بصرف
النظر عن مسارات الثورات العربية ومآلاتها، فإن الإسلاميين الذين شاركوا في "الفاصلة
الديمقراطية" -بعد الاختلال المؤقت لمنظومات الحكم القديمة- قد مثّلوا فاعلا
أساسيا فيها. ولم تكن حركة
النهضة بِدعا من هذا الخيار الذي انتهجته الحركات
الإسلامية ذات المرجعية "الإخوانية" وبعض المكونات الأخرى كالسّلفية
العلمية وحزب التحرير، بل إنّ حركة النهضة كانت خلال "عشرية الانتقال
الديمقراطي" مركز الحقل السياسي "القانوني" في النظام البرلماني
المعدّل، وهي مركزية هشة بحكم الهوّة الفاصلة بين التمثيلية الشعبية وبين امتلاك
ركائز السلطة الفعلية.
ولم
يشفع لتلك الحركة تغيير مركز هويتها السياسية من "الإسلام السياسي" إلى
"الإسلام الديمقراطي" بعد مؤتمرها العاشر سنة 2016،
ذلك أن "الديمقراطية المسلمة" التي أرادت التمايز عن الإسلام السياسي في
صيغته الداعشية الإرهابية، قد وجدت نفسها بين تكفيرين أدّيا إلى فشل هذا الخيار:
تكفير "إسلامي" يرى في الديمقراطية منظومة كفرية تُخرج القائل بها من
الملّة وتفقده شرعية التحدث باسم الإسلام، وتكفير "حداثي" تحكمه مقولة
"الاستثناء الإسلامي"، ويقول باستحالة التوفيق بين الإسلام في ذاته وبين
الديمقراطية وقاعدتها الفلسفية السياسية العلمانية.
"أخلقة" الفعل السياسي أو محاولة إدماج الدين في بناء المشترك المواطني -دون إنكار التعددية والمواطنة والديمقراطية- هو معطى لا ينفصل عن الديمقراطية المسيحية المتصالحة مع علمنة المجتمع في صيغه الغربية التي لا تقبل الاختزال في النموذج اللائكي الفرنسي، على عكس ما تدّعيه أغلب النخب الحداثية في تونس
على
خلاف "الديمقراطية المسيحية" التي استطاعت -بعد ظهورها في القرن التاسع
عشر- أن تتحول إلى فاعل سياسي أساسي في العديد من الديمقراطيات الغربية، فإن
"الإسلام الديمقراطي" الذي استلهم هذ النموذج الغربي في إطار مراجعاته
السياسية؛ لم يستطع أن ينجح في تحقيق ما كان يطمح إليه في مستوى علاقته بالدولة
العميقة (منظومة الاستعمار الداخلي) ورعاتها الأجانب، وكذلك في مستوى علاقته
بالنخب الحداثية (الخصم الفكري للحركات الإسلامية والحليف الموضوعي للنواة الصلبة
لمنظومة "الاستعمار الجديد") وفي مستوى علاقته بقاعدته الانتخابية. وآية
ذلك ما حصل بعد انتخابات 2019 البرلمانية والرئاسية؛ فرغم تصدّر النهضة لانتخابات 2019 بـ52 مقعدا، فإنها ظلت بعيدة عن الـ69 مقعدا في انتخابات 2014 ، وعن الـ90 مقعدا في انتخابات المجلس التأسيسي سنة 2011. كما أن النهضة -باعتبارها الحزب الأغلبي في
البرلمان- فشلت في تمرير حكومة السيد الحبيب الجملي، وهو عبّر عن أزمة سياسية
كامنة أدّت إلى انتقال المبادرة السياسية من البرلمان إلى قصر قرطاج وظهور "حكومة
الرئيس" التي جعلت مركز الحقل السياسي ينتقل بصورة مُمنهجة وتراكمية من
الأحزاب البرلمانية إلى مؤسسة الرئاسة.
دون
أن ندخل في تفاصيله النظرية وأسبابه الموضوعية، ودون أن نصادر على النوايا كما
يفعل من يعتبر أنّ "الإسلام الديمقراطي" هو في جوهره "هجرة
تكتيكية" أو "تقية سياسية" لا تعكس مراجعات فكرية جذرية، فإننا
نستطيع أن نقول إنّ هذه الهوية السياسية هي "أسلمة" للفلسفة السياسية
للديمقراطية المسيحية القائمة على استلهام القيم الأخلاقية (انظر مقال رضوان
المصمودي: "الإسلام.. الديمقراطية.. والدولة المدنية"، موقع الرأي
الجديد، 05 كانون الثاني/يناير 2026).
ورغم أن الكاتب لا يشير إلى مرجع المعنى المسيحي للإسلام الديمقراطي، فإنّ
"أخلقة" الفعل السياسي أو محاولة إدماج الدين في بناء المشترك المواطني -دون
إنكار التعددية والمواطنة والديمقراطية- هو معطى لا ينفصل عن الديمقراطية المسيحية
المتصالحة مع علمنة المجتمع في صيغه الغربية التي لا تقبل الاختزال في النموذج
اللائكي الفرنسي، على عكس ما تدّعيه أغلب النخب الحداثية في
تونس.
عندما
تحدثنا في العنوان عن "المأزق الكافكوي" فإننا لا نستعمله بالمعنى
الأصلي المرتبط بالفرد في روايات الكاتب التشيكي فرانز كافكا (1883-1924)، أي لا نقصد "موقفا يجد فيه الشخص
نفسه مخطئا في كل الأحوال، إذا حاول أن يُبرر لا يُصدّق، وإذا صمت يُعتبر اعترافا
بالخطأ". فنحن هنا نستعمل "المأزق الكافكوي" باعتباره استعارة
سياسية تنطبق على "المسلم الديمقراطي"، بل على كل الإسلاميين الذين
انتقلوا من منطق البديل إلى منطق الشريك، ومن موقع مواجهة الدولة إلى موقع التصالح
معها على الأقل في مستوى الخطاب العلني. فـ"المسلم الديمقراطي" الذي
غادر بعد الثورة دائرةَ "الاستعلاء الايماني"، باعتبارها في جوهرها
تصعيدا نفسيا لوضعية "الدونية الاجتماعية" و"عدم الاعتراف القانوني"
والاستهداف الأمني-الفكري المُمنهج من لدن الدولة وأذرعها الوظيفية في مرحلتي
الحكم الدستورية والتجمعية، لم يجد في الجهة المقابلة إلا القليل من "الشركاء"
الذين يبنون مواقفهم/مواقعهم على أساس هذه الهوية السياسية الجديدة. ولذلك كان ما
عوّض "الاستعلاء الايماني" هو أساسا "الاستضعاف الديمقراطي"
الذي تجلى في حرص ما يُسمى بـ"العائلة الديمقراطية" على تثبيت
"الخوانجية" في هوية ثابتة ونهائية لا تقبل التغير.
رغم
أهمية مقولة "الاستثناء الإسلامي" في بناء مواقف "
الحداثيين"
من المكوّن الإسلامي وفي تثبيته في وضعية "المأزق الكافكوي" داخل الحقل
السياسي القانوني، فإن أسباب صراع "الحداثيين" ضد "الخوانجية"
أكبر من أن تُختزل في معطى فكري مفرد مهما كانت أهميته. فـ"الاستثناء
الإسلامي" الذي يقول باستحالة التوفيق بين الإسلام في ذاته وبين الديمقراطية -على
عكس المسيحية أو اليهودية أو حتى الهندوسية والبوذية- هو عامل من جملة عوامل فكرية
وموضوعية جعلت من تأبيد الإسلامي الديمقراطي في "المأزق الكافكوي" هو
الخيار الأمثل لدى أغلب النخب الحداثية، حتى لو كان ثمن ذلك التضحية بالانتقال
الديمقراطي وبالديمقراطية التمثيلية وأجسامها الوسيطة. إنّ "الإسلامي
الديمقراطي" هو هوية سياسية قد يتعامل معها "السيد الغربي"
باعتبارها مرادفا إسلاميا للمسيحية الديمقراطية، وبالتالي قد يجعل الأنظمة/النخب
الغربية تُطّبع مع هذه الهوية السياسية وتقبل بها ولو بعد حين، وهو ما يهدد مصالح
النخب الحداثية التونسية ماديا ورمزيا.
في
البلدان العربية التي عرّفها الباحث هشام البستاني باعتبارها "كيانات
وظيفية" لا تتحقق بمعنى الدولة كما هو معروف في الأدبيات السياسية الغربية،
فإنّ حصول "الإسلام الديمقراطي" على اعتراف الغرب به مكوّنا رئيسا من
مكونات "الانتقال الديمقراطي"؛ يعني فقدان "العائلة
الديمقراطية" لحصرية إدارة "الكيان الوظيفي" وظهور نخب بديلة تنافس
"الحداثيين" على امتيازاتهم المادية والرمزية المرتبطة بدورهم في خدمة
النواة الصلبة للحكم.
أي مراجعة أو نقد ذاتي يبقيان بلا أفق سياسي جماعي في ظلّ غياب أي مراجعات جذرية في الجهة المقابلة -أي جهة ما يُسمّى بـ"العائلة الديمقراطية"- وكذلك في ظل انتفاء حاجة النواة الصلبة للحكم إلى المكوّن الإسلامي
وإذا
كان الإسلام الديمقراطي -في وضعية الاستضعاف الديمقراطي- لا يطرح على نفسه أي
مشروع للتحرر الوطني من العلاقات اللامتكافئة مع الغرب ومن سياسات التفقير والنهب
وإعادة إنتاج شروط التبعية والتخلف التي ينتهجها وكلاؤه المحليون في منظومة
الاستعمار الداخلي، فإنه يظلّ أكبر مستفيد من المناخ الديمقراطي بحكم ارتباطه
بالإرادة الشعبية. وهو ما فهمته "الأقليات الأيديولوجية" التي كانت وراء
استراتيجيات الانقلاب على الانتقال الديمقراطي بحكم ارتباط مصالحها المادية
والرمزية بالدولة وباللوبيات المتنفذة في الداخل والخارج، لا بالرأي العام وصناديق
الاقتراع.
ختاما،
فإنّنا نذهب إلى أنّ خروج "المسلم الديمقراطي" من "المأزق الكافكوي"
في المدى المنظور هو احتمال ضعيف. ولا يعود ضعف هذا الاحتمال فقط إلى أن
"المسلم الديمقراطي" عاجز عن إخراج نفسه من دائرة "الكلمات سيئة
السمعة" على حد تعبير المرحوم عبد الوهاب المسيري، فـ"الإسلام
الديمقراطي" يظل في مستوى التمثل الجمعي والنخبوي إسلاما سياسيا مهما حرص على
التمايز عن مكوّناته العنيفة والرافضة للديمقراطية. كما أنّ أي مراجعة أو نقد ذاتي
يبقيان بلا أفق سياسي جماعي في ظلّ غياب أي مراجعات جذرية في الجهة المقابلة -أي
جهة ما يُسمّى بـ"العائلة الديمقراطية"- وكذلك في ظل انتفاء حاجة النواة
الصلبة للحكم إلى المكوّن الإسلامي على الأقل في السياق الإقليمي الحالي.
ونحن
نرى أنّ "المأزق الكافكوي" هو مجرد عرض من أعراض مرض السياسة في
الكيانات الوظيفية، مثلُه في ذلك كمثل سائر الهويات الحداثوية والتنويرية
والديمقراطية والتقدمية.. الخ، تلك الهويات التي استمرأت وضعية "عبيد
القصر" أو "وكيل الاستعمار غير المباشر"، ولكنها ما زالت تصرّ على
إنكار وظيفتها الحقيقية في سياسات الاستلحاق الثقافي والنهب الاقتصادي في سرديات
التحديث والتحرير الزائفة.
x.com/adel_arabi21
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.