لم يعد السؤال
المطروح اليوم ما إذا كانت أزمة مضيق
هرمز سترفع أسعار
النفط أو تهدد أمن الطاقة
في العالم فحسب، بل ما إذا كانت ستعيد أيضا رسم مستوى التنسيق بين القوى الكبرى
المتضررة من أيّ خنق جديد للممرات البحرية والطاقة.
في مقدمة هذه
القوى تأتي
الصين، بوصفها أكبر مستورد آسيوي للنفط المار عبر هذا المضيق، وكذلك
روسيا
التي ترى في أيّ اضطراب طويل "فرصة" استراتيجية واقتصادية وسياسية في آن
واحد.
من هنا، يبدو أنّ
أيّ خطوة أمريكية تؤدي عمليا إلى إقفال المضيق أو فرض حصار بحري صارم على
إيران من
خلاله، لن تمر فقط باعتبارها حدثا عسكريا أو تجاريا، وإنما سوف تكون عاملَ ضغط
سيدفع موسكو وبكين إلى رفع منسوب التنسيق بينهما إلى حدود أعلى.
سوف تتحوّل روسيا بالنسبة للصين، إلى أكثر من مجرد مصدر نفطي إضافي، سوف تصبخ أداة امتصاص صدمة، ومورّدا مستقرا نسبيا، وشريكا في مواجهة الضغوط الغربية على طرق التجارة والطاقة
الصين تنظر إلى مضيق
هرمز من زاوية "أمن الطاقة" أولا، فالمضيق يظلّ أكبر نقطة اختناق نفطي
في العالم، وقد مرّ عبره في النصف الأول من عام 2025 نحو 23.2 مليون برميل يوميا،
أي ما يقارب 29 في المئة من تجارة النفط البحرية العالمية، ما يعني أنّ أيّ تعطيل
واسع فيه، سوف يصيب قلب الاقتصاد الآسيوي مباشرة.
بالنسبة إلى
بكين، فإن هذا الملف يرفع من حساسيتها لأنّ الجزء الأكبر من النفط الإيراني الخاضع
للعقوبات كان يذهب إليها أساسا. تقديرات حديثة نقلتها وكالة "رويترز" عن
موقع "كيبلار" المعني بمراقبة مؤشرات النفط، أظهرت أنّ الصين اشترت أكثر
من 80 في المئة من النفط الإيراني المنقول بحرا، بمتوسط 1.38 مليون برميل يوميا،
وهي نسبة تعكس مدى ارتباطها بالنفط الإيراني المعاقَب.
المفارقة، أنّ
هذا الاعتماد نفسه هو ما يجعل الصين أكثر ميلا إلى التنسيق مع روسيا. فبكين، على
الرغم من كونها من أكثر الأطراف تعرضا لـ"صدمة هرمز"، ليست بلا بدائل؛ هي
تملك مخزونات، وتستطيع تنويع جزء من وارداتها، كما تستطيع زيادة السحب من روسيا وغيرها..
وهذا بالضبط ما يفتح الباب أمام موسكو لتتحول من مجرد شريك كبير للصين إلى شريك
أكثر أهمية في لحظة اضطراب الطاقة العالمية.
وفق هذا
السيناريو، سوف تتحوّل روسيا بالنسبة للصين، إلى أكثر من مجرد مصدر نفطي إضافي،
سوف تصبخ أداة امتصاص صدمة، ومورّدا مستقرا نسبيا، وشريكا في مواجهة الضغوط
الغربية على طرق التجارة والطاقة.
من جهتها، لا ترى
موسكو أزمة هرمز فقط كتهديد للأسواق، بل أيضا "نافذة نفوذ"، فكلما
ارتفعت المخاطر على الإمدادات القادمة من الخليج وإيران، ازدادت القيمة
الجيوسياسية والمالية للطاقة الروسية المتجهة شرقا. وهذا لا يعني أنّ روسيا مستفيدة
من الفوضى الأمريكية المفتوحة في الخليج، لأنّ الانفلات الكامل قد يضرب الاقتصاد
العالمي ويؤدي إلى تداعيات غير قابلة للضبط.
موسكو تجد نفسها
اليوم، وبلا أي عناء، في موقع "المستفيد" من أي تحول صيني وآسيوي أوسع
نحو بدائل أقل عرضة للخنق البحري الأمريكي. وفي هذا الإطار، جاء حديث موسكو أخيرا
عن تنسيق أوسع داخل مجموعة "بريكس" لمواجهة تداعيات أزمة الشرق الأوسط
على الغذاء والأسمدة والطاقة..
أزمة مضيق هرمز، إذا تطورت نحو إغلاق كلّي أو حصار طويل لإيران، فهذا سيدفع روسيا والصين إلى مستوى أعلى من التنسيق السياسي والاقتصادي، وربما المالي داخل أطر مثل "بريكس" أو غيرها
ليعكس ذلك كله محاولة روسية واضحة، لتحويل الأزمة
من ضغط ظرفي إلى أرضية تعاون منظم مع شركائها، وعلى رأسهم الصين.
الأهم من ذلك كلّه،
أنّ مؤشرات التنسيق لا تقتصر على الجانب الاقتصادي، ففي مجلس الأمن، استخدمت روسيا
والصين حقّ النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار يتعلق بحماية الملاحة في هرمز، معتبرتين
أنّ المقاربة الغربية منحازة وغير متوازنة.
هذه الخطوة عكست رغبة
الطرفين في منع واشنطن من احتكار تعريف الأزمة وشروط إدارتها. كما أنّ المواقف
المعلنة من بكين وموسكو في الأيام الأخيرة، أظهرت تقاربا واضحا في اللغة السياسية:
رفض التصعيد، والتحذير من أثره على الأسواق الدولية، والدفع نحو مقاربة تفاوضية
بدلا من فرض وقائع أمنية أحادية.
وبناء على هذا
كلّه، يمكن القول إنّ أزمة مضيق هرمز، إذا تطورت نحو إغلاق كلّي أو حصار طويل
لإيران، فهذا سيدفع روسيا والصين إلى مستوى أعلى من التنسيق السياسي والاقتصادي،
وربما المالي داخل أطر مثل "بريكس" أو غيرها. هذا التقارب سوف يتقدم في
ملفات الطاقة، والمدفوعات، والمواقف الدبلوماسية، وربما في إعادة رسم سلاسل
الإمداد الآسيوية.
بعبارة أوضح: مضيق
هرمز قد لا يصنع حلفا روسيا- صينيا جديدا، لكنّه بالتأكيد سوف يسرّع ولادة مرحلة
أكثر تماسكا في العلاقة بينهما، عنوانها أنّ الضغط الأمريكي على الممرات البحرية
لم يعد يهدّد النفط فقط، بل يسرّع أيضا إعادة ترتيب التوازنات الدولية.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.