عندما يرفض الضعفاء الانكسار

عادل الحامدي
ليس أقسى على الإنسان من أن يُسلب صوته، أو يُفرض عليه أن يقبل بالمهانة كقدر. ومن هنا، تتشكل تلك الإرادة الصامتة التي تختار، في كل مرة، أن تحتمل الضربة ولا تُسلّم أمرها، أن تتألم ولا تنحني، أن تخسر كثيرًا لكنها لا تخسر نفسها.. الأناضول
ليس أقسى على الإنسان من أن يُسلب صوته، أو يُفرض عليه أن يقبل بالمهانة كقدر. ومن هنا، تتشكل تلك الإرادة الصامتة التي تختار، في كل مرة، أن تحتمل الضربة ولا تُسلّم أمرها، أن تتألم ولا تنحني، أن تخسر كثيرًا لكنها لا تخسر نفسها.. الأناضول
شارك الخبر
حين يغيب صوتٌ كان ينادي للكرامة ويوقظ في الناس معنى الانتماء، لا يكون الرحيل مجرد حدث عابر، بل لحظة تأمل عميقة في جوهر ما تركه من أثر. هكذا يرحل أحمد قعبور، صاحب قصيدة "أناديكم" التي تحولت إلى نشيد للوجدان الفلسطيني والعربي، ليبقى صوته شاهداً على أن الكلمة قادرة على أن تصنع وعياً يقاوم الانكسار.

وفي حضرة هذا الغياب، يصبح السؤال عن سر صمود الشعوب ليس فكرياً مجرداً، بل امتداداً لذلك النداء الإنساني العميق الذي آمن بأن الضعفاء، حين يتمسكون بمعناهم وكرامتهم، يرفضون الهزيمة. ومن هنا، تنفتح هذه القراءة على محاولة فهم تلك القوة الخفية التي تجعل المجتمعات تقاوم، وتبقى واقفة رغم كل شيء:

حين ننظر إلى التاريخ المعاصر، تبدو بعض الوقائع أكثر غرابة وإثارة للتفكير من مجرد أحداث سياسية أو عسكرية: طالبان تصمد أمام أعنف قوة عسكرية في العالم، الولايات المتحدة، ومعها تحالف الناتو الذي يضم بريطانيا ودولًا أوروبية عدة؛ حماس تواجه الكيان الإسرائيلي، الدولة الأقوى في المنطقة، وتتمكن من تحطيم أسطورة الجيش الذي لا يقهر؛ وإيران، رغم العزلة الإقليمية والتهديدات الأمريكية المباشرة، تصنع من نفسها حائط صد صلبًا أمام النفوذ الخارجي. هذه الوقائع تضع أمامنا سؤالًا أساسيًا: ما الذي يمنح هذه القوى المحلية القدرة على الصمود حين تنهار أنظمة أخرى بسرعة مذهلة، كما حدث مع رأس النظام الفنزويلي أو سقوط النظام البعثي في العراق في أسابيع قليلة؟

طالبان تصمد أمام أعنف قوة عسكرية في العالم، الولايات المتحدة، ومعها تحالف الناتو الذي يضم بريطانيا ودولًا أوروبية عدة؛ حماس تواجه الكيان الإسرائيلي، الدولة الأقوى في المنطقة، وتتمكن من تحطيم أسطورة الجيش الذي لا يقهر؛ وإيران، رغم العزلة الإقليمية والتهديدات الأمريكية المباشرة، تصنع من نفسها حائط صد صلبًا أمام النفوذ الخارجي.
إذا أردنا التفسير السطحي، قد نقول إن الوطنية هي السبب؛ فحب الأرض والانتماء للوطن يدفع الأفراد لمواجهة الغزاة. هذا التفسير صحيح جزئيًا، لكنه لا يكفي. فالوطنية وحدها لا يمكن أن تفسر قوة طالبان وهي تواجه الحشود العسكرية المتفوقة تكنولوجيًا وعدديًا، ولا يمكن أن تفسر قدرة حماس على تحدي جيش مدجج بالأسلحة الحديثة، أو صمود إيران في مواجهة القوة العظمى ضمن محيط إقليمي معادٍ تقريبًا لها. هناك أمر أعمق يغذي هذا الصمود: البعد المجتمعي والثقافي والديني الذي يشكل هويتها، ويمنحها معنى وجوديًا أوسع من مجرد الدفاع عن حدود جغرافية.

في حالة طالبان، نرى دينامية اجتماعية ودينية متشابكة؛ الحركة ليست مجرد جيش يقاتل، بل مجتمع متماسك يرتكز على شبكة قبلية وإيمانية متينة، ترى في مقاومتها مواجهة للظلم وفرض لقيمها على أرضها، وهذه القيم تتجاوز السياسة اليومية لتصبح قضية وجود. كل فرد من أفراد طالبان يشعر بأنه جزء من مشروع تاريخي يربط بين الماضي والحاضر، بين الإيمان بالقدرة الإلهية على النصر وبين الواجب المجتمعي تجاه الأرض والعائلة والمجتمع.

أما حماس في فلسطين، فالوضع يزداد تعقيدًا؛ المقاومة هنا ليست مجرد حرب عسكرية، بل استجابة لإحساس بالظلم التاريخي منذ النكبة عام 1948، واستمرار الاحتلال. الشعب الفلسطيني، ومن خلال حركة حماس، يختبر الصمود على أنه واجب أخلاقي ووطني معًا. قصص الانتصارات الصغيرة، حتى على مستوى الهجمات الفردية أو الصواريخ التي تصيب أهدافًا استراتيجية، تتحول إلى أساطير تُغذي الروح المعنوية وتخلق إحساسًا بالقدرة رغم الفارق التكنولوجي الهائل مع العدو. في هذا السياق، الصمود الفلسطيني هو تجربة جماعية، تشترك فيها كل الأجيال، وهو ناتج عن مزيج من الوطنية، الوعي التاريخي، والإيمان العميق بالعدالة، الذي يمنحها بعدًا يعلو فوق القوانين الدولية والسياسات العابرة.

النظام الإيراني كذلك مثال آخر على هذا الصمود؛ فالقيادة في طهران تبني سياساتها على شعور بالهوية الوطنية الممتدة عبر التاريخ، مدعومة بعمق ديني شيعي يربط الأمة بالمصير المشترك للعدالة والمقاومة ضد الهيمنة الغربية. قوة إيران لا تكمن في السلاح وحده، ولا في القوة العسكرية الإقليمية، بل في قدرتها على تحويل الصراع إلى مشروع جماعي ثقافي، يربط الشعب بالفكرة الأكبر: أن الوقوف في وجه القوى الكبرى واجب أخلاقي قبل أن يكون قرارًا سياسيًا.

في المقابل، نجد أن أنظمة مثل النظام الفنزويلي أو البعثي في العراق لم تصمد لأنها كانت أنظمة هرمية مركزة، تعتمد على السلطة الفردية، وليست مبنية على صمود شعبي جماعي أو مشروع ثقافي أو ديني مشترك. حين سقط رأس النظام، انهار الهيكل كله. لم يكن هناك شبكة اجتماعية متماسكة أو مشروع إيماني أو تاريخي يعطي للأفراد شعورًا بالمسؤولية والواجب المستمر.

إن الصمود لا ينبع من الوطنية وحدها، ولا من القانون الدولي أو السياسات العابرة، بل من امتزاج هذه العناصر مع البعد الإيماني والروحي والثقافي الذي يمنح المجتمعات قوة غير مرئية؛ قوة تجعلها ترى نفسها في مشروع أكبر من مجرد بقائها أو انتصارها العسكري المباشر. هذا البعد الغيبي أو الروحي هو الذي يحفز الأجيال على مواجهة العدوان والظلم، حتى في مواجهة قوى متفوقة ماديًا وتقنيًا، ويخلق مقاومة تتجاوز قوانين الأرض إلى قيم العدالة، التضحية، والكرامة الإنسانية.
إذا، يمكن القول إن الصمود لا ينبع من الوطنية وحدها، ولا من القانون الدولي أو السياسات العابرة، بل من امتزاج هذه العناصر مع البعد الإيماني والروحي والثقافي الذي يمنح المجتمعات قوة غير مرئية؛ قوة تجعلها ترى نفسها في مشروع أكبر من مجرد بقائها أو انتصارها العسكري المباشر. هذا البعد الغيبي أو الروحي هو الذي يحفز الأجيال على مواجهة العدوان والظلم، حتى في مواجهة قوى متفوقة ماديًا وتقنيًا، ويخلق مقاومة تتجاوز قوانين الأرض إلى قيم العدالة، التضحية، والكرامة الإنسانية.

في النهاية، طالبان، حماس، والنظام الإيراني يظهرون لنا درسًا إنسانيًا وتاريخيًا مهمًا: الصمود ليس مجرد قدرات عسكرية أو قوة سياسية، بل نتاج تعقيد اجتماعي وثقافي وروحي، حيث تتداخل الوطنية مع الهوية الدينية، والتاريخ مع الواجب الأخلاقي، ليصبح الدفاع عن الأرض والكرامة مشروعًا وجوديًا بحد ذاته. وهذا ما يميزهم عن أنظمة أخرى، ويشرح لماذا يمكن لمجتمعات محلية محدودة الموارد أن تواجه قوى دولية هائلة، وتستمر في مقاومة ما تعتبره عدوانًا وظلمًا لا يمكن السكوت عنه.

وفي هذا المعنى تحديدًا، لا يعود الصمود خيارًا بطوليًا استثنائيًا، بل يتحول إلى فعلٍ يوميٍّ بسيط، يتكرر في وجوه الناس وحكاياتهم، في قدرتهم على الاستمرار رغم كل ما يُراد لهم من انكسار. هناك، حيث يشتد الألم وتضيق السبل، لا يكون الامتحان في تجنّب الجراح، بل في رفض الخضوع لمن يصنعها.

فليس أقسى على الإنسان من أن يُسلب صوته، أو يُفرض عليه أن يقبل بالمهانة كقدر. ومن هنا، تتشكل تلك الإرادة الصامتة التي تختار، في كل مرة، أن تحتمل الضربة ولا تُسلّم أمرها، أن تتألم ولا تنحني، أن تخسر كثيرًا لكنها لا تخسر نفسها.

وهكذا، تمضي الحكاية كما بدأت: ليست حكاية قوةٍ لا تُقهَر، بل حكاية كرامةٍ لا تُستباح. كرامةٌ تعرف أن الجراح قد تكثر، وأن الطريق قد يطول، لكنها تظل تؤمن ـ في عمقها الإنساني ـ أن احتمال الألم أهون من الارتهان للذل، وأن ما يُصان في الداخل، هو وحده ما يجعل الاستمرار ممكنًا مهما تعاقبت الضربات، ومهما تغيّرت وجوهها.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)