تُوصَف
الدبلوماسية كثيرا بأنها الفنّ الذي يُمكّن من إيصال أشدّ الرسائل قسوة بطريقةٍ
تجعل الطرف الآخر مستعدا للإصغاء. وقد أثبت تاريخ
السياسة الدولية مرارا أن
الاختبار الحقيقي للقوة لا يقع في ميدان
الحرب وحده، بل في تلك اللحظة التي يوقف
فيها الخصوم إطلاق النار ويجلسون وجها لوجه على طاولة التفاوض. عندها قد تصمت
الأسلحة، لكن الأهداف لا تصمت، وتكفّ الكلمات عن أن تكون مجرد وسيلة تواصل، لتتحول
إلى أدوات ضغط، وحساب، وضبط للمسار. وهنا بالضبط لا تنتهي الحروب، بل تبدأ في
تبديل صورتها.
لقد صدرت إعلانات
وقف إطلاق النار، وانعقدت جولات من المحادثات، وبرزت إسلام آباد بوصفها ساحة
مركزية في هذا المسار. فالحروب الكبرى غالبا ما تُدفَع، في حدود ستين يوما تقريبا،
نحو نوعٍ من الاحتواء، سواء أكان ذلك في صورة نصر، أو خسارة مُدارة، أو تهدئة
مؤقتة. ويبدو أن هذه المواجهة تقترب من تلك العتبة الأخيرة، كما أن فترة التهدئة
نفسها تبدو وكأنها استنفدت زمنها، بما يُنتج انطباعا بأن الصراع يتجه نحو الإغلاق.
غير أن هذا هو، في سياسات القوى الكبرى، أكثر اللحظات خداعا: اللحظة التي تصبح
فيها صورة النهاية أهم من حقيقتها. وما يعود مهما آنذاك ليس ما إذا كانت الحرب قد
انتهت، بل أيّ شكلٍ ستتخذه بعد ذلك. وهذا بالضبط ما يتكشف في المواجهة الراهنة بين
إيران والولايات المتحدة.
إننا أمام خصمين أنهكتهما جولة طويلة من الصراع، لكن أيا منهما لا يريد الإقرار بذلك. فقد حوّلت إيران هذا الإرهاق إلى قدرة على التحمّل الاستراتيجي، بينما يبدو أن الولايات المتحدة تسعى إلى تحويل اللحظة إلى رواية نجاح، تُقدَّم إلى الداخل الأمريكي وإلى العالم على أنها إنجاز
إننا أمام خصمين
أنهكتهما جولة طويلة من الصراع، لكن أيا منهما لا يريد الإقرار بذلك. فقد حوّلت
إيران هذا الإرهاق إلى قدرة على التحمّل الاستراتيجي، بينما يبدو أن الولايات
المتحدة تسعى إلى تحويل اللحظة إلى رواية نجاح، تُقدَّم إلى الداخل الأمريكي وإلى
العالم على أنها إنجاز. وهنا تنتقل المواجهة من ساحة النار إلى ساحة الإدراك
والصورة وإدارة السردية. وفي كثير من الأحيان، يكون هذا هو الموضع الذي تُحسَم فيه
معاني النصر والهزيمة الحقيقية.
من هنا تظهر
معادلة: تفاوضٌ من جهة، وضغطٌ من جهة أخرى، لكن كلما اقترب التوتر من الممرات
العالمية الحساسة، مثل مضيق هرمز، تحوّل هذا التوازن نفسه إلى مصدر خطر. فحالة
انعدام الثقة لم تعد مجرد شعور سياسي، بل أصبحت واقعا عمليا، تُقرأ فيه كل مبادرة
بوصفها مناورة مؤقتة، وكل تنازل باعتباره استراحة تكتيكية لا أكثر.
وتزداد الصورة
تعقيدا حين يصطدم هذا المسار بالبنية الداخلية للنظام الأمريكي، فقانون صلاحيات
الحرب لعام 1973 يمنح الرئيس مهلة محدودة إما لاحتواء العمل العسكري أو لطلب تفويض
من الكونغرس، إلا أن صمت الكونغرس، في كثير من الحالات، يتحول عمليا إلى موافقة
غير معلنة. يطرح الديمقراطيون أسئلة واعتراضات، ويعطّل الجمهوريون المسار، فتكون
النتيجة نظاما لا يعمل فيه القانون بروحه الأصلية، بقدر ما يعمل وفق أولويات
القوة
وموازينها.
ومع ذلك، يبقى
المشهد ناقصا إذا اختُزل في قرارات الدول وحدها. فالواقع أن ثمة بنية متراكبة من
القوة تتداخل فيها السياسة مع المصلحة، وتتقاطع فيها القرارات مع شبكات النفوذ.
فالشبكات المحافظة الجديدة، واللوبيات النافذة مثل "إيباك"، والصناعات
الدفاعية، والمضاربات في أسواق الطاقة، والمصالح المالية الأوسع، كلها تتغذى من
منظومة قد يصبح استمرار الحرب في داخلها حافزا بنيويا بحدّ ذاته. هنا لا تعود
الحرب حادثا عارضا، بل تصبح امتدادا لمنطق النظام نفسه.
وهذه الحقيقة
انعكست أيضا في تغطيات وسائل الإعلام الكبرى. فمؤسسات مثل سي إن إن وفوكس نيوز
والجزيرة والواشنطن بوست؛ أشارت، بطرق مختلفة، إلى ذلك التزامن اللافت بين
القرارات السياسية وحركة الأسواق، فمعلومة تُنشر قبل دقائق قد تصوغ قرارات تُقدَّر
بمليارات الدولارات. وعند هذه النقطة، تبدأ الحدود بين الدبلوماسية والمصلحة
المالية في التلاشي. وفي هذا السياق تكتسب ملاحظة بول كروغمان، الحائز على نوبل في
الاقتصاد، دلالة خاصة: حين ترتبط قرارات الحرب بالحوافز المالية، يصبح السلام نفسه
خيارا غير مرغوب فيه. وبعبارة أبسط: حين تصبح الحرب مربحة، يصبح السلام مشكلة.
وهذا يقود إلى
نمطٍ أوسع، بدا واضحا على نحوٍ خاص في أسلوب دونالد ترامب السياسي: استخدام
الاتفاقات بوصفها أدوات مؤقتة، ثم الانسحاب منها بصورة مفاجئة ومن دون التزام
مستقر. فالانسحاب الأحادي من الاتفاق النووي مع إيران عام 2018، والخروج من اتفاق
باريس للمناخ، ومغادرة أطر أمنية مثل معاهدة الصواريخ النووية المتوسطة والقصيرة
المدى ومعاهدة الأجواء المفتوحة، كلها كانت تعبيرا عن الغريزة نفسها.
وثمة جانب آخر لا
يقل أهمية في هذا النمط، وهو الميل إلى الانسحاب في أكثر مراحل التفاوض حساسية، أي
في اللحظة التي تبدو فيها الأطراف أقرب إلى النتيجة، قبل أن يتعطل المسار من دون
تفسير متماسك. وهذا السلوك يخيم أيضا على اللحظة الراهنة، حيث يستمر الغموض رغم
وجود مؤشرات على حركة دبلوماسية. ولهذا يبدو من الأدق النظر إلى أي اتفاق محتمل أو
وقفٍ لإطلاق النار في هذه المرحلة بوصفه توقفا مؤقتا لا تسوية نهائية.
هذا ليس نمطا
جديدا، ولهذا كثيرا ما تكون اتفاقات وقف إطلاق النار فواصل زمنية، لا حلولا حاسمة.
فالخروقات السريعة لاتفاقات التهدئة في لبنان، إلى جانب التلويح بالحظر البحري
أثناء التفاوض، تؤكد أن الدبلوماسية نفسها أصبحت ساحة اشتباك. هنا تصبح الكلمات
أسلحة، ويغدو الصمت رسالة.
وتحت هذا كله
يكمن تناقض أكثر عمقا: الفجوة بين الديمقراطية والسياسة الفعلية. فشريحة معتبرة من
الرأي العام الأمريكي تعارض الحرب، لكن السياسات لا تتغير بالقدر نفسه. وفي علم
السياسة يُشار إلى ذلك بوصفه "عجزا ديمقراطيا". وقد تكشف شخصيات مثل
بيرني ساندرز هذه الفجوة، لكنها لا تغيّرها. فالقرارات لا تُصنع في المكان الذي
تُلقى فيه الأصوات، بل في المكان الذي تتجمع فيه المصالح.
وينعكس هذا
المنطق ذاته على الاقتصاد العالمي، فحتى عندما تتوقف الحروب رسميا، لا تختفي
آثارها فورا، إذ قد تستغرق ناقلة النفط أربعين يوما لتصل إلى وجهتها، ما يعني أن
تصعيد اليوم يكون قد دخل بالفعل في اقتصاد الغد. وقد يكون العبء أخف على الولايات
المتحدة، لكنه ليس كذلك بالنسبة إلى كثير من دول العالم.
وفي خضم هذه
التعقيدات، برز دور باكستان بوصفه منعطفا دبلوماسيا مهما. فالأمر لا يتعلق بمجرد
عرضٍ للوساطة، بل يكشف أن إسلام آباد قادرة على أن تكون نقطة تواصل مقبولة بين
أطراف مختلفة حتى في مرحلة شديدة الحساسية. وهذا بحد ذاته عزّز التموضع الدبلوماسي
لباكستان، بوصفها دولة لا تكتفي برد الفعل على الأزمات، بل تستطيع أن تفتح مساحة
للحوار والتوازن واستمرار الاتصال داخل الأزمة نفسها.
وإذا انتهت هذه
الحرب باتفاق رسمي، أو بوقف إطلاق نار، أو بتفاهم سياسي، فإن ما قد تجنيه باكستان
لن يقتصر على حضور دبلوماسي عابر، بل قد يرسّخ صورتها فاعلا أكثر موثوقية وأهمية
في الإقليم. ففي مثل هذه البيئات، تصبح الثقة هي العملة الدبلوماسية الأثمن.
وسيكون نجاح باكستان الحقيقي في أن تُرى دولة قادرة على تقليص المسافات بين القوى
المتنافسة، والحفاظ على قنوات التواصل، والإسهام البنّاء في استقرار ما بعد الحرب.
ومن شأن هذا الرصيد من الثقة أن يرفع مكانتها تدريجيا بوصفها فاعلا دبلوماسيا أكثر
جدية وتوازنا ومسؤولية؛ دولة لا تُقرأ فقط من منظور الجغرافيا، بل أيضا من منظور
رجاحة التقدير السياسي، والنضج الدبلوماسي، والموثوقية في لحظات الأزمات.
ومن زاوية فكرية،
يقدّم كل من محمد إقبال وابن خلدون بصيرة عميقة في مسائل القوة والانحدار والتاريخ
والنظام السياسي، وإن من مسارين مختلفين.
هل القوة مجرد قدرة على البقاء، أم أنها أيضا قدرة على حفظ التوازن، وصيانة المشروعية الأخلاقية، وحماية النظام الداخلي؟ وحين يختل هذا التوازن، فإن آثاره لا تقف عند الحدود، بل تمتد إلى الأقاليم، والأسواق، والسرديات، والثقة الحضارية ذاتها
فإقبال لا يرى
التاريخ مجرد سلسلة من الوقائع، بل يراه ميدانا للروح، والذات، والحركة، والانبعاث.
فالأمم لا تبدأ في الضعف فقط حين تخسر الحروب، بل حين تنفصل عن معناها الداخلي،
وعن مركزها الأخلاقي، وعن إرادتها الخلّاقة. وفي فكره لا تكون الأزمة الأعمق
سياسية أو عسكرية فحسب، بل روحية وفكرية أيضا. فالقوة، حين تُفصل عن الوعي
الأخلاقي والغاية والإدراك الذاتي، لا يمكن أن تبقى طويلة العمر. ومن هذا المنظور،
لا تطرح المواجهة الراهنة سؤال مَن يمتلك القوة العسكرية أو المالية الأكبر فحسب،
بل تطرح أيضا سؤال مَن يمتلك الوزن الأخلاقي الأعمق، والاتساق الفكري الأعلى،
والوعي الأوضح بذاته التاريخية.
أما ابن خلدون،
فيقارب السلطة والدولة مقاربة بنيوية وعمرانية. فالصعود والانحدار عنده يجريان في
دورات تصوغها العصبية، وتركيز السلطة، ثم الوهن الذي يعقب الترف والتمدد والركود
الداخلي. فالدول لا تسقط فقط تحت ضغط الخارج، بل تنهكها أيضا عوامل التآكل من
الداخل، حين تضعف الروابط الجامعة وتفقد البنى الحاكمة حيويتها. قد يبقى شكل القوة
قائما، لكن أساسها الداخلي يشرع في التصدع.
ومن خلال عدسة
إقبال، تصبح هذه الأزمة سؤالا عن المعنى الأخلاقي للقوة، ومن خلال عدسة ابن خلدون،
تصبح سؤالا عن متانة القوة وبنيتها الداخلية وقابليتها للاستمرار. أحدهما يأخذنا
إلى باطن السلطة وروحها، والآخر يشرح عمرانها ودورة عمرها؛ أحدهما يحذّر من أن
الهيمنة بلا روح تصبح جوفاء، والآخر يبين أن أي نظام يفتقد التماسك الداخلي لا
يستطيع أن يصمد طويلا.
ومن ثم، لم تعد
هذه المواجهة مجرد صراع بين دولتين، أو بين سياستين، أو بين أولويتين عسكريتين.
لقد أصبحت سؤالا فكريا أوسع: هل القوة مجرد قدرة على البقاء، أم أنها أيضا قدرة
على حفظ التوازن، وصيانة المشروعية الأخلاقية، وحماية النظام الداخلي؟ وحين يختل
هذا التوازن، فإن آثاره لا تقف عند الحدود، بل تمتد إلى الأقاليم، والأسواق،
والسرديات، والثقة الحضارية ذاتها.
وهنا تحديدا لا
تنتهي الأسئلة، بل تبدأ: هل نحن أمام نهاية حرب فعلا، أم أمام انتقالها إلى طورٍ
آخر؟ وإذا جرى التوصل إلى اتفاق، فهل يملك مقومات البقاء؟ والأهم من ذلك: هل
يُستعاد التوازن فعلا، أم أن اختلالا جديدا يتشكّل بالفعل؟
[email protected]
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.