هل بدأت كلفة الحرب في السودان تطارد الإمارات دوليا؟

 تم العثور على أدلة تُثبت قيام الإمارات بتزويد قوات الدعم السريع بالأسلحة- الأمم المتحدة
تم العثور على أدلة تُثبت قيام الإمارات بتزويد قوات الدعم السريع بالأسلحة- الأمم المتحدة
شارك الخبر
نشرت صحيفة "الغارديان" مقالا للصحفية نسرين مالك قالت فيه إن هناك دولا معينة تلطخت سمعتها في المجتمع الدولي. وبسبب انتهاكاتها المتكررة للقانون الدولي، تُنبذ وتُقاطع أو تُفرض عليها عقوبات اقتصادية قاسية. ولعلّك تفكر، وأنت تقرأ هذه الكلمات، في روسيا أو "إسرائيل" أو إيران أو كوريا الشمالية.

ولكن هناك دولة واحدة نادرا ما تُعتبر خارجة عن القانون، حتى وإن كانت أفعالها تُصنّف كذلك بشكل متزايد.

بدأت الإمارات مؤخرا، تُثير بعض الشكوك حول دعمها لقوات الدعم السريع التي تُرهب السودان منذ سنوات. ومنذ اندلاع الحرب الأهلية عام 2023، والتي أشعل فتيلها صراع على السلطة بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني، وُجهت اتهامات لقوات الدعم السريع بالتطهير العرقي والعنف الجنسي.

اظهار أخبار متعلقة


وخلصت بعثة تقصي حقائق تابعة للأمم المتحدة إلى أن هجومها على السكان غير العرب في غرب البلاد يحمل "سمات الإبادة الجماعية".

وخلال الحرب، تم العثور على أدلة تُثبت قيام الإمارات العربية المتحدة بتزويد قوات الدعم السريع بالأسلحة، وتهريب الأسلحة والمسيّرات إليها عبر تشاد، ودعمها لقوات مرتزقة كولومبية تُقدم دعما حاسما للميليشيا. وتستمر الإمارات في إنكار كل هذه الاتهامات، مُدعية حيادها في الحرب. إلا أن هذا الإنكار بات أشبه بمسرحية هزلية من التظاهر بالبراءة أمام الحقائق الواضحة. ويبدو أن هذا التمثيل كان ناجحا، إذ تمكنت الإمارات عموما من تجاوز مزاعم تواطئها دون عواقب.

لكن الأمور بدأت تتغير. ففي الأسبوع الماضي، وبسرعة خاطفة، وُجهت ضربتان. في القضية الأولى، دعت منظمة "فير سكوير" الحقوقية وزارة الخارجية البريطانية إلى التحقيق مع الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس وزراء دولة الإمارات العربية المتحدة ومالك نادي مانشستر سيتي، ومعاقبته على دوره المزعوم في دعم حكومة الإمارات لقوات الدعم السريع.

وذكرت الشكوى، المقدمة إلى الحكومة البريطانية، أن "هناك أدلة وفيرة من مصادر موثوقة متعددة، بما في ذلك فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بالسودان، تُثبت أن الإمارات تُزوّد قوات الدعم السريع بالأسلحة والذخائر وغيرها من الإمدادات منذ حزيران/ يونيو 2023".

وتُجادل الشكوى بضرورة التحقيق في صلات منصور المزعومة بقوات الدعم السريع، مشيرة إلى أنه في حال قررت المملكة المتحدة معاقبته، سيُحرم من ملكية أي ناد لكرة القدم بموجب لوائح الدوري الإنجليزي الممتاز.

(أفادت "فير سكوير" أنها أتاحت لمنصور فرصة الرد على شكواها، لكنها لم تتلقَّ ردا. كما تواصلت كاتبة المقال مع مكتبه، لكن دون جدوى).

يُعدّ هذا تحولا كبيرا في التحقيق مع الإمارات، حيث يُشير إلى عضو في الحكومة الإماراتية. كما يُصوّر هذا الموقف التقاعس عن اتخاذ إجراءات ضد الإمارات العربية المتحدة ليس فقط على أنه انتهاك للمبادئ، بل انتهاك محتمل لنزاهة المؤسسات المحلية في المملكة المتحدة.

ومنصور ليس مجرد مالك بعيد لناد لكرة القدم، بل هو فرد من العائلة المالكة تمتلك شركته الاستثمارية الخاصة مساحات شاسعة من مدينة مانشستر نفسها، لا سيما بعد صفقة مع مجلس المدينة بيعت بموجبها أراض بجزء ضئيل من قيمتها وفقا لتقرير صدر عام 2022 (وقد اعترض المجلس على نتائج التقرير، مؤكدا أنه حصل على أفضل صفقة ممكنة لكل موقع).

لكنّ موجة أكبر من الانتقادات الموجهة ضد حكومة الإمارات بأكملها جاءت من الولايات المتحدة.

أرسل عضوان في الكونغرس، وهما الرئيسان المشاركان للجنة توم لانتوس لحقوق الإنسان التي تضم أعضاء من الحزبين، رسائل قبل أسبوعين إلى شركة والت ديزني، والرابطة الوطنية لكرة السلة، والرابطة الوطنية لكرة القدم الأمريكية، يحثونهم فيها على "اتخاذ موقف قيادي أخلاقي" وإنهاء جميع العلاقات مع الإمارات العربية المتحدة، والتي تشمل الرعاية والمشاريع المشتركة، ردا على دورها "في التحريض على الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والتطهير العرقي في السودان من خلال تسليح فصيل واحد في الحرب الأهلية في ذلك البلد".

تُلحق هذه الدعوات، التي لا تُفصّل فقط تواطؤ الإمارات في حرب السودان، بل تُبيّن أيضا مدى انخراطها في اقتصادات الغرب وقطاعات الترفيه والرياضة فيه، ضررا بالغا بسمعتها.

والإمارات حساسة للغاية تجاه هذه القضية؛ ففي عام 2024، عندما اتهم ممثل سوداني الإمارات بدعم منظمة قوات الدعم السريع في اجتماع للأمم المتحدة برعاية بريطانية، ردّت الإمارات بإلغاء اجتماعات وزارية مع بريطانيا لمعاقبتها على عدم ردّها بقوة كافية بعد أن "شُوهت سمعتها". وكما يقول المثل الأمريكي، "الكلب الذي يُضرب ينبح".

لطالما ارتبطت سمعة الإمارات بدبي، هذه المدينة العالمية الآمنة التي تُوفّر عطلات مشمسة وأنماط حياة فاخرة. ويُلاحظ قلة الاهتمام بالعاصمة أبوظبي وعائلتها المالكة، آل نهيان، الذين يتولون رئاسة الإمارات ويحكمونها في إطار شراكة دستورية اتحادية مع عائلة آل مكتوم، العائلة المالكة في دبي.

لطالما مثّلت الإمارات قوة مُزعزعة للاستقرار في المنطقة وأفريقيا، إذ دعمت الجماعات الانفصالية في اليمن ضد الحوثيين، وكذلك الجنرال خليفة حفتر في ليبيا ضد الحكومة المعترف بها دوليا. ويبدو أن هدفها في عملياتها الإقليمية هو تنصيب قادة يُمكنها التعاون معهم تجاريا ومنع صعود القوى المعادية لها إلى السلطة. يمتلك السودان موانئَ قيّمة على البحر الأحمر، وممرا تجاريا تطمع فيه الإمارات لتعزيز ما يُوصف بـ"أرخبيل نفوذها" في المنطقة.

كما يزخر السودان بالذهب، الذي انتهى معظمه منذ بدء الحرب في دبي، إحدى أكبر أسواق الذهب بالتجزئة في العالم. ولكن على نطاق أوسع، وبعيدا عن الأصول والنفوذ الجيوسياسي، تشن الإمارات منذ الربيع العربي قبل 15 عاما حملة لإنشاء قوى بالوكالة، معتبرة قوى الإخوان المسلمين الناشئة عدوا للأنظمة والملكيات القائمة. أدت طموحات الإمارات العربية المتحدة في تعزيز نفوذها الإقليمي إلى انفصالها عن شركائها الخليجيين، لا سيما انسحابها الأخير من منظمة أوبك، في خطوة اعتُبرت رفضا لهيمنة السعودية داخل المنظمة، فضلا عن سياستها التطبيعية مع إسرائيل.

وكُشف هذا الأسبوع أن الإمارات خالفت نهج السعودية وقطر في عدم الرد، وشنت سرا هجوما كبيرا على إيران قبل وقف إطلاق النار في نيسان/ أبريل.

وقد خلّفت جهود الإمارات لترسيخ مكانتها كلاعب إقليمي حروبا ودمارا هائلا، كان أبرزها في السودان. إلا أنها حظيت في ذلك بدعم من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، ليس فقط كحليفين سياسيين، بل كمستفيدين ماليين أيضا.

ففي حفل استقبال برلماني في مجلس اللوردات الشهر الماضي، تفاخر مسؤول إماراتي بالشراكة الاستثمارية الضخمة بين المملكة المتحدة والإمارات، والتي تُقدر بمليارات الدولارات، واصفا إياها بأنها ثمرة "ثقة مؤسسية عميقة".

وفي وقت سابق من هذا العام، وقبل أيام من تنصيب دونالد ترامب، وقّعت الإمارات اتفاقية استثمار بقيمة 500 مليون دولار (370 مليار جنيه إسترليني) في مشروع العملات المشفرة الذي تملكه عائلة ترامب. عندما يتعلق الأمر بأموال طائلة، أليس من الطبيعي أن يلجأ البلدان إلى أساليب مثيرة للسخرية للتعبير عن قلقهما إزاء الحرب في السودان، متجنبين ذكر الإمارات العربية المتحدة؟.

فرضت كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة عقوبات على القيادة العليا لمنظمة قوات الدعم السريع، وعلى العديد من الشركات الإماراتية المرتبطة بقيادتها، دون الإشارة صراحة إلى الإمارات كراع.

وقالت وزيرة الخارجية البريطانية، إيفيت كوبر، في إشارة إلى العنف الجنسي في السودان: "يجب ألا يغض العالم الطرف [عن السودان]"، في حين أن الحقيقة هي أن الحكومات البريطانية المتعاقبة تغاضت عمدا عن أحد أبرز ممولي الكارثة السودانية.

لكن الآن، تتعالى الأصوات مطالبة الحكومات بالتصريح بما لم تفصح عنه بعد: أن الإمارات قد استحقت مكانتها بين الخارجين عن القانون في العالم.

للاطلاع إلى النص الأصلي (هنا)
التعليقات (0)