من الحدود إلى طهران: تصاعدٌ جديد حول باكستان

رميصاء عبد المهيمن
"العمق الحقيقي يكمن في مدى قدرة باكستان على ضبط استراتيجيتها بدقّة"- جيتي
"العمق الحقيقي يكمن في مدى قدرة باكستان على ضبط استراتيجيتها بدقّة"- جيتي
شارك الخبر
باكستان هي إحدى العلامات المركزية لهذا الإقليم -وهذا بالضبط مصدر قوتها ومصدر اختبارها- لأن الأحداث هنا لا تقع منفصلة، بل تتشابك لتصنع معنى واحدا؛ ولذلك، إذا قرأنا كل خبرٍ في خانةٍ مستقلة ضاعت الصورة الكبرى. فمن جهةٍ هناك توترٌ في العلاقات الباكستانية-الأفغانية وتقارير عن عملياتٍ عبر الحدود، ومن جهةٍ أخرى أدّت العملية الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران ثم ردّ إيران إلى رفع مخاطر التصعيد في الشرق الأوسط؛ وهذان المساران معا يضعان باكستان في بيئةٍ معقّدة تتداخل فيها أمن الحدود والاستقرار الداخلي والتوازن الدبلوماسي على نحوٍ لا يمكن فصله.

وفي مثل هذه اللحظات، لا تكون التصريحات الصادرة من العواصم الخارجية سوى إشاراتٍ دبلوماسية؛ أمّا العمق الحقيقي فيكمن في مدى قدرة باكستان على ضبط استراتيجيتها بدقّة، وكيف تصوغ ردّها ضمن سرديةٍ دولية قابلة للدفاع، وإلى أي حدٍّ تعزّز حوكمتها الداخلية واتجاهها الاقتصادي، لأن العامل الحاسم اليوم ليس ردّ الفعل الطارئ بقدر ما هو انسجام الدولة ومصداقية خطابها. ولهذا تحديدا لا تُختزل إيران في كونها "ملفا" للسياسة الخارجية، بل هي حقيقةٌ حدودية، وعصبٌ اقتصادي، وخطرُ ارتدادٍ أمني. فالهجمات على إيران ثم أخبار الردود المضادة قد تُدخل الإقليم في حلقة تصعيدٍ لا تقتصر نيرانها على عاصمةٍ بعينها، بل تمتد لتطال قواعدَ الحلفاء والممرات البحرية وإمدادات الطاقة واستقرار الدول؛ وإذا تزايد الاضطراب داخل إيران أو ضعفت قبضة الدولة لأي سبب، ارتفعت احتمالات تسرب الآثار عبر الحدود الغربية إلى مناطق باكستان الحسّاسة.

وهنا يتّضح وجهٌ آخر للملف الأفغاني: فأفغانستان -بأزماتها الإنسانية والحوكمية وتوتراتها الحدودية- تزيد الضغط الداخلي على باكستان وترفع مخاطر الحدود، ولذلك تُعرض التقارير عن استهداف باكستان لمواقع داخل الأراضي الأفغانية -تربطها إسلام آباد بالتخطيط لهجماتٍ ضدها- بوصفها منطق "الرد/الدفاع"، غير أن هذا المنطق لا يكتسب وزنه دوليا إلا حين يُصاغ بلغة القانون والدبلوماسية والأدلة، لأن الحرب اليوم لا تُكسب في الميدان وحده، بل تُكسب أيضا في مصداقية الموقف الرسمي.

وفي السياق ذاته، أبرزت البيئة في جنوب آسيا بعد أيار/ مايو 2025 حقيقة أخرى: كلفة الحرب التقليدية المباشرة -سياسيا ودبلوماسيا واقتصاديا- تتزايد، ولذلك قد تميل الدول إلى أدواتٍ "قابلة للإنكار" وأقلّ خضوعا للمساءلة: الطائرات المسيّرة، والذخائر المتسكعة (loitering munitions)، والضربات المحدودة الرمزية، وشبكات الوكلاء، والضغط المعلوماتي. وخلال هذا التصعيد أشارت تقارير متعددة نقلا عن الجيش إلى أن باكستان أعلنت إسقاط طائرات مسيّرة "Harop" إسرائيلية الصنع أطلقتها الهند، وأفادت باستعادة حطامها، فيما تراوحت الأرقام في التغطيات بين 25 و29؛ والنقطة الجوهرية ليست "العدد"، بل إن استخدام منظومات غير مأهولة قرب مراكز حضرية ثم اعتراضها يلمّح إلى أن فصل الصراع القادم قد يكون أسرع وأقل كلفة وأكثر غموضا.

وفي هذا المناخ تبرز نقطة قوة باكستانية تتمثل في جعل القدرة على الاستجابة، وحماية المدنيين، وردّ الفعل المحسوب (calibrated response) في صلب المقاربة، بما يحافظ على الردع ويقلل من الانزلاق إلى تصعيدٍ غير ضروري. وإذا وضعنا ذلك في إطارٍ عالمي أوسع تظهر منافسة الإندو-باسيفيك: فوثائق مثل "NSS 2025" تشدّد على إبقاء الممرات البحرية مفتوحة، والاستثمار في القدرات البحرية، وبناء الردع عبر تعاونٍ يمتد من الهند إلى اليابان وما بعدها، كما تشجّع الهند عبر "كواد" (Quad) على أداء دورٍ أكبر في أمن الإندو-باسيفيك؛ وهذه اللغة تبدو لغة شراكة، لكنها تحمل أيضا منطقا "معاملاتيا" تُقاس فيه قيمة الدول بقدر ما تضيفه إلى بنية الردع، وهو مناخ يؤثر في الخيارات الإقليمية ويغذّي اتجاهات الضغط الهجين. وبالتوازي، تتصاعد في الشرق الأوسط لغة "سياسات الكتل": فمصطلحات مثل التحالف السداسي والإحالة إلى المحاور الراديكالية تسهم في زيادة الاستقطاب في تصور التهديد، وتأتي معها تقارير عن اتصالات دبلوماسية رفيعة المستوى.

وهنا يبرز سؤال للعالم الإسلامي: هل تتجه السياسة الإقليمية منطقيا نحو "هندسة التحالفات" على حساب المبادئ؟ وكيف تحافظ باكستان على موقفها المبدئي -حق الدولة الفلسطينية، تجنب توسع الحرب، والتوازن الدبلوماسي-ضمن سردٍ متماسك، بحيث لا تُدفع إلى معسكرٍ ما أو يُتعامل معها كـ"متغير قابل للإدارة"؟ ومن هنا تتضح أهمية بلوشستان تلقائيا: فبلوشستان ليست عنوانا أمنيا داخليا فقط، بل هي مفترقٌ استراتيجي بسبب الجغرافيا الحدودية، والوصول الساحلي، وغوادَر، والممرات الإقليمية. ولهذا لا تعمل فيها لغة السلاح وحدها؛ بل تؤثر أيضا السرديات والبحوث والإعلام والمنصات الخارجية. ومبادرات موثقة مثل "ميمري" (MEMRI) و"Balochistan Studies Project- BSP" تذكّر بأن "مسرح المعلومات" صار جبهة بحد ذاته، وبأن المطلوب باكستانيا هو تحويل أمن بلوشستان من ردّ فعلٍ متقطع إلى سياسةٍ متكاملة: تنسيق استخباري، ومراقبة حدودية، وحوكمة محلية، وشمول سياسي، وجدوى اقتصادية، لأن ضعف "تصور الاستقرار" يعطّل الموانئ والممرات والاستثمار.

ولإكمال الصورة يلزم جسرٌ أخير: فـ"اختبارات الضغط" في بيئة دولية قاسية لا تأتي من ميادين القتال فقط؛ قد تظهر أيضا عبر قرارات سياساتية، وإجراءات تأشيرات/هجرة، أو برودٍ دبلوماسي؛ لذلك لا تُبنى حماية باكستان على "المديح" بل على انسجام السياسات: صياغة الضرورة الدفاعية في الملف الأفغاني بلغة القانون والدبلوماسية، وجعل خفض التصعيد وإدارة الحدود محورا في الملف الإيراني، ودمج الأمن بالحوكمة والاقتصاد في بلوشستان، وتقديم الموقف المبدئي من فلسطين بوزن الدولة ودبلوماسيةٍ مستمرة.

وفي الختام، ثمة حقيقة حساسة لكنها ضرورية: في الأسابيع التي تنفجر فيها أخبار كبرى في الوقت نفسه -حرب، توتر حدودي، وملفات/وثائق قضائية أو سياسية جديدة مثل الجدل العالمي حول وثائق إبستين تنقسم انتباهات الرأي العام بالضرورة؛ ومن الأجدر فهم ذلك باعتباره "تحديدا للأجندة" ودورة للانتباه (agenda-setting & attention cycle) لا بوصفه "مؤامرة": فالأزمة الأكبر تبتلع الأسئلة الأصغر، وفي هذا الضجيج يصبح واجب الدول أن توضّح مواقفها وتصرّح بأولوياتها وتقرأ الحدث بوصفه جزءا من نمطٍ لا مجرد عنوان.

ومن هنا تحديدا يبرز الدرس العملي لباكستان: عليها أن تُدير في آنٍ واحد ضرورة مواجهة شبكات الإرهاب العابرة للحدود، وحساسية العلاقة مع دولةٍ جارة، حتى لا تتحول الضرورة الدفاعية إلى عزلةٍ دبلوماسية؛ لأن تصاعد التوتر على الجبهة الغربية يفتح فرصا لخصومٍ إقليميين وقوى تعتبر لحظات الضعف الباكستاني "رافعة استراتيجية" لمحاولة فتح جبهات ضغطٍ جديدة، ولذلك تبقى مصلحة باكستان في ردٍّ محسوب، وسرديةٍ قابلة للدفاع، وتماسكٍ داخلي واتجاهٍ اقتصادي قوي كي لا يُسمح لأحد بتحويل حتمياتها الحدودية إلى هشاشةٍ إقليمية. ومن دول الخليج إلى العالم الإسلامي الأوسع، تعيد الجيوسياسيات -حتى وسط حرارة الحرب- الامتحان نفسه مرارا: إذا غاب توحيد الموقف، صارت القرارات تُتخذ بشأننا.. لا معنا.

[email protected]
Byrumaisa.com
التعليقات (0)