يُقال إن أول ضحايا
الحرب هو "الحقيقة"، لكن المشكلة ليست فقط أن الحقيقة تُصاب؛ المشكلة الأعمق
هي أنه عندما تضعف الحقيقة تضيع معها بوصلة الحرب نفسها. عندها لا يعود الهدف واضحا،
وتتبدّل الحجج، وتتحول "نهاية اللعبة" إلى لغزٍ يدفع ثمنه الإقليم والاقتصاد
والناس العاديون. وفي الأزمة الراهنة نرى هذا المشهد بوضوح: سرديةٌ تُبنى بسرعة ثم
تُعاد صياغتها بالسرعة ذاتها. تارة يُقدَّم الهدف بوصفه "منعا" وتارة تبرز
لغة "الدفاع عن النفس"، ثم تلوح إشاراتٌ إلى "المآلات السياسية"
قبل أن يُتراجع عنها أو تُخفَّف. وهذه التحولات ليست مجرد كلمات؛ إنها تغيّر الخريطة
السياسية والدبلوماسية.
ومن قلب هذه الضبابية
يبرز سؤالٌ جوهري: إذا كان الهدف فعلا "المنع" فأين آلية التحقق؟ وإذا كان
الهدف "الأمن" فما هو المسار السياسي؟ لأن القضايا الحسّاسة -وخاصة ما يقترب
من المجال النووي-تحتاج أعلى درجات اليقين والانضباط. وأود أن أكون واضحة: ليس لدي
أي ادعاء موثّق بأن إيران أعلنت أو نشرت أسلحة نووية علنا. لكن تحليل المخاطر ضروري
على أي حال: فالأمن النووي ليس "عتادا" أو "تكنولوجيا" فقط؛ إنه
سلامة المؤسسات، ووضوح سلسلة القيادة، واستمرار الرقابة (oversight).
وإذا تعرّضت استمرارية الحكم للاهتزاز تحت ضغط الحرب، أو تضرر النظام المؤسسي، أو اشتدّت
الضربات حول بنى تحتية حسّاسة -فحتى لو قيل فورا "لا تسرب"- فإن الخطر لا
يختفي بالكامل. ولهذا يُتعامل مع البيئات النووية بقدرٍ مضاعف من الحذر، وهنا يصبح
معنى "حدود الدفاع" ليس عسكريا فحسب، بل مؤسسيا وإنسانيا أيضا.
حين يرتفع مستوى عدم اليقين حوله لا يبقى الأثر محصورا في دولة واحدة، بل تدفع أوروبا واليابان والصين والهند وكوريا الجنوبية ثمنا مباشرا. عندها لا تعود الحرب "إقليمية" فحسب؛ بل تتحول إلى قضية تمس الاقتصاد العالمي
لكن "الحقيقة
الخليجية" في هذه الحرب تتجلى عندما نرى كيف ينتقل لهيب الجبهة إلى أعصاب الاقتصاد.
بالنسبة للخليج، أول تأثير للحرب غالبا لا يظهر في الميدان بل في "السعر":
أسعار النفط، وكلفة الشحن، والتأمين، وسلاسل الإمداد، وثقة المستثمرين. ولهذا فإن النظر
إلى الخليج باعتباره "هامشا" في الحرب هو خطأ؛ الخليج مرتبط بأحد أكثر المسارات
حساسية في الطاقة والتجارة العالمية، وهو مضيق هرمز، وهو ليس مجرد ممر بحري ضيق، إنه
شريان من شرايين الطاقة العالمية. وحين يرتفع مستوى عدم اليقين حوله لا يبقى الأثر
محصورا في دولة واحدة، بل تدفع أوروبا واليابان والصين والهند وكوريا الجنوبية ثمنا
مباشرا. عندها لا تعود الحرب "إقليمية" فحسب؛ بل تتحول إلى قضية تمس الاقتصاد
العالمي.
لهذا، في نقاش "الحرب
والخليج"، ينبغي تثبيت حقيقة أولى: هدف الخليج ليس أن يصبح طرفا في الحرب، بل
أن يحمي أمنه واقتصاده. وهذا الهدف لا يتحقق بالجاهزية الدفاعية وحدها؛ بل يحتاج إلى
آلية سياسية ودبلوماسية موحّدة. وهنا تبرز نقطة مركزية: إذا تحدثت دول الخليج عبر قنوات
منفصلة، وخططت لتفاهمات منفردة، وتزايدت الحساسية من أن يعرف الشريك الخليجي ما الذي
يُتفق عليه هنا أو هناك، فالنتيجة غالبا واحدة: يتحول الخليج من كيانٍ واحد إلى "ست
ملفات". ثم يصبح من السهل على القوى الكبرى التعامل مع كل ملف على حدة: وعود هنا،
وضغوط هناك، وأولويات مختلفة هناك. هذا ليس اتهاما، إنه منطق تفاوض معروف، فحين يتفتت
الكيان إلى أصوات متعددة لا تتحول الأصوات إلى قوة؛ بل تتحول إلى "فراغات"
تُستثمر كرافعات ضغط.
ومن هنا تكتسب دعوات
بعض المحللين الجادين داخل الخليج وزنا حين يطالبون بأن تُستثمر أهمية الخليج لا بوصفه
"ست دول منفصلة" بل بوصفه "رسالة واحدة". ويمكن لهذه الرسالة الموحدة
أن تقوم على ركيزتين بسيطتين وقابلتين للدفاع دبلوماسيا:
الركيزة الأولى: الخليج
لن يكون "ضحية جانبية" للحرب؛ نحن شركاء، لذا لا يمكن أن تصبح مدننا ومرافئنا
وبنيتنا التحتية واقتصادنا "تكلفة مفتوحة".
الركيزة الثانية:
الخليج يحتاج مساحة لخفض التصعيد؛ الإبقاء على إمكانية التحسن التدريجي في العلاقات
مع إيران -أو على الأقل منع الانفلات- ليس ضعفا، إنه إدارة مخاطر؛ في الحروب الطويلة
ينجو من لا يغلق الأبواب كلها.
هاتان الركيزتان هما
ما يحوّل "التحالف" من شعار إلى آلية، وهذه الآلية هي التي قد تساعد على
حصر الحرب ومنع تمددها.
وهنا نصل إلى التعريف
الحقيقي لـ"حدود الدفاع"؛ حدود الدفاع هي الخط الذي يبدأ عنده الردع في الانقلاب
إلى تصعيد، وحدود الدفاع هي اللحظة التي يُغلق فيها باب السياسة باسم الأمن، ويغيب
الطريق السياسي الواضح؛ لأن الحرب بلا خارطة سياسية لا تُضعف دولة واحدة فحسب، بل تدفع
الإقليم كله نحو عدم استقرار طويل. التاريخ يعلّمنا أن الشعارات الكبيرة ولغة "النصر
السريع" قد تُحدث ضجيجا في الميدان، لكن الأسئلة تبقى: ماذا بعد؟ من يدير المرحلة
الانتقالية؟ كيف تُبنى الشرعية؟ ما حدود المسؤولية إن كان هناك دور خارجي؟ هذه أسئلة
قانونية وأخلاقية، وحين لا إجابات لها يتسع نطاق الحرب.
حدود الدفاع هي الخط الذي يبدأ عنده الردع في الانقلاب إلى تصعيد، وحدود الدفاع هي اللحظة التي يُغلق فيها باب السياسة باسم الأمن، ويغيب الطريق السياسي الواضح؛ لأن الحرب بلا خارطة سياسية لا تُضعف دولة واحدة فحسب، بل تدفع الإقليم كله نحو عدم استقرار طويل
ولا يمكن تجاهل الكلفة
الإنسانية، لأن الحرب حين تطول تُصيب أولا حياة الناس: التعليم، المستشفيات، العمل،
وأمان البيوت. إن الحديث عن مدارس الفتيات، والجنازات، و"عمر العناوين" الذي
لا يتجاوز أياما يُشير إلى أزمة أخلاقية في زمن الحرب. إذا كانت حقوق الإنسان مبدأ
عالميا، فينبغي أن تُطبّق بمعيار واحد حتى في أوقات الحرب، وإلا سقط العالم في "تعاطف
انتقائي"؛ بعض المآسي تبقى خبرا كبيرا، وأخرى تختفي سريعا، وهذه الازدواجية تجعل
الحرب أكثر خطرا، لأنها تُضعف الضغط الأخلاقي الذي يحدّ من تمددها، فتستمر وتكبر.
ثم يأتي سؤال
باكستان
في هذا المشهد؛ لا يمكن وضع باكستان في خانة "الهامش"، باكستان صانعة توازن
استراتيجية: قدراتها الدفاعية، وجغرافيتها، ومساحتها الدبلوماسية تجعلها عنصرا مؤثرا
في توازنات الإقليم. والدور الأفضل لباكستان هو ألا تتحول إلى جبهة إضافية في ضجيج
الحرب، بل أن تتحدث بلغة الاستقرار: ضد تمدد الحرب، ومع خفض التصعيد، ومع موقف مبدئي
(خصوصا حق الدولة الفلسطينية) مع الحفاظ على دبلوماسية تترك أكبر قدر ممكن من مسارات
التواصل مفتوحة. وينبغي قراءة التعاون الدفاعي بين باكستان والسعودية من الزاوية نفسها:
إذا كان التعاون دفاعيا من أجل الردع والاستقرار فهو يفتح مساحة للعقل في الإقليم؛
أما إذا تحوّل إلى لغة تدفع نحو الحرب فسيخلق جبهات جديدة. قوة باكستان هنا أن توظف
الردع لا كأداة تصعيد، بل كرافعة لحماية مسار التهدئة.
وخلاصة الأزمة بسيطة:
عدم اليقين في مضيق هرمز ضربة للاقتصاد العالمي؛ وتشتت الصوت الخليجي يزيد الرافعة
الخارجية؛ والحرب بلا طريق سياسي واضح تُنتج عدم استقرار طويل. لذلك يحتاج الخليج اليوم
-أكثر من حاجته إلى مزيد من السلاح- إلى آلية: طاولة واحدة، ورسالة واحدة، وخطوط حمراء
مشتركة، ومسار دبلوماسي واضح يحد من الحرب. وهذا هو الدرس الذي يتكرر من الخليج إلى
العالم الإسلامي الأوسع: إذا غاب توحيد الموقف، صارت القرارات تُتخذ بشأننا.. لا معنا.
[email protected]
Byrumaisa.com