لم يعد ممكنا
التعامل مع
النفط الروسي كما لو أنّه تفصيل ثانوي يمكن شطبه بقرار سياسي أو بعقوبة
تصدر من واشنطن أو من بروكسل، فالخطوة الأمريكية الأخيرة، المتمثلة بالسماح المؤقت
ببيع النفط الروسي المحمّل في البحر، ليست إجراء تقنيا محدودا كما تحاول الإدارة
الأمريكية تصويره، بل تكشف حقيقة أكثر عمقا، ومفادها أن العالم لم ينجح برغم كل
سنوات العقوبات والضغوط، في بناء توازن طاقوي مستقر من دون
روسيا.
فعندما اهتزّ
السوق بفعل حرب
إيران، وجدت واشنطن نفسها مضطرة إلى الاعتراف، ولو على نحو موارب
ومؤقت، بأنّ النفط الروسي أحد أعمدة النظام العالمي. هذا القرار الأمريكي مهمّ
لأنّه يفضح التناقض البنيوي في السياسة الغربية منذ سنوات. فمن جهة، يكشف أنّه جرى
التعامل مع روسيا باعتبارها خصما استراتيجيا يجب خنقه ماليا واقتصاديا، ومن جهة
أخرى، أظهر أن الاقتصاد العالمي ظلّ قائما على افتراض ضمني بأنّ الإمدادات الروسية
ستبقى، بشكل أو بآخر، حاضرة في السوق.
المشكلة في الخطاب الأمريكي لا تكمن فقط في التناقض، بل أيضا في الإصرار على إنكار الواقع
لكن ما حصل الآن
كان تلك اللحظة التي فضحت كل شيء، فعندما ارتفعت المخاوف من اضطراب الإمدادات
نتيجة الحرب في إيران واتساع التوتر في منطقة حساسة مثل الخليج، لم تجد واشنطن
وسيلة أسرع لتهدئة السوق من فتح نافذة استثنائية أمام النفط الروسي.. وهنا
بالتحديد تظهر قيمة روسيا في معادلة
الطاقة الدولية.
المسألة لا تتعلق
فقط بكونها دولة منتجة كبرى، بل بكونها لاعبا يمتلك حجما لا يمكن تعويضه بسهولة،
وبنية تصدير واسعة، وقدرة على ضخ كميات تؤثر مباشرة في الأسعار والتدفقات
والتوقعات النفسية للسوق. وحين تتحدث تقديرات عن نحو 130 مليون برميل من النفط
الروسي الموجود حاليا في البحر، فإنّ الحديث لا يدور عن رقم صغير وثانوي، بل عن
كتلة طاقة قادرة على لعب دور تهدئة أو إشعال، بحسب طريقة إدارتها. لذلك لم يكن
مستغربا أن تعود واشنطن، تحت ضغط الضرورة، إلى تسهيل بيعه وتسليمه، حتى لو حاول
مسؤولوها التقليل من قيمة المكاسب الروسية الناتجة عن ذلك.
لكن المشكلة في
الخطاب الأمريكي لا تكمن فقط في التناقض، بل أيضا في الإصرار على إنكار الواقع.
فعندما يقول وزير الخزانة سكوت بيسنت إنّ الفائدة المالية على روسيا ستكون محدودة،
فهو يحاول تطويق الاعتراض السياسي أكثر مما يصف الأثر الحقيقي للقرار؛ لأنّ القضية
ليست فقط في حجم الربح المباشر خلال شهر واحد، بل في الرسالة التي يحملها القرار
إلى السوق: إذا كان الغرب نفسه يعود، عند أول أزمة كبيرة، إلى النفط الروسي لضبط
الأسعار، فهذا يعني أنّ سياسة العزل القصوى لم تكن مبنية على قراءة واقعية لطبيعة
الاقتصاد العالمي، بل على اندفاعة سياسية تجاوزت حدود القدرة على الاحتمال.
الأهم من هذا
كلّه، أنّ هذه العودة الأمريكية المؤقتة تؤكد أنّ العقوبات حين تُفرض بشكل واسع
وعشوائي ومن دون حساب دقيق للتشابكات العالمية، لا تعاقب الدولة المستهدفة فقط، بل
تصيب النظام الاقتصادي كله. هذا ما جرى مع روسيا منذ البداية، إذ ساد في الغرب
اعتقاد بأنّ خنق قطاع الطاقة الروسي سيؤدي إلى إنهاك موسكو سريعا، لكنّ ما حدث
عمليا كان أكثر تعقيدا: الأسواق ارتبكت، الأسعار ارتفعت، مسارات التجارة تغيّرت،
كلفة الطاقة زادت على المستهلكين والصناعات، واضطرت دول عدة إلى البحث عن بدائل
أعلى سعرا وأقل كفاءة، فيما وجدت روسيا منافذ جديدة وطرقا بديلة للحفاظ على جزء
كبير من صادراتها.
الاعتراضات الأوروبية، ولا سيما الفرنسية والألمانية، فتعكس بدورها مأزقا غربيا حقيقيا. فالدعوة إلى عدم تغيير الموقف من روسيا ربما تبدو مفهومة سياسيا في سياق الحرب الأوكرانية، لكنّها تصطدم بجدار المصالح المادية حين تهتز أسواق الطاقة
من هذه الزاوية،
تبدو الحرب على إيران وكأنها سرعت فقط في كشف خطأ سابق كان قائما أصلا. فإغلاق
مضيق هرمز، واستهداف البنية التحتية للطاقة في الخليج، أعاد إلى الواجهة السؤال
الأساسي: من أين سيأتي العالم بالنفط الكافي إذا خرجت إمدادات إضافية من السوق؟
الجواب العملي الذي صدر من واشنطن كان واضحا: من روسيا.. وهذا بذاته اعتراف ثقيل
الوزن.
اللافت أنّ موسكو
تلقفت هذه الإشارة بسرعة، مذكّرة بأنّ سوق الطاقة العالمي لا يمكن أن يبقى مستقرا
من دون نفطها. وهذا ليس مجرد خطاب دعائي روسي، بل قراءة تستند إلى وقائع فرضت
نفسها على خصومها قبل حلفائها. فحين تصبح روسيا، رغم العقوبات والحصار السياسي،
جزءا من حلّ أزمة الطاقة العالمية، فإن ذلك يعني أن الغرب أخطأ حين تصرف وكأن
استبعادها الكامل ممكن من دون أثمان كبرى. لقد جرى تسويق العقوبات لسنوات كأداة
نظيفة ودقيقة، لكن النتيجة كانت العكس: مزيدا من التشوه في الأسواق، مزيدا من
الضغوط التضخمية، ومزيدا من الاعتراف المتأخر بأنّ الاقتصاد العالمي لا يُدار
بالشعارات.
أمّا الاعتراضات
الأوروبية، ولا سيما الفرنسية والألمانية، فتعكس بدورها مأزقا غربيا حقيقيا.
فالدعوة إلى عدم تغيير الموقف من روسيا ربما تبدو مفهومة سياسيا في سياق الحرب
الأوكرانية، لكنّها تصطدم بجدار المصالح المادية حين تهتز أسواق الطاقة. وهنا يظهر
الانقسام بين الخطاب الأخلاقي والحسابات الواقعية.
في المحصلة،
الاستنتاج البديهي مما حصل في واشنطن يفيد أنه مهما بالغ تسييس الاقتصاد، سوف يعود
في اللحظة الحرجة إلى الحقائق. الاستقرار النفطي لا يُبنى على الرغبات، وإنما على
الأوزان الفعلية للدول المنتجة. وروسيا، شاء الغرب أم أبى، تبقى واحدة من هذه
الأوزان الحاسمة.