"منظومة الاستعمار الداخلي" أو الغائب الأهم في السجال العمومي التونسي

عادل بن عبد الله
"الديمقراطية التمثيلية لم تكن واقعيا إلا مجرد واجهة محسّنة من واجهات منظومة الاستعمار الداخلي"- جيتي
"الديمقراطية التمثيلية لم تكن واقعيا إلا مجرد واجهة محسّنة من واجهات منظومة الاستعمار الداخلي"- جيتي
شارك الخبر
قبل إعلان الرئيس قيس سعيد عن إجراءاته -الدستورية أو ما فوق دستورية حسب البعض والانقلابية حسب آخرين- كانت المبادرة السياسية قد انتقلت من الحزب البرلماني الأغلبي (حركة النهضة) إلى رئيس الجمهورية السيد قيس سعيد. كان إسقاط حكومة السيد الحبيب الجملي تعبيرا عن أزمة سياسية عميقة للنظام البرلماني المعدل وللديمقراطية التمثيلية برمتها، وهي أزمة دفعت ببعض التعبيرات المضادة لروح تنطيم السلطات حسب دستور 2014 إلى الظهور، خاصة تعبير "حكومة الرئيس". ورغم أن انتقال الحق في تعيين رئيس الحكومة إلى الرئيس هو إمكان دستوري فإنه قد جاء في مرحلة مأزومة اجتماعيا واقتصاديا (فترة كورونا)، وكان تعبيرا عن انقسامات سياسية عميقة تتجاوز سياقاتها المخصوصة.

كان اختيار رئيس الجمهورية للسيد إلياس الفخفاخ، الموظف السابق في العديد من الشركات الفرنسية، خاصة شركة توتال النفطية، والمرشح من حزب تحيا تونس والمدعوم من التيار الديمقراطي رغم حصوله على 0,34  في المئة في الانتخابات الرئاسية سنة 2019، يعني أن مركز الثقل في الحقل السياسي قد انتقل إلى رئاسة الجمهورية، وهو ما تأكد من بعد ذلك بتعيين السيد هشام المشيشي خلفا للسيد الفخفاخ رغم أنه لم يكن مرشح أي حزب برلماني، بما في ذلك أحزاب الحزام السياسي للرئيس التي سيتحول أغلبها إلى ما يُسمّى بـ"الموالاة النقدية" بعد 25 يوليو 2021.

لو استقرأنا استعمال تعبير "منظومة الاستعمار الداخلي" في السجال العمومي التونسي بعد "الثورة" لوجدنا أن هذا التعبير يكاد ينحصر في الجملة السياسية لبعض المثقفين "ما بعد الاستعماريين" من غير المتحزبين، وفي بعض الدوائر الأكاديمية ذات التأثير المحدود شعبيا والحضور الهش إعلاميا

إننا لا نعتبر السيد إلياس الفخفاخ مجرد فاعل سياسي بل هو النموذج المثالي للمثقف العضوي داخل منظومة الاستعمار الداخلي، فهو موظف ناجح في خدمة الشركات العابرة للقارات، وهو قيادي في حزب سياسي (حزب التكتل) المدافع عن "النمط المجتمعي التونسي" -أي النمط المجتمعي الفرنسي "المُتَونس"- وهو شخصية قادرة على العمل في سرديات سياسية متناقضة ليستقر به الأمر مديرا عاما لشركة صنع المشروبات في تونس (SFBT) بعد استقالته من رئاسة الحكومة، وهي شركة مملوكة لمجموعة كاستل الفرنسية وذات العلاقة المشبوهة بالكيان الصهيوني.

بصرف النظر عن المسار المهني والسياسي للسيد الفخفاخ، فإن الاكتفاء بخطابه/أدائه السياسي عندما عُيّن رئيسا للوزراء يكشف لنا وجها من وجوه العلاقة العميقة بين الفاعل السياسي وبين منظومة الاستعمار الداخلي. فبالإضافة إلى تعمده تهميش الحزب البرلماني الأغلبي وحلفائه عند تشكيل الحكومة، فإنه قد سارع إلى الحديث عن نجاح الانتقال الديمقراطي في المستوى السياسي وضرورة الاهتمام بالانتقال الاقتصادي. كانت هذه الدعوى تصادف هوى في أنفس المواطنين بحكم أزمة كورونا وانعكاساتها الاجتماعية والاقتصادية، ولكنها دعوى لا تطابق واقع الانتقال السياسي. فانتقال المبادرة السياسية إلى رئيس الجمهورية واختيار الفخفاخ نفسه رئيسا للحكومة، بالإضافة إلى تعمد تهميش حركة النهضة وحلفائها، كانت كلها أدلة على فشل الانتقال الديمقراطي في المستوى السياسي.

لو أبعدنا النجعة في التأويل فإن ادعاء السيد الفخفاخ لا يمكن أن يصح إلا إذا كان يتحدث باسم منظومة الاستعمار الداخلي ورعاتها الأجانب. عندها يمكن أن نسلّم له بنجاح الانتقال الديمقراطي في المستوى السياسي من منظور تلك المنظومة ومصالحها المادية والرمزية، وكانت آية ذلك النجاح هو وصول الفخفاخ نفسه إلى رئاسة الحكومة دون سند حزبي، ودون أي برنامج اقتصادي قد يهدد مصالح النواة الصلبة لمنظومة الاستعمار الداخلي أو قد يعرقل استراتيجيتها في الانقلاب على "الفاصلة الديمقراطية" وأجسامها الوسيطة.

لعلّ أكبر مظهر من مظاهر قوة منظومة الاستعمار الداخلي هو نجاحها في تصعيد شخص يحقق لها وظيفتين: أولا تجذير الانقسامات الحدية داخل البرلمان بتحقيق توافق أو التقاء موضوعي بين ممثلي المنظومة القديمة ( تحيا تونس) وبين الأحزاب "الثورية" (التيار الديمقراطي)؛ أساسه توفير حزام سياسي برلماني للرئيس واستهداف حركة النهضة باعتباره جذر الأزمة وسبب "الفساد"؛ ثانيا تقوية سلطة الرئيس وتهميش البرلمان وشيطنته وتغذية الأزمة الحكومية مما يمهّد لإجراءات 25 تموز/ يوليو 2021 باعتبارها ضرورة سياسية وتأويلا دستوريا مشروعا هدفه المعلن هو عودة السير الطبيعي لدواليب الدولة.

إننا لم نختر السيد إلياس الفخفاخ لأنه بدعا من البيروقراطيين أو السياسيين المهيمنين على الشأن العام داخل السلطة والمعارضة، فهو عندنا مجرد "نموذج مثالي" أو معيار قياس -حسب اصطلاح ماكس فيبر- لنماذج واقعية تنتمي لكل السرديات الكبرى في تونس، بما فيها أشد السرديات السياسية ادعاءً للثورية والطهورية. وهي نماذج تشترك في إخراج "منظومة الاستعمار الداخلي" من دائرة السجال العمومي واستبدالها بخصوم/أعداء ليسوا في الحقيقة إلا مجموعات متنافسة على خدمة تلك المنظومة من مواقع مختلفة. وهم جميعا يتجنبون مواجهة النواة الصلبة لمنظومة الاستعمار الداخلي وأيديولوجيتها التأسيسية (أي البورقيبية)، ويحرفون الصراع من مدار مواجهة الجميع لتلك المنظومة إلى مدار الصراعات البينية التي يصب خراجها دائما في خزائن "السيد المحلي" ومن ورائه "المسؤول الكبير" (أي الغرب)، حسب تعبير المرحوم الباجي قائد السبسي.

لو استقرأنا استعمال تعبير "منظومة الاستعمار الداخلي" في السجال العمومي التونسي بعد "الثورة" لوجدنا أن هذا التعبير يكاد ينحصر في الجملة السياسية لبعض المثقفين "ما بعد الاستعماريين" من غير المتحزبين، وفي بعض الدوائر الأكاديمية ذات التأثير المحدود شعبيا والحضور الهش إعلاميا. أما الأغلب الأعم من الأحزاب السياسية والمنظمات المدنية والنقابية فإنّ الحديث عن منظومة الاستعمار الداخلي يكاد يغيب تماما في بياناتها، لتحل محله إشكاليات وقضايا ورهانات بينية تفصّل القول في أعراض الأزمات الدورية -وتنكر أي مسؤولية عنها- دون أن تكون لها الجرأة على مواجهة أسبابها البنيوية: دولة الاستعمار الجديد وأيديولوجيتها البورقيبية التي استصحبتها النخب لتلعب دور "الخطاب الكبير" بعد الثورة، بمنطق استمرارية الدولة وحماية المشترك الوطني في الظاهر، أما في الحقيقة فإن البورقيبية كانت الضمانة الأساسية لمنظومة الاستعمار الداخلي في استراتيجيتها لتجاوز أزمتها المؤقتة وإعادة التموضع والانتشار منذ المرحلة التأسيسية.

عندما ينطلق أي فاعل جماعي من التسليم بأساطير الدولة-الأمة (مثل الحرية والاستقلال والسيادة ووطنية النظام وحداثته)، فإنه سيجد نفسه قد حيّد واقعيا المقولات الصلبة في سرديته الكبرى و"تحوّر" ليصبح مجرد ترس في آلة الاستعمار الداخلي مهما كان موقعه في الواجهة السياسية لتلك المنظومة أو موقفه السياقي منها. وهو أمر يشترك فيه أصحاب السرديات الكبرى جميعا بيسارييهم وقومييهم وإسلامييهمن فهؤلاء جميعا عندما يقبلون بالبورقيبية خطابا كبيرا، أي خطابا تستمد كل السرديات المتنافسة شرعيتها بمقدار الاقتراب منه وتفقدها كلما ابتعدت عن أساطيره التأسيسية، فإنهم يقبلون بأن يكون سقف تحركهم هو خدمة منظومة الاستعمار الداخلي باعتبار البورقيبية هي أيديولوجيا تلك المنظومة، وعندها تصبح كل صرعاتهم البينية مجرد صراعات على "الوكالة" لتلك المنظومة في مراحلها المختلفة منذ الاستقلال الصوري عن فرنسا.

الأداء الواقعي للأجسام الوسيطة -خاصة الأحزاب- خلال عشرية الانتقال الديمقراطي قد أفقد الديمقراطية التمثيلية الكثير من شرعيتها أمام الرأي العام، وجعل مطلب استعادة الديمقراطية "الصورية" مطلبا "مشبوها" لدى نسبة معتبرة من المواطنين. فتلك الديمقراطية التمثيلية لم تكن واقعيا إلا مجرد واجهة محسّنة من واجهات منظومة الاستعمار الداخلي

مهما كان موقفنا من سردية "تصحيح المسار"، فإننا لا نستطيع أن ننكر مشروعية مطلبها في تحقيق" التحرير الوطني"، ولكنّ هذه السردية نفسها تواصل سياسة حرف الصراع عن مدار مواجهة منظومة الاستعمار الداخلي وأيديولوجيتها البورقيبية باعتبار تلك المواجهة شرط نجاح حرب التحرير الوطني. فالرئيس الذي يتحدث عن "المال السياسي الفاسد" وعن "اللوبيات" و"المافيات" وعن "الخطر الجاثم"؛ لم يربط يوما بين هذه "الأمراض" وبين سببها الحقيقي الذي يتجاوز الأعيان والفساد الفردي إلى مستوى فساد بنية الدولة-الأمة بأيديولوجيتها وخياراتها التأسيسيّة الكبرى (أي فساد الكيان الوظيفي الذي بنى شرعيته على مجاز وطني لم يكن تحته إلا نظام جهوي-ريعي-زبوني تابع ومتخلف). أما الأجسام الوسيطة -خاصة الأحزاب والمنظمات الوطنية والنقابات- فإنها في أغلب سردياتها "الإصلاحية" و"الثورية" لا تطرح على أنفسها إلا تحسين شروط الاستعباد داخل منظومة الاستعمار الداخلي، وتخفيف حدة "الإذلال الممنهج" لأغلب الفئات والجهات.

إن الأداء الواقعي للأجسام الوسيطة -خاصة الأحزاب- خلال عشرية الانتقال الديمقراطي قد أفقد الديمقراطية التمثيلية الكثير من شرعيتها أمام الرأي العام، وجعل مطلب استعادة الديمقراطية "الصورية" مطلبا "مشبوها" لدى نسبة معتبرة من المواطنين. فتلك الديمقراطية التمثيلية لم تكن واقعيا إلا مجرد واجهة محسّنة من واجهات منظومة الاستعمار الداخلي التي أعطت المواطن خلال "الفاصلة الديمقراطية" الحق في اختيار من "يزيّف" إرادته وينقلب على وعوده الانتخابية، ليتحول إلى مجرد كائن وظيفي مهما كانت مرجعيته الأيديولوجية. ولعلّ أحد عوامل قوة النظام الحالي -رغم هشاشة شرعيته ومشروعيته- ترجع أساسا إلى "السمعة السيئة" للأجسام الوسيطة، كما ترجع إلى شعور عفوي أو حدسي لدى المواطن بأن "الأجسام الوسيطة" كلها لم توجد لخدمته، بل لخدمة استراتيجيات محلية وخارجية لا علاقة لها بالديمقراطية التمثيلية إلا بما تقدمة من غطاء سياسي لاشتغال منظومة الاستعمار الداخلي بالصورة الأفضل ضمن إكراهات تاريخية معينة.

x.com/adel_arabi21


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)