النفط والحرب والحياة اليومية.. من الجبهة إلى السوق ومن السوق إلى البيت

رميصاء عبد المهيمن
"أكبر أوهام الحرب أنها تُرى فقط حيث يرتفع الدخان، أما الحقيقة فهي أن الحرب لا تبقى طويلا في الجبهة"- جيتي
"أكبر أوهام الحرب أنها تُرى فقط حيث يرتفع الدخان، أما الحقيقة فهي أن الحرب لا تبقى طويلا في الجبهة"- جيتي
شارك الخبر
نبحث عن الحرب، في الغالب، حيث يرتفع الدخان: عند الحدود، وفي الممرات البحرية، وفي الإحاطات العسكرية، وبين البيانات الدبلوماسية. لكن للحرب حياة أخرى أيضا، أكثر صمتا، وأطول أثرا، وأعمق نفاذا. فهي تغادر الجبهة إلى السوق، وتتحول في السوق إلى أسعار، ثم تنزل من الأسعار إلى ميزانية البيت. ولهذا لا تعود الحرب حدثا عسكريا فحسب، بل تصبح حدثا اقتصاديا أيضا. والاقتصاد هنا ليس مجرد أرقام ومؤشرات، بل هو البنية اليومية للحياة حين يتحول الاضطراب العالمي، شيئا فشيئا، إلى عبء شخصي.

في هذه القصة كلّها، لا يبدو النفط مجرد سلعة، بل شريانا حيويا للاقتصاد العالمي الحديث. فحين تتقاطع التوترات الكبرى مع مناطق الطاقة الحساسة، أو مع الممرات البحرية الخانقة، أو مع شبكات إمداد النفط، تنتقل الأزمة فورا من الجغرافيا إلى الاقتصاد. ويكفي أن نتأمل مضيق هرمز لندرك حجم المسألة، فحين يضطرب هذا الشريان، لا يتأثر نزاع واحد أو إقليم واحد فقط، بل يهتز معه نظام الطاقة العالمي، وحركة الشحن، وكلفة التأمين، ومسارات التضخم في أكثر من مكان.

وأول ارتجاج كبير للحرب لا يُسجَّل، في العادة، على المستوى الإنساني، بل على المستوى المالي. فالأسواق لا تنتظر اكتمال المأساة كي تستجيب؛ إنها تحسب المخاطر والإمدادات والأسعار قبل أن تحسب شيئا آخر. ولهذا حين ترتفع أسعار النفط، لا تكون المسألة خبرا يخصّ الوقود وحده، بل إشارة تمتد إلى كلفة النقل، وأسعار الأسمدة، وتكاليف الغذاء، ومداخلات الصناعة، ومجمل دورة المعيشة. من هنا تبدأ الحرب بالتخلي عن لغتها العسكرية لتتبنى لغة الاقتصاد.

حين ترتفع أسعار النفط، لا تكون المسألة خبرا يخصّ الوقود وحده، بل إشارة تمتد إلى كلفة النقل، وأسعار الأسمدة، وتكاليف الغذاء، ومداخلات الصناعة، ومجمل دورة المعيشة. من هنا تبدأ الحرب بالتخلي عن لغتها العسكرية لتتبنى لغة الاقتصاد

وما إن ترتفع كلفة الطاقة حتى تبدأ حلقات أخرى في التحرك، فالنقل البحري لا يبقى بمنأى عن الخطر، والتأمين على الشحنات لا يظل ثابتا، وكلفة الوصول لا تتوقف عند حدود الموانئ. كل زيادة في المخاطر ترفع كلفة العبور، وكل ارتفاع في كلفة العبور ينعكس على السعر النهائي للسلعة، ثم على فاتورة المعيشة داخل البيوت. وبهذا المعنى، لا تبقى الحرب بعيدة، حتى إن لم تُسمع أصواتها مباشرة؛ إذ يكفي أن تغيّر أسعار الشحن، أو كلفة التأمين، أو هوامش المخاطرة، حتى تبدأ آثارها بالتسلل إلى الحياة اليومية.

غير أن الحقيقة الأهم هنا أن عبء التوترات العالمية، وإن كان عالميا في ظاهره، لا يتوزع بالتساوي. فالصدمات تصيب الجميع، لكن القدرة على امتصاصها ليست متاحة للجميع. الاقتصادات الكبرى تمتلك احتياطيات، وبدائل، وأدوات تحوط، وهوامش مالية أوسع، فتستوعب الصدمة بدرجات أعلى، أما الاقتصادات المعتمدة على الاستيراد، أو المثقلة بالديون، أو محدودة الحيز المالي، فإنها تدخل بسرعة في دوائر التضخم، وضغط العملة، وتباطؤ النمو. وهكذا لا تكون الأزمة العالمية متساوية الأثر، بل متباينة النتائج.

وتقدّم باكستان مثالا واضحا على هذا الاختلال. فارتفاع أسعار الطاقة لا يظهر فيها كمسألة سوقية مجردة، بل يتحول إلى ضغط مباشر على التضخم، وعلى ميزان التجارة، وعلى كلفة النقل، وعلى قدرة الأسر ذات الدخل المحدود على الاحتمال. حين ترتفع كلفة الوقود، لا يتأثر السائق وحده، بل تتأثر سلاسل الإمداد كلّها؛ من انتقال الغذاء إلى الأسواق، إلى حركة المدارس، إلى كلفة الكهرباء، إلى النفقات اليومية التي لا تحتمل كثيرا من المرونة. في مثل هذه البيئات، يصبح الارتفاع في أسعار الطاقة أكثر من مجرد رقم اقتصادي؛ يصبح إعادة ترتيب قسرية لأولويات العيش.

ومن هنا تتكشف مفارقة عميقة في علاقة الدبلوماسية بالاقتصاد الداخلي. فقد تبدو الدولة، في لحظة الأزمة، أكثر حضورا على المستوى الخارجي: وسيطا، أو نقطة تواصل مقبولة، أو فاعلا إقليميا يحظى بقدر من الثقة، لكن هذه المكانة الخارجية لا تلغي بالضرورة هشاشتها الداخلية. فالرؤية الدبلوماسية قد تمنح الدولة وزنا سياسيا، لكنها لا تخفف تلقائيا من فاتورة الوقود، ولا من ضغط الأسعار، ولا من أعباء النقل، ولا من القلق الذي يدخل إلى البيوت مع كل ارتفاع جديد. وهنا يظهر السؤال الحقيقي: هل تتحول المكانة الخارجية إلى حماية اقتصادية داخلية، أم تبقى مجرد صورة سياسية عالية الكلفة اجتماعيا؟

ومع ذلك، فالقصة ليست قصة دولة فقط، بل قصة طبقات أيضا. فالحرب، وارتفاع النفط، والاضطراب الجيوسياسي، لا ينزل أثرها على الجميع بالقدر نفسه. من يملك رأس المال يستطيع أن يتحوط، ومن يملك الأصول المتنوعة يستطيع أن يعيد توزيع مخاطره، ومن يملك النفاذ إلى أدوات السوق لا يعيش الصدمة كما يعيشها سواه. أما صاحب الراتب المحدود، أو العامل، أو السائق، أو الموظف الصغير، أو الأسرة ذات الدخل الثابت،
لا تكفي قراءة الحرب بوصفها شأنا من شؤون الدولة أو السوق؛ بل لا بد من قراءتها أيضا بوصفها سؤالا عن عدالة توزيع الأعباء
فليس لديها ما تتحوط به. كل ما لديها هو الخفض: خفض التنقل، وخفض الإنفاق، وتأجيل العلاج، وتأخير الإصلاحات الضرورية، وتقليص الحاجات الصغيرة التي تصنع كرامة الحياة. وهنا تتحول الجغرافيا السياسية إلى سؤال طبقي بامتياز.

وفي مناطق الحرب المباشرة، يأخذ هذا التناقض شكلا أكثر قسوة؛ هناك لا يعود النفط مجرد عامل في التضخم، بل يتحول إلى عنصر من عناصر البقاء نفسه. فحين يندر الوقود أو ترتفع كلفته على نحو يعطل المستشفيات، أو يضعف إمدادات المياه، أو يربك عمليات الإغاثة، أو يهدد المطابخ المجتمعية، تصبح أزمة الطاقة جزءا من أزمة الحياة ذاتها. عند هذا الحد، لا تعود السوق وحدها هي المتضررة، بل الدورة الأساسية للوجود اليومي.

ومن وسط هذا المشهد كله تبرز حقيقة اقتصادية وأخلاقية معا: أن أرباح الأزمات تصعد إلى الأعلى، بينما أوجاعها تنزل إلى الأسفل. فثمة من يستفيد من عدم اليقين، وثمة من يمتصه، وثمة من يعيشه يوميا في فاتورة الكهرباء، وأجرة النقل، وسلة الغذاء، وانكماش القدرة الشرائية. ولهذا لا تكفي قراءة الحرب بوصفها شأنا من شؤون الدولة أو السوق؛ بل لا بد من قراءتها أيضا بوصفها سؤالا عن عدالة توزيع الأعباء.

لعل أكبر أوهام الحرب أنها تُرى فقط حيث يرتفع الدخان، أما الحقيقة فهي أن الحرب لا تبقى طويلا في الجبهة. إنها تدخل السوق، وتتكلم بلغة الأسعار، وتضغط على قرارات الدول، ثم تدخل البيوت بصمت. هناك، في المسافة الفاصلة بين الراتب والحاجة، وبين الضرورة والكرامة، تبدأ الحرب في اتخاذ شكلها الأكثر خفاء والأشد دواما.

وربما كان هذا هو السؤال الأهم في زمننا: إذا كان النفط عالميا، والحرب استراتيجية، والأسواق مالية، فلماذا تظل كلفة كل ذلك تسقط، في النهاية، على الحياة اليومية؟ أم أن السؤال الأعمق هو هذا: هل تدير الدول الحروب فقط، أم أنها تمتلك أيضا القدرة على توزيع كلفتها الاقتصادية بقدر من العدالة؟

[email protected]


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)