي قانون يفرغ السلطة من الضوابط الأخلاقية
والقانونية، ويحوّلها إلى أداة للقتل التعسفي، هو قانون باطل ومرفوض شرعًا
وقانونًا.
أما ما ورد في الفقه من الدعوة إلى الشورى
والمساءلة، فهو يختص بمجتمع مسلم يحكمه أفراد ملتزمون بالعدل والشرع، أما تحت
الاحتلال والسلطة الغاصبة، فالقوانين التي تُفرض بالقوة على شعب مضطهد لا علاقة
لها بالشورى أو بالشرعية الإسلامية. وبالتالي، أي تشريع صادر عن قوة احتلال غير
مشروع شرعًا ولا قانونيًا، ويجب رفضه بقوة.
أخطر ما في إقرار مثل هذا القانون ليس فقط في طبيعته القانونية، بل في الرسالة التي يرسلها للعالم: أن هناك سلطة يمكنها إصدار أحكام بالإعدام بلا ضمانات عادلة ولا محاكمات موضوعية، وهذا يسيء إلى النظام القانوني الدولي بأكمله ويشكل تراجعًا عن كل المعايير الإنسانية المعاصرة.
وبناءً على ذلك، يستوجب هذا التصعيد الخطير،
الذي يستغل ضعف العرب والمسلمين والفلسطينيين، وانشغال العالم بحربين كبيرتين في
أوكرانيا وإيران، موقفًا قوياً من المجامع العلمية والهيئات الفقهية في العالمين
العربي والإسلامي، للضغط على المجتمع الدولي ورفض هذه القوانين المنافية لكل
المعايير القانونية والسياسية والشرعية.
أخطر ما في إقرار مثل هذا القانون ليس فقط
في طبيعته القانونية، بل في الرسالة التي يرسلها للعالم: أن هناك سلطة يمكنها
إصدار أحكام بالإعدام بلا ضمانات عادلة ولا محاكمات موضوعية، وهذا يسيء إلى النظام
القانوني الدولي بأكمله ويشكل تراجعًا عن كل المعايير الإنسانية المعاصرة.
أي قانون كهذا، مهما كانت المبررات الأمنية،
سيظل علامة سوداء في سجل العدالة الدولية والشرعية السياسية. التغيير في النزاعات
لا يأتي عبر قوانين انتقامية تُرسّخ ثقافة الإعدام، بل عبر خطوات تُعلي من قيمة
الحياة، وتؤسس لنظام عادل يخضع فيه الجميع للمساءلة، ولا تمنح السلطة المطلقة لأي
جهة، حتى لو ادعت أنها تمارس الحق باسم الأمن أو الشرعية.
احترام القانون الدولي، والقيم الإنسانية،
والضوابط الشرعية، هو الضمانة الحقيقية لأي حل مستدام، وليس تشريعات الإعدام التي
تُكرّس الاستبداد وتُلهِب الصراع.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.