بعد
الحصول على الاستقلال الصوري من فرنسا، خضعت
تونس لسلطة النخب الفرنكفونية التي
أنتجت "الأساطير التأسيسية" لما يسمى بـ"النمط المجتمع التونسي"،
أي النمط الفرنسي المُتونس بعد تعديله تبعا لاحتياجات السلطة. وقد كانت تلك النخب
تتحرك تحت سقف "البورقيبية" باعتبارها سردية "التحرير"
(احتكار الفعل المقاوم للاستعمار في شخص "الزعيم" مجاهدا ومفاوضا)
و"التنوير" (احتكار سياسات التحديث الفوقي "للّحاق بركب الدول
المتقدمة")، وكذلك باعتبار "البورقيبية" السردية المؤسسة
للدولة-الأمة بالمفهوم الوستفالي للكلمة. وهو ما أنتج أشكالا متعددة من التوترات
والصدامات، وكذلك بعض التسويات والصفقات والتسويات، مع السرديات الكبرى
اليسارية -بشقيها
الماركسي والقومي- منذ الاستقلال، ثم بشكلها الإسلامي منذ سبعينات القرن الماضي.
وإذا
كانت البورقيبية -في مرحلتيها الدستورية والتجمعية- قد انفتحت في سياقات معينة على
المكوّنين الماركسي والقومي، سواء في أجهزة السلطة المدنية والأمنية، أو في
هوامشها الوظيفية داخل النقابات والمجتمع المدني، ومنحت أنصار تلك السرديات الكبرى
مواقع/مكاسب فردية وجماعية مختلفة، فإنها قد عاملت المكوّن "الإسلامي"
يغلب عليها الإقصاء الاستراتيجي مع بعض محاولات "الاحتواء" التكتيكي
المؤقتة والعابرة.
تعامل الكثير من "اليساريين" مع الثورة -في مرحلة الانتقال الديمقراطي"- باعتبارها "مؤامرة إمبريالية" و"ربيعا عبريا"
وإذا
ما اعتمدنا الجهاز المفهومي اليساري، فإننا سنقول بأنّ اليسار بمختلف مكوناته لم
يكن يمثل بالنسبة للنواة الصلبة للحكم إلا "تناقضا ثانويا"، في حين أن
الإسلاميين يمثلون "التناقض الرئيس" مع النظام، وهو تناقض لا يمكن
مواجهته بالاحتواء أو التدجين -كما حصل مع أغلب مكونات اليسار- بل يستوجب تحويل
الإسلاميين إلى ملف أمني-قضائي باعتبارهم العدو الوجودي لخيار الدولة-الأمة
و"للنمط المجتمعي التونسي"، أي للمشترك الوطني المفروض بأجهزة الدولة
الأمنية والأيديولوجية، وليس فقط العدو الوجودي لمنظومة الحكم ونواتها الصلبة
(المرّكب الجهوي-الأمني-المالي) التي كان اليسار نفسه يسميها -قبل ارتداده عن
مقولاته "الصلبة" وتحوله إلى فاعل جماعي ملحق بالسلطة لمحاربة
الإسلاميين باعتبارهم عدوهما المشترك- بـ"دولة الاستعمار الجديد".
بصورة
إجمالية يمكننا أن نعتبر أن "ربيع اليسار" في تونس بدأ مع انقلاب 7 تشرين الثاني/نوفمبر 1987،
وهو أمر يمكن إرجاعه إلى "الفاصلة
الديمقراطية" التي أعقبت ذلك
الانقلاب. فتلك الفاصلة أظهرت للسلطة مدى خطورة الخيار "الديمقراطي"
عندما ينفتح على الفاعل السياسي الإسلامي حتى عندما لا يكون معترفا به قانونيا -أي
يتحرك في قوائم مستقلة- كما أظهرت للقوى اليسارية الماركسية والقومية، أي للأقليات
الأيديولوجية المحرومة من العمق الشعبي، أنّ الاحتكام للإرادة الشعبية سيؤذن بذهاب
ريحهم ولو بعد حين.
وأمام
هذا الواقع اختارت السلطة سياسة التعامد الوظيفي -أو التخادم- مع القوى اليسارية،
بحيث فتحت أمامهم الحزب الحاكم (التجمع الدستوري) وقوّت سلطتهم في الإعلام
والنقابات والثقافة والتعليم والأجهزة الأمنية. فالصراع مع عدو أيديولوجي يهدد
السلطة القائمة يستوجب منطقيّا التحالف مع ألدّ خصومه، وهو ما وفّره الرأسمال
البشري في اليسار بشقية الماركسي، خاصة "العائلة الوطنية الديمقراطية"
أو ما يُسمى اختصارا بـ"الوطد"، والقومي، خاصة الأحزاب الكرتونية وبعض
الناشطين الناصريين والبعثيين في النقابات والمجتمع المدني.
أسّست
"محرقة الإسلاميين" في بداية التسعينات من القرن الماضي لتحالف
استراتيجي بين النواة الصلبة للحكم وبين أغلب مكونات ما يسمى بـ"العائلة
الديمقراطية". وهو تحالف يقوم على اعتراف متبادل بين الطرفين: اعتراف القوى
الديمقراطية بشرعية "المحرقة" باعتبارها فعلا سلطويا ضروريا لحماية
"النمط المجتمعي" من التهديدات الوجودية التي يمثلها
"الخوانجية"، وكذلك اعترافهم بأن الديمقراطية ليست أولوية في سياق
الدفاع عن "الدولة-الأمة" بصرف النظر عن انحرافات السلطة وتجاوزاتها
الحقوقية؛ واعتراف السلطة بتلك القوى شريكا أقليا في السلطة وفاعلا مركزيا في
هوامشها وملحقاتها الوظيفية، وكذلك اعترافها بأنهم جزء من "القوى
الديمقراطية" التي يقودها الحزب الحاكم.
لقد
أدى الصراع ضد "الاعتراف" بالإسلاميين فاعلا سياسيا قانونيا إلى تحالف
استراتيجي بين السلطة الجهوية-الأمنية-الريعية؛ وبين اليسار الوظيفي إلى وضعية
قتلت الفعل السياسي الحر وضربت الحريات/الحقوق الجماعية لعموم التونسيين، ولكنّ
ذلك كان ثمنا "معقولا" عند "القوى الديمقراطية" مقابل
"الاعتراف" السلطوي بها في بعض دوائر القرار، ومقابل الامتيازات المادية
والمكانة الاعتبارية المشروطة بخدماتها للنواة الصلبة لمنظومة الحكم.
بعد
"الثورة" وجد العقل السياسي اليساري نفسه أمام وضعية جديدة لم يكن
يستطيع ردها إلى "الفاصلة الديمقراطية" التي أعقبت انقلاب 7 تشرين الثاني/ نوفمبر 1987،
ولكنه لم يستطع أن يتعامل معها إلا بمنطق الرغبة في ردها إلى تلك الفاصلة وإعادة
إنتاج مآلاتها. ولذلك تعامل الكثير من "اليساريين" مع الثورة -في مرحلة
الانتقال الديمقراطي"- باعتبارها "مؤامرة إمبريالية" و"ربيعا
عبريا".
فالاحتكام
إلى الإرادة الشعبية وصناديق الاقتراع أظهر أن "الاعتراف" السلطوي
السابق لم يكن يرتكز على الاعتراف/العمق الشعبي، بل كان أساسه احتياجات السلطة،
كما أظهرت "الديمقراطية" أنّ الأقليات الأيديولوجية لا مستقبل لها إذا
ما انفك ارتباطها مع النواة الصلبة للحكم في الكيان الوظيفي الذي يُسمى مجازا
دولة-أمّة. ولذلك عمل اليسار بمختلف مكوّناته على إفشال الانتقال الديمقراطي وذلك
بتركيز فعله المناهض لأي مشروع مواطني على محورين: أولا محور عدم الاعتراف
بالإسلاميين جزءا من القوى الديمقراطية وتثبيتهم في نماذج الوصم المرتبطة نشأةً
ووظيفةً بالمنظومة القديمة، ثانيا محور التطبيع مع ورثة المنظومة القديمة
والاعتراف بهم مكوّنا أساسيا في "العائلة الديمقراطية" في مشروع مقاومة
"الرجعية الدينية".
إننا
أمام خيار استراتيجي كان مستقره أولا عودة المنظومة القديمة إلى الحكم بدعم نشط من
اليسار الوظيفي خلال عشرية الانتقال الديمقراطي، ثم إنهاء "الفاصلة
الديمقراطية" بسردية "تصحيح المسار" التي كان اليسار من أهم من
مهّد لها الشروطَ الفكرية والموضوعية للنجاح. ورغم أن "التوافق" بين
حركتي نداء تونس والنهضة كان نقضا جزئيا للشراكة التاريخية بين النواة الصلبة
للحكم وبين اليسار الوظيفي، فإنّ هذا اليسار ظلّ مرتبطا بتلك النواة الصلبة، وهو
ما عبّر عنه في موقفه الإيجابي من "حكومة الرئيس" ثم من "تصحيح
المسار".
فاليسار
الذي قبل بتصحير الحياة السياسية زمن المخلوع مقابل التدمير السلطوي الممنهج لعدوه
الأيديولوجي (الخوانجية)، هذا اليسار الذي لم يغيّر خياراته ولا أولوياته ولا
مقاربته الثقافوية والهوياتيه للصراع بعد الثورة، لم يكن يستطيع أن يأخذ موقفا
نقديا جذريا من تصحيح المسار حتى بعد أن تبين له تهافت حساباته ورهاناته. وإذا
كانت السلطة قد أظهرت أكثر من مرة أنها لا تقبل بأية شراكة مع كل الأجسام الوسيطة
وأكدت أنها "بديل مطلق" لا مكان فيه لتقاسم السلطات وتعدد الشرعيات، فإن
أغلب مكونات اليسار أصرّت على أن تكون جزءا من "الموالاة النقدية" في
الأحزاب والمجتمع المدني والنقابات، وجزءا من "الوظيفة التشريعية" في
نظام القوائم الفردية، مع رفض كلّي للعودة إلى مربع 24 يوليو/جويلية 2021، أي العودة إلى الديمقراطية التمثيلية التي
كانت حركة
النهضة تحتل مركزها.
إذا
كان اليسار لا يتمثّل نفسه إلا بالتناقض الفكري والموضوعي غير القابل للتجاوز مع
"الخوانجية" وكل مكوّنات الإسلام السياسي، وإذا كان يرى في التناقض مع
الرجعية البرجوازية -أي منظومة الاستعمار الداخلي- "تناقضا ثانويا" قبل
الثورة وبعدها، فإن حركة النهضة لم تنجُ هي الأخرى من منطق التناقض الرئيس
والتناقض الثانوي. فبعد الثورة، حاولت النهضة أن تكتب اعترافا سياسيا يتجاوز
الاعتراف القانوني "الهش" والقابل للنقض، وهو ما جعلها تنفتح على بعض
مكونات اليسار خلال مرحلة الترويكا وبعدها. ولكنّها كانت تتحرك سياسيا بوعي مداره
أن تناقضها الرئيس ليس مع ورثة المنظومة القديمة من غير المؤدلجين، بل مع
"اليسار الاستئصالي" بشكليه الصلب والناعم.
ولم
تكن تجربة "التوافق" مع نداء تونس إلا تعبيرا عن هذا الوعي، فرغم أن النهضة لم تفتح ملف مسؤولية بعض مكونات
اليسار سياسيا وأخلاقيا -بل جنائيا- عن جرائم النظام التجمعي، فإنها كانت تستحضر
دائما مسؤولية ذلك اليسار ودوره النشط في ما تعرضت له من تضييقات ومآس مست الآلاف
من المحسوبين عليها أو المتعاطفين معها. وهو ما جعلها تطلب "الاعتراف"
ممن ترى إمكانية إيجاد أرضية مشتركة معهم، ولكنه خيار أثبتت الوقائع أنه لم يكن
صائبا. وفي تقديرنا، فإن فقدان ذلك الخيار للصوابية السياسية لم يكن راجعا إلى قوة
اليسار، بل كان راجعا إلى بؤس سياسة التوافق التي حولّت النهضة إلى شاهد زور على الخيارات
اللاوطنية لورثة المنظومة القديمة وحلفائهم في اليسار الوظيفي.
الصراع السياسي في تونس هو في جوهره بحث عن "الاعتراف". لكنّ الإشكال يظهر عندما نطرح السؤال التالي: من هو الطرف الذي يسعى كل الفاعلين الجماعيين إلى الحصول على "اعترافه"؟
باستعمال
الشبكة المفهومية الهيغلية، فإن الصراع السياسي في تونس هو في جوهره بحث عن
"الاعتراف". لكنّ الإشكال يظهر عندما نطرح السؤال التالي: من هو الطرف
الذي يسعى كل الفاعلين الجماعيين إلى الحصول على "اعترافه"؟ نظريا، فإن
الاعتراف المطلوب في أية ديمقراطية تمثيلية هو اعتراف "الناخبين" أو
صناديق الاقتراع؛ لأن شرعية الفاعل مستمدة بالضرورة من القاعدة الانتخابية التي
يمثل مصالحها المادية والرمزية. ولكنّ السياسة في "الكيانات الوظيفية"
أو في منظومات الاستعمار الداخلي لا علاقة لها بهذا المعطى النظري. ولذلك يمكننا
أن نؤكد دون لبس أنّ "الاعتراف" الذي كان الفاعلون الجماعيين يطلبونه-
وما زالوا- هو اعتراف النواة الصلبة لمنظومة الاستعمار الداخلي. فصراعاتهم البينية
كلها لا تهدف إلى الحصول على "اعتراف الناخب"، وبالتالي بناء ديمقراطية
حقيقية لا يخترقها المال السياسي الفاسد والتوافقات المشبوهة، بل هي صراعات هدفها
الحصول على "الاعتراف" بدور "الوكيل" لتلك النواة الصلبة.
منذ
عهد المخلوع، لم يعد من المفكّر فيه عند اليسار -باعتباره أقلية أيديولوجية بلا
عمق شعبي- أن يحكم دون علاقة تعامد وظيفي مع منظومة الاستعمار الداخلي، أمّا
النهضة، رغم عمقها الشعبي، فإنها بعد الثورة لم تفكر- لأسباب فكرية وموضوعية- بأن
تتسيد ديمقراطية تمثيلية تواجه تلك النواة الصلبة أو تشتغل ضد مصالحها المادية
والرمزية، كما أنها لم تطرح على نفسها بناء سردية جامعة للثورة تتجاوز جدليا "البورقيبية"
باعتبارها سردية الاستعمار الجديد. وأمّا "تصحيح المسار" فإنه لا يبدو
قادرا على تحقيق هذه المهمة التاريخية بحكم علاقات القوة اللامتكافئة بينه وبين
النواة الصلبة لمنظومة الاستعمار الداخلي وهوامشها الوظيفية، وبحكم عجزه عن إنتاج
نخب بديلة تستطيع إدارة الصراع من خارج المقولات الأيديولوجية المفوّتة والرافضة
لأية مراجعات أو نقد ذاتي جذري.
x.com/adel_arabi21
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.