أرمينيا و"التوازن الصعب" بين روسيا والاتحاد الأوروبي

نبيل الجبيلي
"روسيا هي الشريك التجاري الأكبر لأرمينيا"- جيتي
"روسيا هي الشريك التجاري الأكبر لأرمينيا"- جيتي
شارك الخبر
ثمّة مثل شعبي روسي قديم يقول: "لا توجد موائد مجانية، بل أثمان مؤجلة الدفع".. وهذا المثل ينطبق على العلاقات الروسية- الأرمنية على ما يبدو.

على مرّ التاريخ، كانت العلاقة بين موسكو ويريفان شراكة عميقة، تشكلت فوق أنقاض الاتحاد السوفييتي، وتكرست عبر الأمن والاقتصاد والسياسة.. حتى أنّ بعض الأرمن رأوا في روسيا، "المظلة" التي تحمي دولتهم الصغيرة وسط بحرٍ من التحديات الجيوسياسية المعقدة.

إلاّ أنّ هذا المشهد، بدأ يتغير تدريجيا في السنوات القليلة الأخيرة، خصوصا مع تنامي الرغبة الأرمنية في الانفتاح على الغرب، وسعيها نحو علاقات أوثق مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وذلك في محاولة لاتباع سياسة تقول يريفان إنّها "براغماتية"، تقوم على مبدأ "المنفعة للجميع" من خلال الاحتفاظ بالمكاسب الاقتصادية الروسية، وفي الوقت نفسه فتح الأبواب أمام الغرب سياسيا واستراتيجيا.

انتقال أرمني كامل نحو الغرب، سيعني خسارة شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية التي تشكل شريانا حيويا للدولة الأرمنية

هذه المعادلة، التي حاولت القيادة الأرمنية تسويقها باعتبارها "توازنا دبلوماسيا"، لم تلقَ قبولا صريحا داخل الكرملين، الذي ينظر دوما إلى جنوب القوقاز كواحدة من ساحاته الحيوية، وأكثرها حساسية لناحية ضبط الأمن القومي الروسي.

في الأسابيع الأخيرة، وصلت إلى يريفان رسالة روسية كانت أكثر وضوحا وحدّة. فقد اعتبر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أنّ أرمينيا مطالبة بحسم خياراتها الاستراتيجية بوضوح، مؤكدا أنّ الجمع بين الامتيازات الاقتصادية الروسية والانخراط السياسي مع خصوم موسكو لم يعد مقبولا بالنسبة لروسيا. كما دعا بوتين إلى تنظيم استفتاء شعبي في أرمينيا لتحديد الوجهة التي يريدها الشعب الأرمني لمستقبل بلاده السياسي والاقتصادي.

اقتصاديا، تدرك أرمينيا جيدا أنّ خروجها من الاتحاد الاقتصادي الأوراسي لن يكون خطوة مربحة، وقد يتحول هذا الأمر إلى "ضربة قاضية" للاقتصاد الأرمني. روسيا هي الشريك التجاري الأكبر لأرمينيا، كما أنّ السوق الروسية تستوعب نسبة ضخمة من الصادرات الأرمنية، فضلا عن اعتماد عشرات آلاف العائلات الأرمنية على تحويلات العمال الأرمن المقيمين داخل روسيا. كما أنّ الشركات الروسية تساهم في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والنقل داخل أرمينيا، ما جعل الاقتصاد الأرمني متشابكا بصورة عميقة مع الاقتصاد الروسي.

لسنوات طويلة، استفادت يريفان من أسعار الطاقة الروسية التفضيلية، ومن التسهيلات الجمركية، ومن انسيابية الحركة التجارية داخل الفضاء الأوراسي.. وهي امتيازات يصعب على الغرب تعويضها بسرعة، خصوصا في ظل الأزمات الاقتصادية التي تعصف بأوروبا وتُجبر الاقتصاد العالمي على التباطؤ. الكرملين يدرك أنّ تلك، هي نقطة القوة الأساسية التي يملكها في وجه أرمينيا (إلى جانب القوة العسكرية طبعا)، ولذلك،
لا تزال قطاعات واسعة داخل المجتمع الأرمني تنظر إلى روسيا باعتبارها الحليف الأكثر واقعية، مقارنة بوعود الغرب التي غالبا ما تبدو سياسية أكثر منها عملية
يلوّح بصورة غير مباشرة بأنّ أيّ انتقال أرمني كامل نحو الغرب، سيعني خسارة شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية التي تشكل شريانا حيويا للدولة الأرمنية.

أمّا عسكريا، فقد لعبت روسيا دور الضامن الأمني الرئيسي لأرمينيا، سواء عبر القواعد العسكرية الروسية، أو من خلال التعاون الدفاعي والتسليحي، موفرة ليريفان في الوقت نفسه، دعما مهما داخل المؤسسات الدولية، ناهيك عن وقوف موسكو إلى جانب أرمينيا في أكثر من محطة دولية حساسة، خصوصا في تلك المحطات المتعلقة بالصراع في مناطق القوقاز.

وبرغم التوترات التي ظهرت بعد حرب ناغورني قره باغ ضد أذربيجان، فلا تزال قطاعات واسعة داخل المجتمع الأرمني تنظر إلى روسيا باعتبارها الحليف الأكثر واقعية، مقارنة بوعود الغرب التي غالبا ما تبدو سياسية أكثر منها عملية، خصوصا أنّ التجارب الجيوسياسية أثبتت أنّ موسكو لا تتسامح مع السياسات الرمادية، فكيف إن كان الأمر يتعلق بدول تعتبرها روسيا جزءا من فضائها الاستراتيجي التقليدي؟

وفي المقابل، لا تبدو الدول الغربية مستعدة لتقديم الضمانات الاقتصادية والعسكرية نفسها، التي وفرتها روسيا لأرمينيا على مدار عقود، خصوصا في هذا الظرف العالمي الصعب (الحرب الأمريكية- الإسرائيلية ضد إيران). ولهذا، تبدو أرمينيا اليوم أمام مفترق طرق تاريخي: إمّا البقاء ضمن المظلة الروسية بكل ما تمنحه من امتيازات وحماية، أو الذهاب نحو مغامرة غربية غير مضمونة النتائج، وفي منطقة لا ترحم الضعفاء، ولا تعترف بالحياد الدائم وألوانه الرمادية.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل