المعادلة الغائبة للتغيير الإسلامي

طارق الزمر
"الواقع كشف أن الفكرة، مهما كانت صائبة، تظل عاجزة عن التحول إلى قوة مؤثرة ما لم تُترجم إلى سياسات، وتُجسد في مؤسسات، وتُدار ضمن رؤية واضحة"- جيتي
"الواقع كشف أن الفكرة، مهما كانت صائبة، تظل عاجزة عن التحول إلى قوة مؤثرة ما لم تُترجم إلى سياسات، وتُجسد في مؤسسات، وتُدار ضمن رؤية واضحة"- جيتي
شارك الخبر
آفاق التغيير في العالم الإسلامي لا تُختزل في لحظة ثورية عابرة، ولا في موجة حماسية تتصاعد ثم تخبو، بل تتحدد بمدى القدرة على تحويل الإمكانات المتاحة إلى مشروع واعٍ ومتماسك.

وخلال العقود الماضية، تكاثرت محاولات التغيير الإسلامي، وتعددت مساراته، لكن النتائج جاءت دون التوقعات، لا بسبب غياب الرغبة أو ضعف الدافع، بل نتيجة خلل عميق في معادلة التغيير نفسها، وهي معادلة تقوم على أربعة عناصر متداخلة: الفكرة، والتنظيم، والصراع، والقيادة.

في مقدمة هذه الإشكاليات، يبرز الاعتقاد بأن الفكرة الإسلامية وحدها كافية لإحداث التحول، فقد راهنت تيارات عديدة على قوة المرجعية، وعلى عمق الخطاب، وعلى عدالة القضية، باعتبارها عوامل كفيلة بدفع المجتمع نحو التغيير. غير أن الواقع كشف أن الفكرة، مهما كانت صائبة، تظل عاجزة عن التحول إلى قوة مؤثرة ما لم تُترجم إلى سياسات، وتُجسد في مؤسسات، وتُدار ضمن رؤية واضحة. فالفكرة بلا أدوات تبقى في حدود الإقناع النظري، ولا تنتقل إلى مستوى الفعل.
تتجلى الأزمة بصورة أكثر حدة حين تنخرط التنظيمات الإسلامية في صراعات متعددة دون امتلاك القدرة على إدارتها. فالصراع في بيئة العالم الإسلامي لم يعد حالة استثنائية، بل أصبح جزءا من الواقع اليومي
ولهذا، فإن أول شروط التغيير هو الانتقال من "امتلاك الفكرة" إلى "إدارة الفكرة"، أي تحويلها إلى مشروع قابل للتنفيذ.

غير أن هذا الانتقال، حين يتم بصورة ناقصة، يفضي إلى مأزق آخر، يتمثل في بناء تنظيمات قوية ظاهريا لكنها تفتقد الرؤية. فالتنظيم إذا لم يكن مؤطرا بهدف استراتيجي واضح، يتحول إلى كيان مغلق على ذاته، يسعى إلى البقاء أكثر مما يسعى إلى التأثير. ويؤدي ذلك إلى تضخم الهياكل، وتراكم الإجراءات، وانشغال القيادات بالتفاصيل اليومية، على حساب إدراك الاتجاه العام. وفي هذه الحالة، يصبح التنظيم أداة لإعادة إنتاج الأزمة، لا وسيلة لتجاوزها. ولهذا، فإن التحدي لا يكمن في بناء التنظيم، بل في ربطه برؤية تحدد غايته، وترسم مساره، وتضبط حركته.

وتتجلى الأزمة بصورة أكثر حدة حين تنخرط التنظيمات الإسلامية في صراعات متعددة دون امتلاك القدرة على إدارتها. فالصراع في بيئة العالم الإسلامي لم يعد حالة استثنائية، بل أصبح جزءا من الواقع اليومي، سواء على المستوى الداخلي أو الإقليمي أو الدولي. غير أن الدخول في الصراع دون رؤية لإدارته يحوّله إلى حالة استنزاف مفتوحة، تُستهلك فيها الطاقات، وتُفقد فيها المبادرة. فبدل أن يكون الصراع وسيلة لتحقيق أهداف محددة، يصبح عبئا دائما، يفرض إيقاعه على الفاعلين، ويجعلهم أسرى ردود الفعل. ومن هنا، فإن الفرق بين الصراع الفاعل والصراع المستنزف لا يكمن في شدته، بل في طريقة إدارته، وفي القدرة على التحكم في مساراته ومآلاته.


وفي قلب هذه المعادلة، تبرز القيادة بوصفها العامل الحاسم الذي يحدد اتجاه التغيير. فالقائد هو من يربط بين الفكرة والتنظيم والصراع، ويحولها من عناصر منفصلة إلى منظومة متكاملة، وهو من يحدد متى تُقدَّم الفكرة، وكيف يُبنى التنظيم، وأين يُخاض الصراع، وبأي أدوات. ومن دون قيادة تمتلك هذا الوعي المركب تظل الجهود مبعثرة،
التحدي لم يعد في إطلاق شعارات أو تنظيمات جديدة، بل في بناء قدرة حقيقية على إدارة الواقع. وهذا يقتضي تطوير التفكير الاستراتيجي، وتكريس العمل المؤسسي، وتدريب القيادات على التعامل مع التعقيد، بدل الهروب منه أو تبسيطه. كما يتطلب إعادة النظر في مفهوم الصراع
والطاقات مهدرة، والنتائج محدودة. وقد أثبتت التجارب أن كثيرا من الإخفاقات لم تكن نتيجة ضعف الفكرة أو قلة الموارد، بل نتيجة غياب القيادة القادرة على قراءة الواقع، وتقدير المآلات، وضبط التوازن بين الممكن والمطلوب.

إن آفاق التغيير في العالم الإسلامي تظل مفتوحة، لكنها مشروطة بإعادة بناء هذه المعادلة على أسس أكثر وعيا. فالتحدي لم يعد في إطلاق شعارات أو تنظيمات جديدة، بل في بناء قدرة حقيقية على إدارة الواقع. وهذا يقتضي تطوير التفكير الاستراتيجي، وتكريس العمل المؤسسي، وتدريب القيادات على التعامل مع التعقيد، بدل الهروب منه أو تبسيطه. كما يتطلب إعادة النظر في مفهوم الصراع، بحيث يُدار كأداة ضمن رؤية شاملة، لا كحالة دائمة تستهلك الجهود.

وفي هذا السياق، يصبح السؤال المركزي: كيف ننتقل من حالة التفاعل مع الأحداث إلى القدرة على تشكيلها؟ والإجابة تبدأ من إدراك أن التغيير ليس نتاج عنصر واحد، بل حصيلة تفاعل منظم بين الفكرة والتنظيم والصراع، تحت قيادة واعية. وعندما يتحقق هذا التفاعل، يمكن تحويل التحديات إلى فرص، والأزمات إلى مسارات، والواقع إلى مجال للفعل لا مجرد ساحة للتأثر.

وبذلك، فإن مستقبل التغيير في العالم الإسلامي لا يتوقف على حجم التحديات، بقدر ما يتوقف على مستوى الوعي بإدارتها. فحين تتوافر القيادة القادرة على الربط بين هذه العناصر، يصبح الطريق -مهما كان معقدا- قابلا للتشكيل، وتتحول الإمكانات الكامنة إلى قوة فاعلة، قادرة على إعادة بناء الحضور في عالم سريع التحول.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)