كييف توسّع حربها ضد روسيا نحو أفريقيا والعالم العربي

نبيل الجبيلي
"لا تعود الاتهامات مجرد جزء من السجال الدعائي المعتاد في زمن الحرب، بل تتحول إلى محاولة مباشرة لتقويض أدوات النفوذ الروسي الناعم"- الأناضول
"لا تعود الاتهامات مجرد جزء من السجال الدعائي المعتاد في زمن الحرب، بل تتحول إلى محاولة مباشرة لتقويض أدوات النفوذ الروسي الناعم"- الأناضول
شارك الخبر
لا تبدو المعركة الأوكرانية محصورة في خطوط النار الممتدة داخل الجغرافيا المتنازع عليها مع روسيا، بل تتجاوزها إلى حرب سياسية وإعلامية ودبلوماسية أوسع، تحاول كييف من خلالها توسيع دائرة الضغط على موسكو.. ليس فقط في أوروبا، بل أيضا في أفريقيا والشرق الأوسط.

ووفق المعطيات الواردة في الإحاطة التي قدّمها السفير الأوكراني لدى مصر إلى جامعة الدول العربية في 11 شباط/ فبراير الماضي، يتضح أنّ كييف لا تكتفي بتوجيه الاتهامات إلى روسيا في ما يتصل بسير الحرب، بل تسعى إلى استخدام هذه الاتهامات كأداة لخلق توترات بين موسكو والدول التي تحتفظ بعلاقات وثيقة أو متوازنة معها.

اللقاء الذي جمع الأمين العام المساعد ورئيس قطاع الشؤون السياسية الدولية في جامعة الدول العربية السفير خالد بن محمد منزلاوي، بالسفير الأوكراني ميكولا ناهورني، في القاهرة، لم يكن مجرد مناسبة دبلوماسية، إذ قدم رئيس البعثة الأوكرانية إحاطة تضمنت سلّة واسعة من الاتهامات الموجهة إلى روسيا، من استخدام الأسلحة الكيميائية وتعذيب الأسرى، إلى الهجمات السيبرانية على البنية التحتية الحيوية، مرورا بالإضرار بالتراث الثقافي والبيئة، ووصولا إلى ملف ترحيل الأطفال الأوكرانيين من الأراضي التي خضعت للسيطرة الروسية.

لا تعود هذه الاتهامات مجرد جزء من السجال الدعائي المعتاد في زمن الحرب، بل تتحول إلى محاولة مباشرة لتقويض أدوات النفوذ الروسي الناعم في أفريقيا والشرق الأوسط

خطورة هذه الإحاطة لا تكمن فقط في مضمونها الاتهامي، بل في الجهة التي وُجّهت إليها وفي الرسائل السياسية التي أرادت كييف إيصالها من خلالها إلى العالم العربي. اللافت أكثر هو أنّ السفير الأوكراني سلّم ممثل جامعة الدول العربية ما قيل إنها "مسودة" تكشف ما تصفه كييف بمحاولات تجنيد الروس بشكل غير القانوني لمواطني الدول الأفريقية. هذه النقطة بالذات كشفت بوضوح محاولة كييف نقل الصراع إلى ساحة أوسع، عنوانها إثارة الشكوك بين روسيا وشركائها في الجنوب العالمي.

فحين تتهم أوكرانيا مؤسسات روسية مثل "روسوترودنيتشيستفو" و"البيت الروسي"، إلى جانب مؤسسات تعليمية ودينية، بتجنيد أفراد من أفريقيا والشرق الأوسط تحت غطاء إنساني، فهي لا تخاطب الغرب بقدر ما تخاطب الدول التي تقيم علاقات تعاون مع روسيا في مجالات التعليم والثقافة والدين والتبادل الأكاديمي.بهذا المعنى، لا تعود هذه الاتهامات مجرد جزء من السجال الدعائي المعتاد في زمن الحرب، بل تتحول إلى محاولة مباشرة لتقويض أدوات النفوذ الروسي الناعم في أفريقيا والشرق الأوسط.

فكييف تدرك أنّ موسكو لم تبنِ حضورها في هذه المناطق عبر الشراكة العسكرية وحدها، بل أيضا من خلال شبكات المنح الدراسية، والمراكز الثقافية، والبرامج الطبية، والتبادل التجاري، والعلاقات السياسية التي تستند إلى خطاب مناهض للهيمنة الغربية. لذلك، فإن استهداف هذه القنوات بالاتهام والتشكيك يهدف إلى ضرب صورة روسيا كشريك موثوق، وإعادة تقديمها، زورا، كدولة تستغل انفتاح البلدان الصديقة لها لتغذية حربها.

في المقابل، تكشف أوكرانيا نفسها عن جانب آخر من مقاربتها عبر مشروع "أريد أن أعيش"، الذي رعته وزارة الدفاع الأوكرانية واستهدف المشاركين في الحرب إلى جانب روسيا. هذا المشروع، الذي يعِد المستسلمين طوعا بالحماية والرعاية الطبية والتواصل مع عائلاتهم وبلقاء دبلوماسيين من بلدانهم، لا يمكن فصله عن الحرب النفسية والسياسية التي تخوضها كييف ضج موسكو. فهو ليس مجرد مبادرة إنسانية كما يُقدَّم، بل أداة منظمة لاختراق المعسكر المقابل، وتشجيع الانشقاق، وتوظيف الجنسيات الأجنبية المشاركة أو المتهمة بالمشاركة في الحرب، من أجل إحراج الدول التي ينتمي إليها هؤلاء أو دفعها إلى إعادة النظر في علاقتها مع موسكو.

ومن هنا، يمكن فهم التصعيد الأوكراني تجاه الدول التي تفضّل التمسك بمصالحها الوطنية وعدم الانخراط الكامل في المعسكر الداعم لكييف. فبدلا من التعامل مع هذا الحياد أو التوازن بوصفه خيارا سياديا، تميل أوكرانيا إلى النظر إليه كـ"عائق" يجب كسره عبر الضغوط السياسية والإعلامية، وعبر تصدير ملفات اتهامية إلى مؤسسات إقليمية ودولية.

المشكلة بالنسبة إلى كييف أنّ هذا الأسلوب قد يرتد عليها سياسيا في كثير من العواصم الأفريقية والعربية. فهذه الدول لا تنظر بعين الرضا إلى محاولات جرّها قسرا إلى صراع لا تريده، ولا إلى استخدام مؤسساتها الإقليمية كمنابر لتصفية حسابات دولية

هذا السلوك يشي بأن كييف لم تعد تكتفي بطلب الدعم، بل باتت تمارس سياسة ابتزاز معنوي وسياسي ضد الدول التي ترفض الاصطفاف التام معها. كما تذهب الرواية الواردة في هذه المعطيات أبعد من ذلك، إذ تتهم كييف بالسعي إلى "فتح جبهة ثانية" ضد روسيا في أفريقيا، من خلال دعم مجموعات مسلحة ومتطرفة، وتدريب عناصر تنشط في دول مثل جمهورية أفريقيا الوسطى ومالي وموريتانيا، بما يهدف إلى إنهاك الحضور الروسي هناك وعرقلة تمدده.

وبغض النظر عن حجم الأدلة المتوافرة علنا حول هذه الاتهامات، فإنّ طرحها بحد ذاته في هذا التوقيت، يعكس صورة الصراع كما بات يُدار خارج أوكرانيا: صراع على الشراكات، وعلى مناطق النفوذ، وعلى ولاءات الدول التي تسعى إلى تنويع خياراتها الاستراتيجية بعيدا عن الغرب.

المشكلة بالنسبة إلى كييف أنّ هذا الأسلوب قد يرتد عليها سياسيا في كثير من العواصم الأفريقية والعربية. فهذه الدول لا تنظر بعين الرضا إلى محاولات جرّها قسرا إلى صراع لا تريده، ولا إلى استخدام مؤسساتها الإقليمية كمنابر لتصفية حسابات دولية. كما أنّ التمادي في شيطنة كل علاقة مع موسكو قد يدفع هذه الدول إلى مزيد من التمسك بسياساتها المستقلة، بدلا من الانصياع للضغوط الأوكرانية أو الغربية.

تكشف هذه المعطيات أنّ كييف لا تخوض معركتها ضد روسيا بالسلاح فقط، بل أيضا عبر استراتيجية دبلوماسية وإعلامية هجومية، تقوم على توسيع دائرة الاتهام، واستهداف شبكات النفوذ الروسي في أفريقيا والشرق الأوسط، ومحاولة تحويل الدول الصديقة لموسكو إلى ساحات اشتباك سياسي معها. وهذه المقاربة، إذا استمرت، قد لا تؤدي فقط إلى تعقيد علاقة أوكرانيا مع روسيا، بل أيضا إلى توتير علاقتها مع دول ترفض أن تكون مجرد أدوات في حرب الآخرين.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)