دُعيت منذ أيام إلى ندوة في عاصمة
أوروبية لتقديم استخلاصات من التجربة
التونسية لصالح ثلّة من الشخصيات السورية
الفاعلة في مرحلة ما بعد
الثورة، من سياسيين وناشطي مجتمع مدني وتكنوقراط. وأودّ
هنا أن أُشرك القارئ العربي في تلك الخلاصات، علّها تنفع في لحظة يقف فيها
السوريون على عتبة بناء تاريخي.
لم أكن في تلك الجلسة بصدد تقديم
تونس نموذج نجاح، ربّما بالعكس: قدّمتها كتجربة إنذار مبكّر. فدروس تجربتنا
التونسية مريرة وغنيّة في آن واحد، وقد استفضتُ في تشريحها ونقدها ذاتيّا في كتابي
الصادر مؤخّرا تحت عنوان "تونس الممكنة"، في 450 صفحة.
تونس تُعلّمنا كيف يمكن لثورة عادلة،
مليئة بالأمل، أن تتعثّر إذا لم تتحوّل بسرعة إلى دولة فعّالة، واقتصاد منتج، وعقد
وطني جامع.
اليوم التالي هو الأصعب
بعد 2011، اعتقدنا في تونس أنّ إسقاط
الاستبداد هو الجزء الأصعب، ثمّ اكتشفنا أنّ الجزء الأصعب يبدأ في اليوم التالي.
تونس تُعلّمنا كيف يمكن لثورة عادلة، مليئة بالأمل، أن تتعثّر إذا لم تتحوّل بسرعة إلى دولة فعّالة، واقتصاد منتج، وعقد وطني جامع
نجحنا في بناء دستور تقدمي، وقوانين
رائدة، وانتخابات تعددية، ومساحة غير مسبوقة من الحرية. ولكن لم ننجح في بناء ما
يجعل الناس يصدّقون أنّ غدهم أفضل من أمسهم، ولا
ديمقراطية تعيش طويلا بدون هذا
التصديق.
حين لا تُنتج الديمقراطية نتائج
اجتماعية ملموسة، تصبح الحرية نفسها هشّة. وفي لحظة ما، يبدأ الناس في تحميل
الديمقراطية مسؤوليّة فشل النخب، ويسحبون تلك المسؤوليّة عن الاستبداد القديم.
هكذا تنقلب الصورة: المستبدّ يصبح حنينا، والحرية تصبح تهمة.
الخطأ الأعمق كان اقتصاديّا
في تونس، تغيّر النظام السياسي..
وبقي
الاقتصاد الريعي القديم في مكانه، ما يمكن تسميته "اقتصاد الرخص
والامتيازات". شبكات مصالح ولوبيّات واحتكارات ظلّت تتحكّم في قطاعات كاملة:
الاستيراد، التوزيع، الخدمات الكبرى، الصفقات العمومية. وفي المقابل، اصطدم الشباب
ورُوّاد الأعمال بمتاهة البيروقراطية والتراخيص والفساد وشحّ التمويل.
الثورة فتحت المجال السياسي، لم تفتح
المجال الاقتصادي، وكأنّنا غيّرنا أصحاب المكتب، ولم نلمس مفاتيح الخزينة. هذا في
رأيي أحد أهمّ الدروس لسوريا اليوم.
صحيح أنّ الحالة السورية تختلف
جذريّا عن الحالة التونسية، بحجم الدمار، وتعقيدات المشهد العسكري والإقليمي،
وتداخل القوى الخارجية، وطبيعة الدولة الخارجة من حرب طويلة، لكنّ بعض قوانين
الانتقال تبقى متشابهة: لا استقرار بلا دولة فعّالة، ولا شرعية بلا اقتصاد يخلق
الأمل، ولا حماية للثورة إذا بقيت البُنى القديمة قادرة على إعادة إنتاج نفسها.
إعادة الإعمار وحدها لن تكفي،
المعركة الحقيقية هي تفكيك الاقتصاد الريعي، وكسر الاحتكارات، ومنع هيمنة أشخاصٍ
وعائلات من السياسيين أو العسكريين الجدد على الاقتصاد، وتحرير المبادرة، وتبسيط
الإجراءات، ورقمنة الإدارة بشكل جذري، لأنّ اقتصاد الامتيازات يُعيد إنتاج
الاستبداد، حتى بعد سقوطه سياسيّا.
الإصلاح يصطدم دائما بمقاومات هائلة
الإصلاح الحقيقي يصطدم دائما
بمقاومات هائلة. في كلّ مرحلة انتقالية توجد قوى تستفيد من بقاء الوضع القديم:
شبكات مصالح، وبيروقراطيات معطّلة، وفساد منظّم، وأحيانا جزء من النخب السياسية
الجديدة نفسها.
نحن في تونس أدرنا الانتقال بمنطق
التوافقات السياسية، أكثر من إعادة هندسة الدولة، فتكيّفت المنظومة القديمة معنا،
بدل أن نُفكّكها نحن. اعتقدنا أنّنا نُروّضها، فإذا بها تروّضنا.
ولهذا أعتقد أنّ الرقمنة هي أهم سلاح
سياسي لكسر المقاومات وفرض الإصلاحات؛ كلّ خدمة يتم رقمنتها تقلص سلطة اللوبيات
وتنقص فرص الارتشاء، كلّ صفقة تخرج إلى النور، تتقدّم الدولة خطوة. الإدارة
الورقية والتعقيدات البيروقراطية كانت دائما، في كلّ بلداننا، خندقا يحتمي به
الفساد.
بوصلة قابلة للقياس
الدول الخارجة من الاستبداد تحتاج
إلى بوصلة إصلاح واضحة وقابلة للقياس. والمؤشّرات الدولية، بما تستند إليه من
معايير دقيقة وقابلة للقياس، تُوفّر هذه البوصلة جاهزة، وتختصر على الدول الناشئة
عناء اختراع الأدوات من الصفر. ومن الذكاء الاستراتيجي أن تجعل
سوريا الجديدة كلّ
جهدها وإرادتها في تحسين ترتيبها في المؤشّرات الدولية: الشفافية، وحرية الصحافة،
والحوكمة، وجودة المؤسّسات، ومناخ الأعمال، والتصنيفات السيادية.. وغيرها.
خلف كلّ مؤشّر من هذه، معركة سياسية.
هي رسائل ثقة للمستثمرين، وآليات لحماية الانتقال، وأدوات ضغط إيجابية ضدّ عودة
الفساد والاستبداد. الوعد السياسي يتبخّر بعد سنوات، الرقم في مؤشّر دولي يبقى
شاهدا عليك.
سوريا الأسد كانت في ذيل أغلب هذه
المؤشّرات، واللافت أنّ كلّ ما أتابعه منها بدأ في التحسّن خلال سنة واحدة فقط من
سقوط النظام. أمّا تونس، التي وُصفت قبل سنوات بالنموذج الديمقراطي العربي الوحيد،
فقد بدأت تتراجع في أغلبها.
أهمّ درس سياسي
في تونس، اكتشفنا متأخّرين أنّ
الديمقراطية يمكن أن تموت بالصندوق نفسه الذي جاءت منه. فالديمقراطية معركة يوميّة
ضدّ الردّة، لا مكسب يحرز مرّة واحدة إلى الأبد. والردّة لا تأتي دائما بانقلاب
عسكري، أحيانا تأتي بانتخابات.
ومن أخطر أخطائنا أنّ النخب خاضت
معارك الهوية والسلطة، أكثر من معارك الدولة والتنمية. انشغل كثيرون بسؤال
"من يحكم؟" أكثر من سؤال "ماذا سنبني؟ وكيف سنحكم؟". وحين
انشغل الجميع بالسؤال الأوّل، جاء من يُجيب عن الاثنين معا، على طريقته.
انشغل كثيرون بسؤال "من يحكم؟" أكثر من سؤال "ماذا سنبني؟ وكيف سنحكم؟". وحين انشغل الجميع بالسؤال الأوّل، جاء من يُجيب عن الاثنين معا، على طريقته
ثمّ جاء الخطأ القاتل: تأجيل
الإصلاحات الصعبة. الخوف من الكلفة السياسية للإصلاح أخطر على الدولة من الإصلاح
نفسه. في المراحل الانتقالية، تكون أوّل سنتين لحظة تاريخية نادرة: الشرعية في
ذروتها، والأمل الشعبي مرتفع، والقدرة على التغيير أكبر ما يمكن. من لا يُصلح في
أوّل سنتين، لن يُصلح في عشر.
في الشراكة مع المؤسسات الدولية
والدرس الأخير يتعلّق بالعلاقة مع
المؤسّسات المالية الدولية. نحن في تونس تأرجحنا طويلا بين منطقين كلاهما خاطئ:
التبعية التي تقبل الوصفات الجاهزة، والرفض الشعبوي الذي يخلط بين السيادة ورفض
الإصلاحات والتمويل. وفي الحالتين، كان البلد هو الخاسر.
الطريق الثالث هو الشراكة. الدولة
التي تذهب بخطّتها الوطنية، وبأولويّاتها، وبآليات حماية الفئات الهشّة، تتفاوض من
موقع شريك. الدولة التي تذهب بيد فارغة، تجد نفسها على طاولة لم تكتب أحد بنودها.
ختاما
ختمتُ مداخلتي، وأختم هذا المقال،
برسالة لإخوتنا السوريين: لا تجعلوا الثورة مجرّد ذاكرة مجيدة تحتفون بها كل عام.
حوّلوها بسرعة إلى دولة عادلة، واقتصاد منتج، ومؤسّسات تبني الثقة.
نحن في تونس أهدرنا عشريّة ثمينة بعد
أن انتزعنا حريّة نادرة. اعتقدنا أنّ الزمن في صفّنا، فإذا بنا نكتشف أنّه كان
حليف الذين خسروا الجولة الأولى، وظلوا ينتظرون الجولة الثانية ويستعدّون لها.
الثورات لا تنهزم فقط حين تعود
الدبّابات، تنهزم حين يسبق اليأس الدولة الجديدة إلى قلوب الناس. نحن في تونس
عرفنا ذلك السباق وخسرنا فيه جولة، لم نخسر الحرب. لكنّ الخسارة الحقيقية، التي لا
تُغتفر، هي أن نُعيد الأخطاء نفسها حين تنجلي غمة الشعبوية.
أرجو أن تربحوا أنتم جولتكم الأولى،
حتى لا تكتشفوا متأخرين ما اكتشفناه نحن متأخرين.
* كاتب وسياسي تونسي، مدير ديوان رئيس الجمهورية الأسبق،
ونائب سابق في البرلمان. مؤلّف كتاب “تونس الممكنة” (دار العودة، بيروت 2025).
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.