قراءة في مواقف التونسيين من الهجمة الصهيو-أمريكية على إيران

عادل بن عبد الله
"منطقة تظهر مدى انقسام التونسيين وعدم وجود أي تجانس بينهم في مواقفهم"- إرنا
"منطقة تظهر مدى انقسام التونسيين وعدم وجود أي تجانس بينهم في مواقفهم"- إرنا
شارك الخبر
بعد فشل تمرير مقترح القانون عدد 23 لسنة 2017 والمتعلق بتنظيم سبر الآراء واستطلاعات الرأي وإنجازها ونشرها، حرصت منظومة الحكم الحالية على إصدار قانون أساسي عدد 1 لسنة 2020 لتنظيم هذا القطاع. وأُحدثت بموجب هذا القانون هيئة عمومية مستقلة سميت "هيئة سبر الآراء"، وحُددت مهمتها الأساسية في "مراقبة نسب مشاهدة وسائل الإعلام واستهلاك البضائع والخدمات". وبصرف النظر عن تركيبة الهيئة وصلاحياتها وعلاقتها بالسلطة التنفيذية، فإنها هيئة لا تكاد تحضر في أي سجال عمومي، بل إننا لا نكاد نسمع ركزا لمؤسسات سبر الآراء حتى في القضايا الإقليمية والدولية كما هو الشأن في ملف الصراع بين إيران وبين أمريكا والكيان الصهيوني. فرغم متانة العلاقات التونسية الإيرانية في عهد الرئيس قيس سعيد، ورغم احتياج النظام إلى إسناد شعبي في توجهاته العامة سواء فيما يخص القضية الفلسطينية أو في الصراع الإيراني--الإسرائيلي، فإن مؤسسات سبر الآراء قد ظلت صامتة ولم تسع إلى تقوية موقف النظام من خلال دراسة توجهات الرأي العام التونسي.

وفي ظل غياب عمليات سبر آراء موثوقة، فإن ادّعاء معرفة "الرأي العام التونسي" في القضايا المحلية والخارجية هو ادعاء مداره تخمينات/انحيازات ذاتية وحجّتُه أرقامٌ ونٍسب بلا أي قيمة موضوعية.

إن غياب عمليات سبر الآراء الموثوقة، لا يعني استحالة استقراء التوجهات العامة للتونسيين، بل يعني فقط ضرورة التواضع عند الحديث عن تلك التوجهات وعدم التعامل معها باعتبارها حقيقة موضوعية. فمنتهى ما يمكننا بلوغه هو عمليات سبر آراء "عفوية" لا يمكنها أن تدعيَ الموضوعية، ولا تستطيع أن تصمد أمام النقض والتفنيد في صورة وجود حقائق تناقضها من منظور إحصائي علمي.

الكثير من التونسيين -بمن فيهم نسبة معتبرة من رموز حركة النهضة وقواعدها- لا يشايعون المشروع الإيراني في المنطقة ولا ينسون ما فعلته في سوريا، ولكنهم في مقابل ذلك لا يُنكرون دور إيران في دعم المقاومة الفلسطينية

وإذا انطلقنا من هذه المقدمات العامة، فإننا نستطيع أن نقول بأنّ الغالبية العظمى من الشعب التونسي تعارض الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي على إيران. وهو موقف عبّرت عنه الأجهزة الرسمية للدولة عبر بيان وزارة الخارجية، وعبّرت عنه أهم الأحزاب المعارضة ومنظمات المجتمع المدني وعكسته آراء أغلب التونسيين على مواقع التواصل الاجتماعي. وفي هذا المحور المؤيد لإيران الآن-وهنا، نجد منتمين إلى مختلف العائلات الأيديولوجية والسرديات الكبرى، ولذلك فإننا نجد اختلافات كبيرة في الأنساق الحجاجية لأصحابه. وبالتوازي مع هذا الرأي الأغلبي، نجد آراء أخرى تتراوح بين "الحياد السلبي" وبين الشماتة في "الروافض" أو في الجناح الثاني للمشروع الامبريالي في المنطقة العربية، باعتبار أن إسرائيل عندهم هي الجناح الأول لذلك المشروع.

إذا كان بعض مناصري إيران "الآن-وهنا" يناصرونها كما فعلوا سابقا باعتبارها قاطرة "محور المقاومة والممانعة"، وهؤلاء ينتمون في الغالب إلى اليسار بشقيه الماركسي والقومي وإلى التشيع السياسي أو حتى العقدي، فإن غيرهم يناصرها في الصراع الحالي من منطلق مختلف جذريا. فالكثير من التونسيين -بمن فيهم نسبة معتبرة من رموز حركة النهضة وقواعدها- لا يشايعون المشروع الإيراني في المنطقة ولا ينسون ما فعلته في سوريا، ولكنهم في مقابل ذلك لا يُنكرون دور إيران في دعم المقاومة الفلسطينية -خاصة دعم حركتي حماس والجهاد الإسلامي- ولا يعتبرونها العدو الأخطر على المسلمين. كما أن هؤلاء يعتبرون هزيمة إيران في الصراع الحالي انتصارا للمشروع الصهيوني ولمحور الثورات المضادة والتطبيع، وبالتالي فإنهم يتوجّسون خيفة من أن سقوط إيران سيقوّي قبضة الأنظمة العربية التي استفادت من غلق "فاصلة" الربيع العربي وسينهي الملف الفلسطيني بحكم انكسار داعمه الإقليمي الأكبر.

ورغم أن إيران لم تكن يوما ظهيرا للثورات العربية، فإن دعمها للمقاومة الفلسطينية لا ينكره إلا مكابر، كما أنّ ضررها في المجال العربي لا يمكن أن يقارن بالضرر الأكبر الذي أحدثته الصهيونية عبر أدواتها ووكلائها في منظومات الاستعمار الداخلي، بتخريب تلك الثورات وإحكام قبضتها على "الكيانات الوظيفية" على أيدي نخب سياسية وفكرية وإعلامية "مطبّعة" مع مشروع إسرائيل الكبرى والديانة الإبراهيمية ومعادية لأي مشروع تحرّري من الإمبريالية في مرحلتها المتصهينة.

بالتوازي مع هؤلاء الداعمين للموقف الإيراني في الصراع الحالي على اختلاف أسبابهم، نجد موقفا مختلفا يتبناه تونسيون من النخب وعموم المواطنين، وهو موقف لا يحكمه التعاطف بل العداء الصريح. ولا تعني معاداة إيران -كما يروّج الكثيرون- تصهينا خفيا، بقدر ما تعني تقديرات مختلفة للموقف الأصوب من الصراع الحالي.

ويمكننا -من باب التجريد- أن نقسّم هذا "المحور" إلى سرديتين جزئيتين أساسيتين؛ أمّا السردية الأولى فيتأسس موقفها على "التاريخ" سواء في ذلك القديم منه أو الحديث. وفي هذه السردية تحضر إيران باعتبارها دولة "الروافض" وباعتبارها العدو الوجودي لـ"أهل السنة والجماعة" منذ عبد الله بن سبأ وأبي لؤلؤة المجوسي، إلى عهد "ولاية الفقية" ومجازر بشار الأسد "النُّصيري" في حق الأغلبية السنية بسوريا. وبحكم المعجم "الطائفي" لهذا الموقف فإنه يشمل أطيافا كثيرة تتجاوز "الوهابية" القائلة بأن الروافض أشد كفرا ونفاقا من اليهود والنصارى، إذ نجد في مكوناته نسبة معتبرة من الإسلاميين ومن عموم المواطنين الذين لا يقولون بمقالات الوهابية في الدين والسياسة.

الملفات الخارجية تجمع عموم المواطنين والنخب في "منطقة الأمان" التي لا تشترط التماهي مع الموقف الرسمي. ولكنها منطقة تظهر مدى انقسام التونسيين وعدم وجود أي تجانس بينهم في مواقفهم من القضايا الخارجية وما يؤسسها أيديولوجيا وقيميا

وأما السردية الثانية فتؤسس موقفها على متطلبات "الاستئناف الحضاري"، أي على "المستقبل المتخيل" في صورة سقوط إيران التي هي عندها عدو وجودي لمشروع الاستئناف الحضاري "السُّني"، مثل الكيان الصهيوني أو أكثر. ورغم أن السردية الثانية أكثر تخففا من المعجم الديني، فإنها في بنيتها العميقة تشترك مع السردية الأولى في السياج الطائفي نفسه عندما تجعل "الإسلام" مرادفا لأهل السنة، وتجعل الاستئناف الحضاري مهمة سنية لا مكان فيها بـ"الروافض" ولغيرهم من الطوائف الإسلامية.

رغم وعي التونسيين -بنخبهم وعامتهم- بأن مواقفهم الرسمية والشعبية لا تأثير لها على واقع الصراع الحالي ولا على مآلاته، فإنهم يحرصون على اتخاذ تلك المواقف من باب إبراء الذمة والشهادة للحق (بالنسبة للمتدينين)، ومن باب التنفيس والبحث عن الإشباع النفسي وتأكيد الذات (بالنسبة لأغلب الناس)، ومن باب التموضع السياسي لإسناد السلطة أو نقد موقفها (بالنسبة للنخب). ونحن لا نردّ كثافة السجال العمومي حول الملفات الخارجية عموما إلى وعي التونسيين بتأثيرات تلك الملفات على واقعهم ومستقبلهم، بقدر ما نرده إلى غياب أي كلفة أو خطر مباشر من المشاركة في السجال العمومي؛ بدءا من المقهى وانتهاء بمواقع التواصل الاجتماعي.

فعلى خلاف الملفات الوطنية التي قد تكون ذات كلفة على من يشارك في خوضها إذا تصادم مع السردية الرسمية، فإن الملفات الخارجية تجمع عموم المواطنين والنخب في "منطقة الأمان" التي لا تشترط التماهي مع الموقف الرسمي. ولكنها منطقة تظهر مدى انقسام التونسيين وعدم وجود أي تجانس بينهم في مواقفهم من القضايا الخارجية وما يؤسسها أيديولوجيا وقيميا، وهو ما يجعل من انقسامهم -حتى داخل الحزب الوحد أو الأيديولوجيا الواحدة- حول القضايا الوطنية ثابتا بنيويا غير قابل للتجاوز على الأقل في المدى المنظور.

x.com/adel_arabi21
التعليقات (0)