يقول الشاعر
الكبير في شبه القارة الهندية، ميرزا غالب، وهو أحد أبرز أعلام الشعر بالأردية
والفارسية، والمعروف بعمقه الفكري وحسّه الحضاري وقدرته على تصوير تعقيدات النفس
الإنسانية: "في بنائي تكمن صورةٌ من الخراب". وإذا ما أسقطنا هذا المعنى
على المشهد الدولي الراهن، بدا وكأنه يصف بدقة ما يجري اليوم؛ فالحرب الدائرة ضد
إيران تبدو في ظاهرها فعلَ هدمٍ، لكنها في جوهرها تؤسس لنظام عالمي جديد. ولهذا،
فهي ليست مجرد
حرب عابرة، بل لحظة مفصلية تمثل نقطة اللاعودة، حيث يعاد تشكيل
مفاهيم القوة والضغط والجغرافيا السياسية.
لقد طُرحت هذه
الحرب تحت ذريعة إنهاء القدرات النووية والصاروخية الإيرانية، غير أن مجريات
الميدان لم تؤكد هذا الادعاء بشكل حاسم؛ ففي الوقت الذي أُعلنت فيه "الانتصارات"،
جاء الرد الإيراني السريع والمتواصل ليكشف حقيقة مغايرة: أن التفوق العسكري لم يعد
العامل الحاسم، وأن الحروب باتت تُحسم بعوامل أكثر تعقيدا، مثل الصمود الوطني،
والهوية، والقدرات الهجينة. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل تُخاض الحرب لتحقيق
النصر، أم لصناعة صورة النصر؟ إذ لم تعد المعركة تُدار في الميدان فحسب، بل في
فضاء الإدراك والمصداقية أيضا.
وفي سياق موازٍ،
أفرزت هذه الحرب تحولا غير متوقع داخل العالم الإسلامي، حيث تراجعت، ولو نسبيا،
حدة الانقسام التاريخي بين السنة والشيعة؛ إذ أظهرت ردود الفعل الشعبية، من جنوب
آسيا إلى الشرق الأوسط، تقاربا ملحوظا تغلب فيه الاعتبارات السياسية على
الانقسامات المذهبية. وقد تعزز هذا الاتجاه مع القيود المفروضة على الوصول إلى
الأماكن المقدسة في القدس، حيث لم يعد الأمر متعلقا بالمسلمين وحدهم، بل امتد
ليشمل المسيحيين أيضا، ليتحول بذلك إلى قضية حرية دينية، تسهم في تقليص الفجوات
بين أتباع الديانات المختلفة.
غير أن قراءة هذا
الصراع من زاوية دينية أو عسكرية فقط تظل قاصرة، إذ تكشف الوقائع عن بُعد
جيو-اقتصادي عميق؛ فالمعركة الحقيقية تدور حول طرق الطاقة، والممرات البحرية،
وسلاسل الإمداد. وإذا ما تم تحويل تدفقات النفط الخليجي بعيدا عن نقاط الاختناق
التقليدية، مثل مضيق هرمز وباب المندب، فإن ذلك لن يغير مسارات التجارة فحسب، بل
سيعيد تشكيل ميزان القوة ذاته. ومن هنا، فإن الحديث عن المسارات البديلة وخطوط
الأنابيب ليس إلا محاولة لتقليص النفوذ الجغرافي لإيران، ما يجعل هذه الحرب في
جوهرها صراعا على المسارات وإمكانية الوصول.
وفي موازاة ذلك،
يتكشف خلل واضح في بنية النظام الدولي الذي تأسس بعد عام 1945، حيث لم تعد
المؤسسات التقليدية قادرة على إدارة الأزمات بكفاءة، خصوصا حين تصبح القوى الكبرى
نفسها أطرافا في النزاع. وفي هذا الفراغ، تبرز قوى متوسطة مثل
باكستان وتركيا ومصر
والمملكة العربية السعودية، التي تتحرك لملء هذا الفراغ، ليس بتكليف رسمي، بل
بدافع الضرورة.
وقد تجسد هذا
التوجه بوضوح في الاجتماع غير المسبوق الذي عُقد في إسلام آباد بتاريخ 29
مارس/آذار 2026، حيث اجتمع وزراء خارجية هذه الدول الأربع لبحث إمكانية جمع
الولايات المتحدة وإيران على طاولة واحدة، قبل أن يخرج الوضع عن السيطرة. ويعكس
هذا الاجتماع حقيقة أن الوساطة لم تعد حكرا على المؤسسات الدولية، بل باتت وظيفة
تمارسها الدول القادرة على الجمع بين النفوذ والحياد النسبي.
وفي هذا السياق،
تمتلك هذه الدول عناصر قوة حقيقية، لا تقتصر على الحضور السياسي، بل تشمل التحكم
في الممرات الحيوية، من مضيق البوسفور إلى قناة السويس، وصولا إلى طرق الطاقة في
الخليج. وهذه ليست مجرد محادثات سياسية، بل تعبير عن نفوذ جيوسياسي ملموس تتحكم من
خلاله هذه الدول في شرايين الاقتصاد العالمي.
أما باكستان،
فتبرز في هذا المشهد بوصفها قناة تواصل نادرة بين واشنطن وطهران، حيث تحظى بثقة
الطرفين، ما مكّنها من نقل رسائل ومقترحات بشكل غير مباشر. وهنا يتجلى بوضوح أن
الثقة أصبحت عملة استراتيجية لا تقل أهمية عن القوة العسكرية أو الاقتصادية.
وفي المحصلة، لم
يعد النظام الإقليمي كما كان؛ فقد اهتز
توازنه، وربما دخل مرحلة إعادة التشكل.
وإذا استمر هذا النزاع دون تسوية سياسية واضحة، فقد يتحول إلى عبء استراتيجي على
الولايات المتحدة، لا سيما في ظل تراجع الدعم الدولي وتزايد مؤشرات العزلة.
الخلاصة أن نهاية
هذه الحرب لن تُحسم بالتصريحات أو بإعلانات النصر المبكرة، بل بميزان القوة الفعلي
على الأرض، وبالقدرة على المناورة السياسية، وبمن يُعترف به طرفا فاعلا على طاولة
المفاوضات. ورغم تأكيدات الرئيس ترامب المتكررة بأن أهداف الحرب قد تحققت، فإن
الواقع يشير إلى غياب الجدية في إنهائها. والأرجح أن يتجه الصراع نحو تهدئة مُدارة
أو وقف إطلاق نار محدود أو مسار تفاوضي تدريجي، يتطلب من واشنطن التراجع عن شروطها
القصوى، والاعتراف بإيران كفاعل دائم لا كطرف مهزوم. فالحقيقة الاستراتيجية الأبرز
هي أن إيران لم تربح الحرب التي لم تبدأها، لكنها لم تخسرها أيضا. وهذا بحد ذاته
يعيد تعريف طبيعة الصراع. فإذا عجزت قوة عسكرية متفوقة عن تحقيق نتيجة حاسمة، وصمد
الطرف الآخر رغم الضغوط، فإن ذلك يعني أن التوازن القديم قد انهار، وأن نظاما
استراتيجيا جديدا يتشكل بهدوء. وعليه، فإن الحكم الحقيقي على هذه الحرب لن يُكتب
في عاصمة بعينها، بل سيتجلى في شكل المنطقة القادمة، وفي الاصطفافات الجديدة، وفي
ملامح النظام الذي سيبقى بعد أن تهدأ المعارك.
[email protected]
Byrumaisa.com
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.