في
أوج ثورة الاتصالات والبيانات والذكاء الصناعي لا تزال الممرات القديمة في العالم
تمسك بتلابيت التجارة العالمية وعلى رأسها المضايق البحرية؛ حقيقة كشفتها أزمة
مضيق هرمز في الحرب الدائرة حاليا بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران. فليس
هناك بديل فعال لهذا الشريان الحيوي المهم من أجل ضمان نقل مصادر الطاقة والبضائع
حول العالم، وهو الواقع الذي استفاقت عليه دول أخرى لتبدأ في إعادة النظر في
علاقتها مع المضايق البحرية التي تطل عليها من أجل تعزيز مواردها الاقتصادية أو
بسط نفوذها السياسي والعسكري.
في
إندونيسيا على سبيل المثال أعلن وزير المالية بوربايا يودي سادوا أن بلاده تخطط
لبدء تحصيل رسوم من السفن العابرة في مضيق ملقا؛ هذا المضيق الذي تشرف عليه كل من
ماليزيا وسنغافورا وإندونيسيا والذي يوصف بأنه أكثر ممر مائي مزدحم في العالم،
فضلا عن هذا فهو شريان الحياة الرئيس للتجارة الصينية وحتى على صعيد النفط والغاز،
إذ تبلغ واردات الصين من الطاقة التي تمر به 80 في المئة.
ضحايا الاستهتار بعدد من القواعد والمبادئ الدولية المستقرة لن يقف فقط عند حدود فرض القوي سيطرته على الضعيف، بل يمتد إلى أن يتأثر القوي والضعيف سلبا بسبب ما قد يترتب من نزاعات على خصخصة الممرات المائية الحيوية حول العالم
لماذا
يعد
الصراع الاقتصادي والسياسي والعسكري الحالي حول مضيق هرمز وخطوة إندونيسيا مع
مضيق ملقا مؤشرا مقلقا؟ لأن أوضاع مثل هذه المضايق في العالم كان وما يزال يحكمها
مبدأ حرية الحركة التجارية والملاحة في المنطقة، وهي إحدى ثمرات قانون البحار كجزء
من القانون الدولي العام الذي ترعاه الأمم المتحدة. هذا القانون المبني بالأساس
على المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تراعي مصالح الجميع واستقر عليها العرف
الدولي خلال العقود الماضية.
غني
عن البيان أن مجرد ذكر القانون الدولي ومبادئ الأمم المتحدة في الظروف الدولية
الراهنة أصبح مثيرا للانتقاد وربما للسخرية بسبب ضرب الولايات المتحدة وإسرائيل بهذه
القوانين عرض الحائط. وهذا يعني أن ضحايا الاستهتار بعدد من القواعد والمبادئ
الدولية المستقرة لن يقف فقط عند حدود فرض القوي سيطرته على الضعيف، بل يمتد إلى
أن يتأثر القوي والضعيف سلبا بسبب ما قد يترتب من نزاعات على خصخصة الممرات
المائية الحيوية حول العالم.
تركيا
على سبيل المثال ترغب في أن تحذو مع مضيق البوسفور حذو إندونيسيا مع مضيق ملقا
وتحصل رسوما مضاعفة، يمنعها من ذلك اتفاقية مونترو الموقعة عام 1936، فلم تفكر في
عرقلة
الملاحة في المضيق الشهير أو فرض الرسوم بالقوة. تفتق ذهنها عن اختراع بديل،
وهو إنشاء قناة إسطنبول الجديدة التي يجرى إنشاؤها على قدم وساق منذ عام 2011
لتكون ما يشبه مضيقا بديلا للبوسفور تفرض فيه أنقرة ما تشاء من رسوم، بعد أن تزيد
من السفن العابرة ولا تكون خاضعة للمعاهدات التي فرضتها ظروف سياسية وعسكرية قاسية
على البلاد خلال القرن الماضي.
أما
مضيق باب المندب جنوب البحر الأحمر، فقد تسربت أنباء عن تفكير جماعة أنصار الله
الحوثية في فرض رسوم لعبور السفن حوله، فهذا من ناحية يوفر لها مصدرا مهما للدخل
ومن ناحية يعزز ويشرعن سيطرتها على المضيق. ووفقا لهذا المنطق فلن يمنع أحد دولا
مثل المغرب وإسبانيا من فرض رسوم على السفن العابرة من مضيق جبل طارق إذا أرادت
ذلك.
والأمر
في هذه الحالات لا يقف عند حد تحصيل رسوم، فهو مقدمة لبسط الدولة سيادتها على مياه
المضيق، مما يعني أنها تستطيع أن تسمح لسفن بالعبور وتمنع سفنا أخرى. وهذا ينطوي
على مخاطرة كبيرة على العمليات العسكرية في العالم، إذ يؤدي إلى ما يشبه فرض حصار
بحري وإعاقة مرور السفن العسكرية في حال نشوب أي نزاع، وهو الأمر الذي لن تقبل به
معظم الدول الكبرى وقد يؤدي لفصل جديد من الصراع الدولي.
x.com/HanyBeshr
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.