يبدو
لبنان، مرة أخرى، كأنه يقف على حافة
جرف تاريخي مألوف، حيث تتداخل الجغرافيا السياسية مع ذاكرة الدم، ويعود شبح
الحرب
الأهلية ليطلّ من نوافذ السياسة المرهقة والاصطفافات الطائفية التي لم تغادر
المشهد منذ عقود.
في هذا المشهد الإقليمي المضطرب، الذي
تتقاطع فيه الحروب المفتوحة مع التسويات غير المكتملة، جاء خطاب الرئيس اللبناني جوزيف عون الذي حمل إشارات
سياسية ثقيلة، سواء في ما يتصل بإدارة ما بعد الحرب الأخيرة، أو في ما يُتداول عن
استعداده للقاءات دولية قد تشمل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء
الإسرائيلي بنيامين
نتنياهو، في سياق تسويات يُراد لها أن تُغلق جبهة عسكرية اشتعلت وخلفت مئات
الشهداء والجرحى، إلى جانب مئات الآلاف من النازحين والمشردين الذين وجدوا أنفسهم
خارج بيوتهم وذاكرتهم في آن واحد.
هناك خشية متنامية من أن يؤدي استمرار الأزمات الداخلية، وتداخل العوامل الإقليمية، إلى دفع لبنان نحو نموذج دولة منقوصة السيادة، أشبه بتجربة السلطة الوطنية الفلسطينية، حيث تتداخل صلاحيات الدولة مع قيود سياسية وأمنية خارجية، وتختزل السلطة في إدارة يومية للأزمات بدل أن تكون مشروعا سياديا مكتمل الأركان.
غير أن ما يبدو في ظاهره محاولة لاحتواء
تداعيات حرب عدوانية، يحمل في باطنه أسئلة أكثر تعقيداً حول مستقبل الدولة
اللبنانية ذاتها. فلبنان الذي خرج من الحرب الأهلية مثقلاً بجراح لم تلتئم، يعيش
اليوم حالة انقسام سياسي واجتماعي متجدد، يعيد إنتاج ذاته بأدوات مختلفة، لكن بروح
قديمة لا تزال تستحضر خطوط التماس الطائفية، وتغذي الهواجس التاريخية بين مكوّناته.
في هذا السياق، تبرز واحدة من أكثر القضايا
حساسية في الداخل اللبناني، وهي مسألة السلاح غير المنضوي بالكامل تحت سلطة
الدولة، وفي مقدمه سلاح حزب الله. إذ أن أي حديث عن "تسليم السلاح" أو "توحيد
السلاح تحت مظلة الدولة" لا يُقرأ بوصفه إجراء أمنيا فحسب، بل كمعادلة سياسية
تمسّ توازنات دقيقة تأسس عليها النظام اللبناني بعد الطائف. فجزء من اللبنانيين
يرى في احتكار الدولة للسلاح شرطا لبناء سيادة مكتملة، فيما يرى آخرون أن هذا
الطرح، في ظل التهديدات الإقليمية، قد يخلّ بتوازن الردع ويعيد البلاد إلى مكامن ضعفها
الاستراتيجي. وهكذا يتحول ملف السلاح من قضية تنظيمية إلى عقدة وجودية تتقاطع فيها
السيادة مع الأمن والهواجس الطائفية.
وفي البعد الاجتماعي ـ التاريخي، يبرز
النقاش حول الطائفة الشيعية في لبنان بوصفه جزءا من السردية الوطنية المعقدة.
فالتشيع في لبنان ليس طارئا على الجغرافيا ولا على التاريخ، بل هو مكوّن أصيل
تشكّل في جبل عامل وجبل لبنان والجنوب والبقاع، ضمن سياق تاريخي طويل من الحضور
الديني والاجتماعي والسياسي. وتذهب بعض القراءات الفكرية إلى التأكيد على أن
العلاقات بين شيعة لبنان وإيران لا تختزل في بعدها السياسي الراهن، بل تمتد إلى
روابط مذهبية وعقائدية وتاريخية أعمق، وإن كانت تتخذ اليوم شكلا سياسيا واضح
التأثير. بل إن هناك روايات تاريخية تشير إلى أن علماء من جبل عامل كان لهم دور في
تطوير الفكر الشيعي في إيران خلال مراحل تاريخية سابقة، ما يعكس تفاعلا معرفيا
ومذهبيا متبادلا عبر القرون، لا يمكن اختزاله في معادلات السياسة المعاصرة وحدها.
غير أن هذا البعد التاريخي، بدلا من أن يكون
جسرا للفهم المتبادل، يتحول في السياق اللبناني الداخلي إلى مادة جدل سياسي،
تستخدم أحيانا لتبرير الانقسام أو تعميقه، في بلد يقوم أساسا على توازنات طائفية
دقيقة وهشة في آن واحد.
إن لبنان ليس معزولا عن جرحه الأكبر، بل هو امتداد حيّ لذاكرة واحدة، كأن حدوده تنفتح جنوبا على المعنى لا على الجغرافيا فقط؛ هو شمال فلسطين المحتلة، حيث لا يزال الدم ينزف، وحيث رائحة الشهيد في غزة لم تخبُ بعد. هناك، كما هنا، تتشابه الحكايات: أمّ تنتظر، وبيت يعاد بناؤه فوق الفقد، وسماء مثقلة بأسماء الذين مضوا ولم يغيبوا. كأن الأرض كلّها تنطق بلسان واحد، يقول إن الألم واحد، وإن الذاكرة واحدة، وإن ما كتب بالدم لا تمحوه تسويات ولا تطفئه الأزمنة.
وفي خلفية هذا المشهد، يطل هاجس أعمق يتعلق
بمصير الدولة اللبنانية نفسها. فهناك خشية متنامية من أن يؤدي استمرار الأزمات
الداخلية، وتداخل العوامل الإقليمية، إلى دفع لبنان نحو نموذج دولة منقوصة
السيادة، أشبه بتجربة السلطة الوطنية الفلسطينية، حيث تتداخل صلاحيات الدولة مع
قيود سياسية وأمنية خارجية، وتختزل السلطة في إدارة يومية للأزمات بدل أن تكون
مشروعا سياديا مكتمل الأركان. وهذا الخوف يزداد حضورا في ظل ما يطرح من ترتيبات
مرتبطة باتفاقات وقف إطلاق النار أو التسويات الإقليمية، التي قد تعيد تشكيل وظيفة
الدولة بدل إعادة بنائها.
إن لبنان اليوم لا يواجه فقط اختبار إعادة
الإعمار بعد حرب مدمرة، بل اختبار إعادة تعريف ذاته: هل هو دولة مكتملة السيادة
قادرة على احتكار القرار والسلاح والمؤسسات؟ أم أنه يتجه تدريجياً نحو صيغة سياسية
رمادية، تُدار فيها التوازنات من الخارج وتضبط فيها التناقضات من دون حلّها؟
بين هذه الأسئلة الثقيلة، يبقى المشهد
اللبناني مفتوحاً على احتمالات متعددة، بعضها يقود إلى استقرار هش، وبعضها الآخر
يعيد فتح أبواب التاريخ على مصراعيها، حيث تختلط الدولة بالذاكرة، والسياسة
بالخوف، والمستقبل بالماضي الذي لم يغلق بعد.
لقد حفظت الأغاني ما عجزت السياسة عن حفظه.
في صوت فيروز، صار الوطن صلاة لا تنكسر، وفي نبرة مارسيل خليفة تحوّلت القصيدة إلى
بندقية من لحن، بينما حمل أحمد قعبور وجع الناس إلى مساحات الضوء، حيث لا تموت
الحكاية بل تتجدد في كل جيل. تلك الأغاني لم تكن ترفا فنيا، بل كانت وثائق مقاومة،
تحفظ أسماء الغائبين وتعيدهم إلى الحياة كلما ضاقت البلاد.
لبنان الذي مرّ من صبرا وشاتيلا، ومن حصار
بيروت، ومن رماد البيوت المهدّمة، ليس بلدا ينسى بسهولة، ولا شعبا يتخلى عن
ذاكرته. إنه بلد كلما حاولت التسويات أن تختصره، عاد ليذكّر الجميع أن فيه شيئا
عصيّا عن الكسر: ذاكرة الدم حين تتحول إلى وعي، والوجع حين يصير هوية، والبطولة
حين تُغنّى فتبقى.
وبعد، فإن لبنان ليس معزولا عن جرحه الأكبر،
بل هو امتداد حيّ لذاكرة واحدة، كأن حدوده تنفتح جنوبا على المعنى لا على
الجغرافيا فقط؛ هو شمال فلسطين المحتلة، حيث لا يزال الدم ينزف، وحيث رائحة الشهيد
في غزة لم تخبُ بعد. هناك، كما هنا، تتشابه الحكايات: أمّ تنتظر، وبيت يعاد بناؤه
فوق الفقد، وسماء مثقلة بأسماء الذين مضوا ولم يغيبوا. كأن الأرض كلّها تنطق بلسان
واحد، يقول إن الألم واحد، وإن الذاكرة واحدة، وإن ما كتب بالدم لا تمحوه تسويات
ولا تطفئه الأزمنة.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.