لافتة أقدم من النظام

عماد الدايمي
الرئيس السابق منصف المرزوقي والمرشح السابق للرئاسة عماد الدائمي في نفس الوقفة أمام قنصلية تونسية بباريس يرفعان شعار: "جواز السفر حق. تونسيون محرومون منه".
الرئيس السابق منصف المرزوقي والمرشح السابق للرئاسة عماد الدائمي في نفس الوقفة أمام قنصلية تونسية بباريس يرفعان شعار: "جواز السفر حق. تونسيون محرومون منه".
شارك الخبر
في هذه الصورة ما يشبه الكابوس البطيء. المشهد لحظة واحدة تتكرر بعد ستة عشر عاماً في المكان ذاته: قنصلية تونس في بانتان، باريس. اللافتة نفسها، مكبر الصوت نفسه، المطلب ذاته. الزمن مرّ وتراكمت أحداثه، والمعنى بقي عالقا عند النقطة ذاتها، كأن التاريخ تعثّر ولم يجد طريقه إلى الأمام.

في نوفمبر 2010، كانت اللافتة صرخة في وجه سلطة حوّلت جواز السفر إلى أداة انتقام. وثيقة يفترض أن تكفل حرية التنقل صارت وسيلة ضغط وإخضاع: من يصمت يُكافأ، ومن يعترض ويتحدّى يُعاقَب. بعد أسابيع قليلة من رفعها اندلعت الثورة وسقط النظام، واعتقد كثيرون أن تلك اللافتة ستغادر الشارع إلى الذاكرة وتستقر في سجلات ما مضى. لكنها عادت.

الاستبداد يملك قدرة استثنائية على التكيّف. يتخلّى عن وجوهه القديمة حين تصبح عبئا، ويحتفظ بأدواته الجوهرية حين تصبح ضرورة. يتقدم بخطاب مغاير وشعارات مختلفة، والمنطق الداخلي يبقى واحدا صلبا. الإدارة، حين تُترك دون رقابة فعلية ومساءلة حقيقية، تتحول بسهولة إلى أداة قمع مباشر وانتهاك للحقوق. والقرار الإداري يفقد حياده ويصبح رسالة سياسية مكتملة الدلالة.
في أفريل 2026، تُرفع من جديد في المكان نفسه وبالكلمات نفسها. تعود في سياق يُفترض فيه أن الحقوق مستقرة ومحميّة، لا خاضعة للتقدير الإداري ومزاج دوائر القرار العليا. هنا يتكثف المعنى ويصبح مؤلما: ما جرى في 2010 كان تعبيرا عن بنية راسخة تعرف كيف تُعيد إنتاج نفسها بأثواب متجددة، وها هي تُثبت قدرتها على البقاء والاستمرار.

الاستبداد يملك قدرة استثنائية على التكيّف. يتخلّى عن وجوهه القديمة حين تصبح عبئا، ويحتفظ بأدواته الجوهرية حين تصبح ضرورة. يتقدم بخطاب مغاير وشعارات مختلفة، والمنطق الداخلي يبقى واحدا صلبا. الإدارة، حين تُترك دون رقابة فعلية ومساءلة حقيقية، تتحول بسهولة إلى أداة قمع مباشر وانتهاك للحقوق. والقرار الإداري يفقد حياده ويصبح رسالة سياسية مكتملة الدلالة.

منع تجديد جوازات سفر معارضين ومرشحين في انتخابات الرئاسة استخدام مباشر ومحسوب لمؤسسات الدولة من أجل "تأديب" الفضاء السياسي وتضييق هوامشه. الرسالة واضحة لمن يريد قراءتها: المشاركة لها ثمن، وحدودها مرسومة سلفا بيد من يمسك بزمام القرار. هكذا يُعاد إنتاج مناخ الخوف وزرعه في النفوس، حتى حين تتبدل الشعارات وتتغير واجهات الحكم.

المسألة في جوهرها تتعلق بكيفية تنظيم السلطة وضبطها وتحصينها من الانزلاق، أكثر مما تتعلق بهوية من يمارسها في لحظة بعينها. حين تضعف الضمانات وتتآكل الرقابة، يصبح الحق قابلا للتعليق في أي لحظة، وتتحول الإدارة إلى ساحة نفوذ. المؤسسات التي لا يُحصّنها القانون ولا تضبطها المساءلة تبقى قابلة للتوظيف ضد المواطن متى اقتضت الحسابات، والحرّية في غياب هذه الضمانات تغدو رهينة توازنات متقلبة من دون ثوابت.

الثورات التي أسقطت الأنظمة دون أن تبني قضاء مستقلا ومؤسسات محصّنة أنجزت شطرا من المهمة وتركت الشطر الأصعب معلقا. وما يُعلَّق يعود، في أول لحظة ضعف أو أول إرادة متسلطة تجد الباب موارباً.

كل سلطة تعيد توظيف أدوات القمع تحمل في أعماقها معرفة كيف انتهت التجربة السابقة، وكيف تمت محاسبة فاعليها. ومع ذلك تراهن على تعب المجتمع وتشتت انتباهه وقبوله التدريجي بما رفضه بالأمس.
غير أن في هذا التكرار ذاته ما يستحق التأمل من زاوية مغايرة. استنساخ السياسات القمعية ذاتها دليل إفلاس لمنظومة عجزت عن مسايرة التطورات. والإفلاس ليس موقع قوة مهما ظهر في مظهر الحسم والصرامة. والأهم أن المقاومة تتكرر هي الأخرى بالإصرار ذاته، وبالصوت ذاته، وباللافتة ذاتها. السلطة عادت إلى أدواتها القديمة لأنها لم تنتصر في الجولة الأولى. عودتها إلى أدوات الأمس تكشف عجزها عن ابتكار أدوات الغد.

الصورة المزدوجة دليل بصري حاد لا يحتاج إلى تعليق مطوّل. الشخصان نفسهما يرفعان اللافتة نفسها بعد ستة عشر عاما أمام المبنى ذاته. شاخت الوجوه والإصرار أبى. هذا الاستمرار يكشف شيئا جوهريا يتجاوز الموقف الفردي: الرهان على النسيان أخفق، ومحاولة إنهاك الإرادة لم تُثمر ما أُريد لها. الذاكرة بقيت حيّة وبقي معها الإصرار.

كل سلطة تعيد توظيف أدوات القمع تحمل في أعماقها معرفة كيف انتهت التجربة السابقة، وكيف تمت محاسبة فاعليها. ومع ذلك تراهن على تعب المجتمع وتشتت انتباهه وقبوله التدريجي بما رفضه بالأمس. هذه الصورة تسحب هذا الرهان من أساسه. تقول بما لا يقبل التأويل: الذاكرة لم تتشتت، والرفض لم يتحول قبولا، والإصرار المتواصل قادر على كسر الحلقة المفرغة للنزعة السلطوية لنظام يحاول ضمان استمرار الإفلات من العقاب.

اللافتة التي كان يُفترض أن تصبح أثرا من الماضي ما زالت تُرفع. والإرادة التي صمدت ستة عشر عاما هي التي تُحدد من يملك العدّ التنازلي.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)