في
ظل التحولات الإقليمية والدولية العميقة التي تعرفها المنطقة، ربما لا تتموضع
تونس
في عين العاصفة ولكنها، مثل كل بلدان المجال الجغرا-سياسي العربي الإسلامي، لم تكن
في معزل عن تداعيات تلك التحولات كيفما كانت مآلاتها. ولفهم تلك التداعيات
المحتملة فإن علينا أن ننطلق من مقدمتين أساسيتين نراهما ضروريتين لقراءة الواقع
التونسي أو استشرافه: أولا، عدم توفر شروط "الممانعة" أو مقوّمات
السيادة بمختلف مكوناتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والعسكرية،
تلك المقومات التي تُحيّد أي إمكانية للتدخل في القرار السيادي وفي الهندسة
الاجتماعية الفوقية للبلاد؛ ثانيا، على عكس الاستراتيجيات الغربية التي أعقبت
"الربيع العربي"، فإن
الديمقراطية الموجّهة من مراكز القرار الدولي لم
تعد تمثل أولوية، وعادت الأولوية للاستقرار. وهو ما يعني أن القوى العالمية لا
تهتم الآن-وهنا كثيرا بطبيعة نظام الحكم أو شرعيته بقدر ما تهتم بقدرته على
الهيمنة الداخلية، بحيث لا يسمح بحدوث "توترات عميقة" قد تهدّد مصالحها
ومصالح وكلائها المحليين في المدى المنظور أو حتى في المدى البعيد.
لم يفهمه هؤلاء "الديمقراطيون" بحكم العمى الأيديولوجي في مصفوفات المشاعر التي تحكمهم؛ هو أن "تصحيح المسار" لم يكن يشتغل بنظام "المناولة" ولا كان وسيلة نقل "لحساب الغير"، بل كان مشروعا سياسيا يتحرك بمنطق البديل المطلق للأجسام الوسيطة في الديمقراطية التمثيلية
إن
مقابلتنا بين استراتيجيتي "الديمقراطية" و"
الاستقرار" لدى
مراكز القرار الغربي تحتاج إلى تدقيق. ففي الحقيقة فإنّ الدعم المشروط والهش
للديمقراطية في تونس وغيرها من بلدان "الربيع العربي" لم يكن إلا بحثا
عن شكل جديد من أشكال الاستقرار في "الكيانات الوظيفية"، وهو شكل كان
يراد له أن يضمن مصالح الغرب ووكلاءه بصورة أقرب إلى تجسيد "قيم الحضارة
الغربية" وأبعد عن الصورة التي ارتسمت للغرب -لدى عموم العرب والمسلمين-
باعتباره الداعم الأكبر للأنظمة الاستبدادية منذ الاستقلال الصوري عن القوى
الاستعمارية، خاصة فرنسا وبريطانيا. أمّا استراتيجية الغرب التي تعطي الأولوية
"للاستقرار" فإنها لا تعني أن الغرب كان/أو ما زال يعترف بأنه يدعم
أنظمة استبدادية ولا ديمقراطية و"وظيفية"، بل يعني أنه يُشرعن تلك
الأشكال من الحكم ولا يطعن في شرعيتها، مع الحرص الإعلامي على دعوتها إلى انفتاح
أعظم على المعارضة وعلى الديمقراطية. وهي في الحقيقة دعوات كاذبة ليس هدفها إلا
عدم التماهي مع تلك الأنظمة أمام الرأي العام الغربي من جهة أولى، ومن جهة ثانية
ابتزاز "الكيانات الوظيفية" بالملف الديمقراطي وملف الحريات والحقوق
الفردية والجماعية لتحقيق أكبر ما يمكن من المصالح المادية والرمزية للغرب.
عندما
فعّل الرئيس
قيس سعيد الفصل الثمانين من الدستور التونسي للقيام بما سُمّي
"تصحيح المسار" يوم 25 تموز/ يوليو 2025 فإنه في الحقيقة كان يستجيب لانتظارات جزء كبير من التونسيين ولدعوات أهم مكونات
الحقل السياسي والمجتمع المدني، رغم أن النخبة "الحداثية" كانت من أعظم
المستفيدين مما سمّوه لاحقا بـ"العشرية السوداء" دعما لسردية
"تصحيح المسار" ومحاولة للتموضع داخلها.
كان
"تصحيح المسار" بالنسبة لأغلب مكونات "العائلة الديمقراطية"
مناسبة لتأكيد فشل المراهنة على الديمقراطية التي لا تستثني الإسلاميين، وكان أيضا
مناسبة "متخيلة" لإمكانية تحقيق "الاستقرار" دون ديمقراطية
حقيقية، أي باعتماد ديمقراطية "سلطوية" تسمح لهم -كما كان الشأن زمن
المخلوع- ببعض المواقع الهامشية وبعض الوجاهة الاجتماعية في "منظومة
الاستعمار الداخلي" وسرديتها السياسية الجديدة. ولكنّ ما لم يفهمه هؤلاء
"الديمقراطيون" بحكم العمى الأيديولوجي في مصفوفات المشاعر التي تحكمهم؛
هو أن "تصحيح المسار" لم يكن يشتغل بنظام "المناولة" ولا كان
وسيلة نقل "لحساب الغير"، بل كان مشروعا سياسيا يتحرك بمنطق البديل
المطلق للأجسام الوسيطة في الديمقراطية التمثيلية، ولا يمكن أن يقبل بمنطق الشريك
للفاعلين في "عشرية الانتقال الديمقراطي" وإن انقلبوا عليها.
منذ
صدور المرسوم الرئاسي عدد 117 الصادر في 22 أيلول/ سبتمبر 2021، تأكد للكثير من "الديمقراطيين"
وليس لجميعهم أن تفعيل الفصل 80 من دستور 2014 لم يكن إلا نقطة البداية في مشروع سياسي لا يهدف إلى مواجهة "الخطر
الداهم" وضمان عودة السير العادي لدواليب الدولة، بل يهدف إلى "تأسيس
ثوري جديد" أو بناء جمهورية جديدة من داخل الديمقراطية القاعدية/المباشرة،
تلك الديمقراطية التي تعتبر الأجسام الوسيطة في
الديمقراطية التمثيلية "خطرا جاثما" وتُبشّر بإنهاء الحاجة إليها ضمن
سردية "حرب التحرير الوطني". وإذا كان الكثير من
"الديمقراطيين" قد ساهموا في شرعنة تصحيح المسار وضمان حالة من
الاستقرار الهش له خاصة في مراحله الأولى، فإن هؤلاء قد خرجوا من معادلة السلطة
وإن كان أغلبهم ما زال رافضا لموقع المعارضة الجذرية للنظام. وهو ما يعني أنّ
"الاستقرار الهش" الذي تعيشه تونس الآن يخالف انتظارات "اليسار
الوظيفي" والكثير من ورثة التجمع، فهو لا يحتاج إليهم ولا يطرح على نفسه
إمكانية استدماجهم في السلطة أو حتى محاورتهم بحثا عن توافقات ممكنة معهم.
في
هذا الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي المأزوم الذي أصبحت السلطة فيه خصما لكل
الأجسام الوسيطة، بما فيها تلك التي دعمتها من موقع "المولاة النقدية"
ورفض العودة إلى مربع 24 تموز/ يوليو 2021،
أي رفض العودة إلى مربّع الديمقراطية التمثيلية، فإن السؤال الذي يطرحه المتابع
للشأن التونسي هو التالي: كيف يمكن للنظام أن يضمن تواصل الاستقرار الهش في ظل
عداوته المفتوحة لكل الأجسام الوسيطة وفي ظل غياب مشروعية الإنجاز، والأهم من ذلك
في ظل شرعية شعبية هشة كما هو ثابت في كل الاستحقاقات الانتخابية السابقة؟ رغم
إيماننا بأن الديمقراطية أو الحكم اللامركزي ليسا من أولويات التونسي الذي ما زال
محكوما بمتخيل/موروث سياسي مدارها "الزعامة الفردية"، فإن عدم ظهور ثمار
"حرب التحرير الوطني" في مستوى الاحتياجات الأساسية للمواطن لا يجعله
فقط يتخذ مسافة نقدية من النظام، بل يجعله أيضا يحنّ إلى الديمقراطية التمثيلية
وأجسامها الوسيطة -على علّاتها- باعتبارها تجربة أفضل واقعيا من "تصحيح
المسار" وديمقراطيته المجالسية.
إمكانية الضغط على النظام لتعديل بعض سياساته تجاه المعارضة والأجسام الوسيطة، أي أن يكون شرط "الإنقاذ" هو القيام بإصلاحات سياسية تخرج النظام من منطق البديل وتجعله يقبل بمنطق الشراكة، لكن في إطار عام لا يهدد مصالح الغرب ولا يعيد البلاد إلى مربّع 14 كانون الثاني/ يناير مع ما كانت تحمله "الفاصلة الديمقراطية" من مخاطر على تلك المصالح
إن
سردية "حرب التحرير الوطني" وما يرتبط بها من "معارك فرعية"
مثل محاربة المال السياسي الفاسد وتفكيك اللوبيات ومراكز النفوذ في الإدارات
العمومية وتحسين وضعية المواطن اقتصاديا وتنمية مناطق الظل/الذل؛ هي معركة
"خطابية" بالأساس عندما توضع على محك الممارسة الفعلية للسلطة أو عندما
تقابل بالمعطيات الكمية القابلة للضبط والإحصاء. فالتحرر من مافيات المال المُعولم
(البنك الدولي وصندوق النقد الدولي مثلا) لا معنى له عندما يُعوّض الاقتراض
الخارجي بالاقتراض الداخلي، كما أن "الشركات الأهلية" لن تكون إلا حملا
اقتصاديا على دافعي الضرائب عندما يراد لها أن تكون رديفا للاقتصاد الريعي لا
بديلا منه، أي عندما تغيب استراتيجية عامة لإرساء تشريعات جديدة هدفها كسر
الاحتكار وتسيير الولوج إلى القطاعات الأكثر ربحية التي تهيمن عليها العائلات
الريعية. أما الحديث عن مقاومة الفساد الإداري وعن معاداة الإمبريالية والصهيونية
فهو يظل حديثا مرسلا في ظل غياب نخب ثورية بديلة، وفي ظل التعامد الوظيفي بين
"تصحيح المسار" و"منظومة الاستعمار الداخلي".
لا
شك عندنا في أن استحضار هذه المعطيات سيفرض على المحلل السياسي أن يُميز بين
السردية السلطوية وبين ادعاءاتها الموجهة للاستهلاك الداخلي، والتي لن تكون محددا
أساسيا لتعامل القوى الدولية مع النظام. وهو ما يضعنا أمام احتمالين: أما الاحتمال
الأول فهو إمكانية ظهور خطة إنقاذ دولية للنظام الحالي بفتح باب الاقتراض الخارجي
لتخفيف الأزمة الاقتصادية وبالتالي تخفيف الضغط السياسي أو الحقوقي على النظام، أي
المحافظة على السياسات الحالية للنظام، وهي سياسات تضعفه داخليا وتجعله أكثر قبولا
للإملاءات الخارجية. إننا أمام إمكانية تتأسس على حقيقة أن النظام التونسي لا
يُمثل رغم مزايداته الخطابية أي خطر على مصالح الغرب وعلى استراتيجياته للمنطقة
بعد الأزمة الحالية في الشرق الأوسط. والاحتمال الثاني، إمكانية الضغط على النظام
لتعديل بعض سياساته تجاه المعارضة والأجسام الوسيطة، أي أن يكون شرط
"الإنقاذ" هو القيام بإصلاحات سياسية تخرج النظام من منطق البديل وتجعله
يقبل بمنطق الشراكة، لكن في إطار عام لا يهدد مصالح الغرب ولا يعيد البلاد إلى
مربّع 14 كانون الثاني/ يناير مع ما كانت تحمله "الفاصلة
الديمقراطية" من مخاطر على تلك المصالح ولو في المدى البعيد. وهو ما يجعلنا
نستبعد أي إمكانية لتغيير النظام من خارج الأطر القانونية والدستورية، أي نستبعد
وجود أي استراتيجية غربية للانقلاب على النظام الحالي كما يلمّح لذلك الكثير من الذين
يُصعّدون عجزهم عن الفعل السياسي بتبني منطق الرغبة وأحاديث النفس المبتورة وما
تهوى.
x.com/adel_arabi21
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.