حين تصبح الحرب بديلاً عن الاعتراف بالهزيمة

مبارك المطوع
الحروب قد تؤخر الاعتراف بالحقائق، لكنها لا تلغيها. والاحتلال قد يفرض واقعًا مؤقتًا، لكنه لا يستطيع إنهاء فكرة المقاومة أو محو الذاكرة الجمعية للشعوب.. الأناضول
الحروب قد تؤخر الاعتراف بالحقائق، لكنها لا تلغيها. والاحتلال قد يفرض واقعًا مؤقتًا، لكنه لا يستطيع إنهاء فكرة المقاومة أو محو الذاكرة الجمعية للشعوب.. الأناضول
شارك الخبر
في التاريخ السياسي والعسكري، ليست كل الهزائم تُعلَن بصراحة، فبعض القوى حين تعجز عن تحقيق أهدافها تلجأ إلى إعادة تعريف الواقع، أو الهروب منه عبر صناعة صراعات جديدة تُبقي صورة القوة قائمة ولو على أنقاض الحقيقة. ومنذ عقود، تبدو السياسة الإسرائيلية قائمة على هذا النمط؛ إذ إن الاعتراف بالفشل في تحقيق الغايات الاستراتيجية الكبرى يُستبدل بتوسيع دائرة الحرب، وتكثيف العمليات العسكرية، وخلق ساحات اشتباك متجددة، في محاولة لإخفاء العجز عن فرض نتائج نهائية على الأرض.

لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الاحتلال الإسرائيلي، رغم تفوقه العسكري والتكنولوجي، لم يتمكن من إنهاء القضية الفلسطينية، ولم ينجح في فرض معادلة الاستسلام الكامل. فالحروب المتكررة، والحصار، وسياسات العقاب الجماعي، والدمار الواسع، لم تُنتج واقعًا سياسيًا مستقرًا يضمن لإسرائيل ما تسعى إليه من أمن دائم أو قبول إقليمي كامل. بل إن استمرار الصراع يكشف أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها حسم معركة تتعلق بالهوية والوجود والحق التاريخي.

في فلسطين، لا يزال المشهد يحمل دلالة سياسية وإنسانية بالغة. فالشعب الفلسطيني، رغم ما تعرض له من تهجير وحصار وحروب، بقي حاضرًا على أرضه. المدن التي تهدمت أعيد ترميمها، والمخيمات التي أُنهكت بقيت مأهولة، والذاكرة الوطنية لم تتراجع رغم طول الزمن. إن بقاء الفلسطينيين في أرضهم، وتمسكهم بحقهم في الحياة والوجود، يمثل رسالة سياسية تتجاوز حدود الجغرافيا؛ رسالة مفادها أن الشعوب لا تُقاس فقط بما تملكه من سلاح، بل بما تملكه من قدرة على الصمود.
القانون الدولي، الذي نشأ بعد مآسي الحروب الكبرى ليكون ضمانة للبشرية ضد الإبادة والاحتلال والتمييز، يبدو اليوم عاجزًا أمام مشهد يتكرر فيه استخدام القوة دون رادع حقيقي. فالمبادئ التي تأسست عليها المنظومة القانونية العالمية، مثل حماية المدنيين ومنع العقوبات الجماعية واحترام حق الشعوب في تقرير مصيرها، تواجه اختبارًا قاسيًا حين تُعلّق فعاليتها أمام اعتبارات النفوذ السياسي وموازين القوة الدولية.

ومن أبرز مظاهر هذا الاختلال، الدعم الأمريكي المستمر لإسرائيل، سياسيًا وعسكريًا ودبلوماسيًا. فالولايات المتحدة، التي طالما قدّمت نفسها بوصفها راعية للنظام الدولي الحديث، تبدو في كثير من الأحيان منحازة إلى مقاربة القوة أكثر من التزامها بالقواعد القانونية التي ساهمت في صياغتها. وتتحول المؤسسات الدولية، في ظل هذا الدعم، إلى كيانات محدودة التأثير، تصدر بيانات الإدانة دون قدرة فعلية على فرض الالتزام أو وقف النزاعات.

إن السياسة القائمة على التفوق العسكري وحده لا تؤدي إلى الاستقرار، بل تفتح الباب أمام دورات متكررة من العنف. والتاريخ يعلمنا أن الإمبراطوريات والقوى الكبرى حين اعتقدت أن السلاح قادر على إنهاء إرادة الشعوب، انتهت إلى نتائج معاكسة. فالإرادة الوطنية غالبًا ما تكون أكثر صلابة من الحسابات العسكرية، لأنها تنبع من شعور عميق بالانتماء والحق.

في فلسطين، لا يزال المشهد يحمل دلالة سياسية وإنسانية بالغة. فالشعب الفلسطيني، رغم ما تعرض له من تهجير وحصار وحروب، بقي حاضرًا على أرضه. المدن التي تهدمت أعيد ترميمها، والمخيمات التي أُنهكت بقيت مأهولة، والذاكرة الوطنية لم تتراجع رغم طول الزمن. إن بقاء الفلسطينيين في أرضهم، وتمسكهم بحقهم في الحياة والوجود، يمثل رسالة سياسية تتجاوز حدود الجغرافيا؛ رسالة مفادها أن الشعوب لا تُقاس فقط بما تملكه من سلاح، بل بما تملكه من قدرة على الصمود.

وفي لبنان، يتكرر المشهد ذاته بصيغة مختلفة. فالمجتمع اللبناني، رغم الأزمات الاقتصادية والانقسامات الداخلية، لا يزال يرفض الخضوع الكامل لمنطق العدوان. والاعتداءات المتكررة لم تنجح في إنتاج حالة استسلام جماعي، بل عززت لدى قطاعات واسعة شعورًا بأن الكرامة الوطنية لا يمكن مقايضتها بالخوف أو الإذعان.

أما المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، فإنها تكشف عن تعقيد أكبر في المشهد الإقليمي. فالحرب، وإن بدت أحيانًا مباشرة أو غير مباشرة، لا تحقق حسمًا نهائيًا، بل تستنزف الجميع. الاقتصاد العالمي يتأثر، وأسواق الطاقة ترتبك، والتوازنات الدولية تدخل في حالة توتر دائم. وفي النهاية، يدفع العالم كله ثمن الصراعات المفتوحة التي لا تُبنى على حلول سياسية عادلة.

إن أخطر ما في استمرار الحروب ليس فقط عدد الضحايا أو حجم الدمار، بل التآكل التدريجي لفكرة العدالة الدولية نفسها. فعندما يشعر العالم بأن القانون لا يُطبق إلا على الضعفاء، وأن المعايير تختلف بحسب هوية الضحية أو الفاعل، فإن الثقة بالنظام الدولي تبدأ في الانهيار. وهذا الانهيار لا يهدد منطقة بعينها، بل يهدد فكرة التعايش العالمي التي تشكلت بعد عقود من التجارب المريرة.

إن السياسة القائمة على التفوق العسكري وحده لا تؤدي إلى الاستقرار، بل تفتح الباب أمام دورات متكررة من العنف. والتاريخ يعلمنا أن الإمبراطوريات والقوى الكبرى حين اعتقدت أن السلاح قادر على إنهاء إرادة الشعوب، انتهت إلى نتائج معاكسة. فالإرادة الوطنية غالبًا ما تكون أكثر صلابة من الحسابات العسكرية، لأنها تنبع من شعور عميق بالانتماء والحق.
ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس من يمتلك القوة العسكرية الأكبر، بل من يمتلك القدرة على بناء سلام عادل ومستدام. فالحروب قد تؤخر الاعتراف بالحقائق، لكنها لا تلغيها. والاحتلال قد يفرض واقعًا مؤقتًا، لكنه لا يستطيع إنهاء فكرة المقاومة أو محو الذاكرة الجمعية للشعوب.

إن التاريخ لا يكتب فقط نتائج المعارك، بل يسجل أيضًا قدرة الإنسان على مقاومة الظلم. وربما تكون الحقيقة الأوضح في هذا المشهد أن القوة مهما تعاظمت لا تستطيع أن تمنح الشرعية، وأن العدالة المؤجلة تبقى قادرة على العودة، ولو بعد زمن طويل.

في البعد القيمي والثقافي للصراع، يبرز في الوعي الديني لدى قطاعات واسعة من المسلمين أن الموت في سياق الدفاع عن الأرض والكرامة لا يُنظر إليه بوصفه نهاية وجودية، بل ضمن مفهوم "الشهادة" الذي يمنح معنى مختلفاً لفكرة الفناء، حيث يُعاد تعريف العلاقة بين الحياة والموت في إطار الإيمان بالعدالة الإلهية والجزاء الأخروي. وفي هذا السياق، فإن حجم الخسائر البشرية والدمار الكبير الذي تشهده العديد من دولنا في مواجهة الاحتلال لا يُفهم فقط كمعطى مادي للصراع، بل كجزء من سردية صمود طويلة ترى أن استخدام القوة المفرطة لا يحقق بالضرورة الحسم السياسي، بل قد يعمّق منطق المقاومة ويعيد إنتاج أسبابها، وأن الموت ربما يكون في أحد أوجهه راحة من شياطين الأرض إلى عدالة السماء..

كما يطرح هذا الواقع أسئلة أخلاقية وسياسية حول جدوى استمرار دوامة العنف، وحول قدرة الأطراف المنخرطة فيه على تحقيق أهداف استراتيجية دائمة، في ظل غياب تسوية عادلة تعالج جذور الصراع.

وفي المحصلة، يبقى السؤال مفتوحاً حول إمكانية تحويل هذا المسار الدموي الممتد إلى أفق سياسي مختلف، يضع حداً لدورات العنف المتكررة ويعيد الاعتبار لفكرة العدالة بوصفها أساس الاستقرار لا نتيجة له.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل