الدبلوماسية التونسية: مشكلةُ أداء وشغورات أم أزمةُ منظومة؟

عادل بن عبد الله
"القمة الفرنسية الأفريقية ليست إلا شكلا جديدا من أشكال الهيمنة الناعمة"- جيتي
"القمة الفرنسية الأفريقية ليست إلا شكلا جديدا من أشكال الهيمنة الناعمة"- جيتي
شارك الخبر
بصرف النظر عن المواقف المختلفة من مسارات سردية "تصحيح المسار" ومآلاتها، فإن الإجراءات الرئاسية يوم 25 تموز/ يوليو 2021 كانت تستمد شرعيتها -على الأقل عند مناصريها- من الفصل الثمانين من الدستور، ذلك الفصل الذي يكون تفعيله معلّلا سياسيا وشعبيا بـ"تأمين عودة السير الطبيعي لدواليب الدولة في أقرب الآجال". ولكنّ الرئيس حوّل "تصحيح المسار" من "مرحلة استثنائية" إلى مرحلة انتقالية تؤسس لجمهورية جديدة تنسف محصول "عشرية الانتقال الديمقراطي"، أو ما يُسمّيه أنصاره بـ"العشرية السوداء". إننا أمام سردية سياسية تعتبر نفسها سردية "ثورية" وترى في الديمقراطية التمثيلية وأجسامها الوسيطة "خطرا جاثما" يجب مواجهته -أو على الأقل تحييده- لبناء الديمقراطية المباشرة/المجالسيّة ولإعادة هيبة الدولة والدفاع عنها ضد كل الكيانات والخطابات التي تتعارض مع "حرب التحرير الوطني".

في الفقه والقانون الوضعي هناك قاعدة تقول بأن الشخص ملزم بما ألزم به نفسه من عقود وإقرارات. وفي أي نظام يعترف بالإرادة الشعبية وبصناديق الاقتراع، فإن الفاعل السياسي ملزم بـ"وعوده" لقاعدته الانتخابية ثم لعموم المواطنين، وهو التزام يكون مستقرّه في مناخ ديمقراطي شفاف وغير متلاعب به هو إعادة الانتخاب أو التغيير عبر صناديق الاقتراع. إننا أمام قاعدة أساسية "نظريا" في الديمقراطية التمثيلية وكذلك في الديمقراطية المجالسية/المباشرة، ولكن استقراء الواقع ينبئنا بوجاهة النقد الذي وجهه "الخبير الدستوري" قيس سعيد للديمقراطية التمثيلية التي هيمن عليها المال السياسي الفاسد والصفقات المشبوهة بين الأحزاب وباقي الأجسام الوسيطة. ولا شك عندنا في أنّ الحكم الذي أصدره الرئيس على الأجسام الوسيطة بأنها جزء من "الخطر الجاثم" على البلاد، هو ما شرعن عنده "تصحيح المسار" القائم على منطق البديل لا على منطق الشريك.

غياب "النخب البديلة" في مشروع "تصحيح المسار" جعل الرئيس عاجزا عن إدارة السياسات الداخلية والخيارات الخارجية بعيدا عن الدولة العميقة أو النخب الإدارية الموروثة من نظام المخلوع، وهو وضع قد يفسر جزئيا عدد الشغورات في الكثير من المناصب داخليا وخارجيا

رغم أن الرئيس أرسى دستورا يسمح بـ"سحب الوكالة" من ممثلي "الوظيفة التشريعية" فإنه قد حصّن نفسه ضد هذا المبدأ، بل ضد أي محاسبة ومساءلة من لدن النواب. بعيدا عن الصراعات السياسوية التي تشغل النخب بمختلف مواقعها/مواقفها من تصحيح المسار، فإن الانتقال من النظام البرلماني المعدّل إلى النظام الرئاسوي يجعل من المشروع دستوريا وسياسيا وأخلاقيا مساءلة التونسيين لـ"صاحب المشروع" عن مدى التزامه بما ألزم به نفسه من عودة السير الطبيعي لدواليب الدولة (في ظل دستور 2014)، وكذلك أن يسائلوه عن محصول "حرب التحرير" (بعد إرساء الدستور الحالي سنة 2022).

ونحن هنا لا يعنينا إلا ما يرتبط بهذين الالتزامين في المستوى الدبلوماسي، خاصة ما يتعلق بالعلاقات التونسية-الأفريقية. وهو سؤال تزداد أهميته بسبب التغيرات الجغرا-سياسية الحاصلة جنوب الصحراء وكذلك بسبب القمة الفرنسية الأفريقية التي انعقدت مؤخرا في العاصمة الكينية نيروبي تحت شعار "أفريقيا تمضي قُدُما"، وتغيّب عنها رئيس الدولة التونسية مفضّلا أن ينيب عنه رئيسة الحكومة السيدة سارة الزعفراني الزنزري على عكس ما فعل في القمة الإيطالية الأفريقية (كانون الثاني/ يناير 2024 ) والقمة الامريكية الأفريقية (شباط/ فبراير 2026) والقمة العربية الصينية للتعاون والتنمية (كانون الأول/ ديسمبر 2022 ).

نظريا، فإن مركزة السلطة في ظل الدستور الجديد تسمح للرئيس بسلطات كبيرة سواء في إدارة الشأن الداخلي أو في هندسة العلاقات الخارجية بصورة تسمح بالعودة للسير الطبيعي لدواليب الأجهزة الرسمية على الأقل في حدها الأدنى. وهو أمر لم ينجح النظام فيه فظلت العديد من المناصب -مثل الولاة والمعتمدين والكتاب العامين للولايات والإدارات العامة- شاغرة وتدار بمنطق النيابة أو التكليف بالمهمة، ثم أضيف إلى ذلك كل الشغورات التي تركتها عملية عزل رؤساء البلديات دون الدعوة إلى انتخابات بلدية جديدة. ومهما اختلفت المواقف من حلّ أغلب الهيئات الدستورية وغير الدستورية وتأثير ذلك في السير الطبيعي لدواليب الدولة، فإن التساؤل يظل قائما فيما يخص الهيئات التي وعد الرئيس بإرسائها -ولم يفعل- مثل المحكمة الدستورية.

أمّا في المستوى الديبلوماسي، فإن الدراسات الجادة تشير إلى وجود أكثر من 40 شغورا من بينها أكثر من 27 سفارة (من جملة 64 سفارة و91 بعثة ديبلوماسية يدير العديد منها قائمون بالأعمال بالنيابة). وهي وضعية تؤثر في الديبلوماسية الاقتصادية وفي الخدمات المقدمة للجاليات التونسية في الخارج، خاصة وأن أكبر مؤشر للخلل في الانتشار الديبلوماسي التونسي هو العلاقات مع دول جنوب الصحراء، فتونس لا تملك في ذلك المجال الاقتصادي الصاعد والواعد بفرص الاستثمار إلا عشر سفارات. ورغم ميل ميزان التبادل لصالح تونس بفائض تجاري فاق 800 مليون دينار في بداية سنة 2025، فإن الصادرات نحو دول جنوب الصحراء تمثل 2,1 من إجمالي العائدات و10 في المائة من إجمالي مبادلات تونس مع القارة الأفريقية، وهي جميعا لا تمثل إلا 4,2 في المائة من المبادلات التجارية التونسية الخارجية.

لا شك عندنا في أن نجاح تونس في التوجه نحو أفريقيا باعتبارها سوقا بديلة أو سوقا رديفة للأسواق التقليدية هو مظهر من مظاهر القرار السيادي اللازم لإدارة "حرب التحرير الوطني" ضد التوجهات السابقة؛ التي رهنت البلاد لخيارات اقتصادية لم يستفد منها إلا النواة الصلبة لمنظومة الاستعمار الداخلي في مرحلة الاستعمار غير المباشر. ولكنّ هذا التوجه يحتاج إلى ما يتجاوز النوايا كما يحتاج إلى عقيدة ديبلوماسية جديدة نشك في توفرها لدى من يتحكمون في هندسة السياسات الخارجية. إنّ غياب "النخب البديلة" في مشروع "تصحيح المسار" جعل الرئيس عاجزا عن إدارة السياسات الداخلية والخيارات الخارجية بعيدا عن الدولة العميقة أو النخب الإدارية الموروثة من نظام المخلوع، وهو وضع قد يفسر جزئيا عدد الشغورات في الكثير من المناصب داخليا وخارجيا.

في ظل هذا المأزق الذي يطعن في سرديتي عودة السير الطبيعي لدواليب الدولة وحرب التحرير الوطني، فإننا نجد أنفسنا أمام فرضيتين تفسيريتين: إما أن تكون تلك الشغورات ناتجة عن صراع مركز القوى داخل أجهزة الدولة، وإما أن نكون أمام نوع من "الإلغاء المتبادل" الذي يحكم علاقة الرئيس بالمنظومة القديمة: هو لا يقبل اقتراحاتهم "المشبوهة"، وهم لا يُمرّرون اقتراحاته التي تتعلق بأشخاص من خارج المنظومة أو يعملون على إفشالها أمام الرأي العام كما فعلوا مع بعض المسؤولين المحسوبين على "المشروع" من الولاة والوزراء وغيرهم.

وفي كل الأحوال، فإن "كعب أخيل" في تصحيح المسار هو التناقض الداخلي الذي مداره إمكانية "عودة السير الطبيعي لدواليب الدولة" وكسب حرب التحرير الوطني بنخب إدارية ودبلوماسية تنتمي إلى المنظومة القديمة أو إلى هوامشها وملحقاتها الوظيفية. فالدراسات المقارنة تخبرنا بأن مركزة السلطة أو تهميش الأحزاب أو ضرب الأجسام الوسيطة؛ كل ذلك لا يحول دون ظهور "دكتاتورية فعّالة" أو قادرة على اكتساب مشروعية الإنجاز، ولكنّ غياب النخب البديلة وهيمنة النخب الانتهازية على أي مشروع سياسي سيحولان بالضرورة دون نجاحه وسيجعلان خاتمة أمره مجرد واجهة/سردية جديدة لخدمة النواة الصلبة للمنظومة القديمة.

البَون الشاسع بين المرجوّ "خطابيا" وبين عجز تونس "واقعيا" عن الاستفادة المثلى من المجالات الإقليمية الأكثر قدرة على ضمان "التحرير الوطني" والتخلص من التبعية الدبلوماسية والاقتصادية لمراكز القرار الغربي

يعلم أي دارس للتاريخ أن تونس (أفريقية) هي من أعطت اسمها للقارة كلها، ولكن يعلم أيضا أنّ الدولة الوطنية أو الدولة-الأمة لم تراهن منذ الاستقلال على التوجه نحو جنوب الصحراء بحكم عوامل موضوعية وفكرية ومخيالية متراكبة. فسردية "التحديث" عند نخب الاستقلال كانت تستبعد المجال الأفريقي -بل المجال العربي الإسلامي- باعتباره عاملا معرقلا للحاق بـ"ركب الأمم المتقدمة". وهو وضع لم يتغير كثيرا في المرحلة الثانية من مراحل حكم منظومة الاستعمار الداخلي (أي مرحلة حكم المخلوع بعد الانقلاب على بورقيبة) ولا في المرحلة التي أعقبت "الثورة". ولذلك ظلت أفريقيا مجالا لاشتغال المتخيل الجمعي "الشوفيني" القائم على الوصم والاستعلاء أكثر مما هي مجال للفعل الاقتصادي أو الثقافي والتعاون القائم على المصالح المشتركة.

جاءت قضية اللاجئين الأفارقة لتقوّيَ من "التوترات الهوياتية" بين التونسيين وأفارقة جنوب الصحراء، ولتدفع بإعادة هندسة العلاقات التونسية الأفريقية من منظور براغماتي إلى خلفية المشهد الدبلوماسي. ورغم وعي الدبلوماسية التونسية بأن الانتشار التونسي في آسيا وأفريقيا "لا يفي الحاجة" و"لا يمكن أن يحقق الأهداف المرجوّة من سياستنا الخارجية" -كما قال محمد على النفطي أمام البرلمان سنة 2024- فإن الواقع يتحرك ضد هذه السردية ويظهر البَون الشاسع بين المرجوّ "خطابيا" وبين عجز تونس "واقعيا" عن الاستفادة المثلى من المجالات الإقليمية الأكثر قدرة على ضمان "التحرير الوطني" والتخلص من التبعية الدبلوماسية والاقتصادية لمراكز القرار الغربي.

لا شك عندنا في أن القمة الفرنسية الأفريقية -رغم تأكيد الرئيس ماكرون على أن العلاقات ستكون بعيدة عن منطق الوصاية والتبادل اللامتكافئ- ليست إلا شكلا جديدا من أشكال الهيمنة "الناعمة" في ظل الاحتياجات الحالية للإمبريالية في لحظتها المتصهينة. وهو ما يدعو إلى بناء سياسات خارجية مستقلة لا تتحرك في فلك القوى العظمى، وتطرح على نفسها أن تستفيد من تناقض مصالح تلك القوى في أفريقيا وفي غيرها من المجالات لترسيخ مقومات السيادة داخليا وخارجيا. ولكنّ الإشكال يظهر عندما نفكر في هذا المطلب في ظل هيمنة نخب المنظومة القديمة على مراكز القرار داخل سردية "تصحيح المسار".

x.com/adel_arabi21


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل