المقدمة: لماذا
لا تنتهي الحروب؟ عندما يصبح القتال "خيارا آمنا"ليست
المشكلة في بعض الحروب أنها تطول فحسب، بل أنها تدخل طورا بنيويا يصبح فيه
استمرارها أكثر "قابلية للإدارة" من إنهائها. عند هذه النقطة، لا يعود
غياب الحسم مجرد نتيجة لعجز عسكري متبادل، بل يتحول إلى وضعية استراتيجية يُعاد
إنتاجها عمدا؛ لأن كلفة النهاية تبدو لدى أطراف الصراع مهددة للمصالح أكثر من كلفة
الاستنزاف المستمر.
الإطار المنهجي:
أبعد من "الاستنزاف": ما هو الحسم المؤجل؟ تعتمد هذه
الورقة منهج التمييز المفاهيمي والتحليل المقارن للحالات، بهدف فصل الحسم المؤجل
عن مفاهيم مجاورة مثل
حرب الاستنزاف والصراع المجمد. لا ينطبق هذا المفهوم على كل
حرب طويلة، بل فقط على الحالات التي تتكرر فيها آليات منع الانهيار ومنع الحسم
وتتشكل فيها مصالح مستفيدة من استمرار القتال.
التحديد
المفاهيمي: تعريف "الحسم المؤجل": الحرب التي لا يُسمح لها بالانتهاء يُعرف "الحسم المؤجّل" بوصفه حالة من الصراع المسلح النشط الذي يتم
الحفاظ عليه ضمن "نطاق ترددي" محدد، بحيث تتدخل قوى خارجية أو توازنات
داخلية لترميم جبهة الطرف الأضعف كلما اقترب من الانهيار. هي ليست حرب استنزاف
تهدف لكسر الإرادة، ولا صراعا مجمدا يتوقف فيه القتال، بل هي "مصلحة
كامنة" في إبقاء الحرب ضمن حدود مسيطر عليها.
مستويات القصدية:
ليس صدفة.. كيف تتلاقى المصالح لإبقاء النيران مشتعلة؟ لا
يفترض المفهوم وجود فاعل مركزي واحد، بل قد ينتج عن تلاقي فاعلين متعددين تتباين
دوافعهم لكن تتقاطع آثارهم في منع الحسم. إنها حالة من تضافر المصالح غير المتفق
عليها بالضرورة، والتي تؤدي وظيفيا إلى استدامة النزاع.
الآليات السببية:
"صمامات الأمان": كيف يتم التحكم في ميزان القوى؟ يعمل
الحسم المؤجل عبر آليات هندسية كصمامات أمان:
1. ضبط الإمداد الانتقائي: تزويد الأطراف بذخيرة تضمن "الصمود"، وحجب
"الكتلة الحرجة" اللازمة للحسم.
2. التدخل الترميمي: التدخل السياسي أو العسكري لترميم التوازن كلما مال
لصالح طرف بصورة تهدد بإنهاء الحرب.
3. إنتاج اقتصاد الحرب: تَشكُّل نُخب أمنية ومالية أصبحت الحرب هي بيئتها
الحيوية، مما يجعل السلام تهديدا وجوديا.
إدارة الفراغ:
الحرب كغطاء للفشل: عندما يغيب الحساب باسم "الطوارئ" تتجاوز هذه
الهندسة الجانب العسكري لتصيب البنية الاجتماعية، حيث يتم استغلال استطالة أمد
الحرب لخلق "فراغ زمني للمساءلة"، يبرر الفشل التنموي ويعطل القوانين
بدعوى الطوارئ المستدامة. يتحول المجتمع من ضحية للحرب إلى جزء من ماكينتها، حيث
تُقايض الشعوب بالاستقرار الهش مقابل التنازل عن المطالب الحقوقية.
النماذج
التطبيقية: من بغداد 1980 إلى دمشق 2011: رحلة "هندسة اللاحسم"
- النموذج التاريخي (العراق وإيران 1980-1988): تمثل
هذه الحرب "النص التأسيسي" للمفهوم؛ فبعد استعادة إيران لخرمشهر عام
1982، رُفع سقف الأهداف السياسية ليُعاد تدوير النزاع بقرار إرادي. تجلت الهندسة
في منع انهيار أي طرف عبر ترميم الجبهات بالمعلومات والتمويل كلما اقترب الحسم،
مما حول العراق إلى حالة ارتهان دائم بمديونية هائلة، وهو جوهر "تسييس
الإخفاق".
- النموذج المعاصر (الحالة السورية): تُعد
الأزمة السورية المختبر المعاصر لـ"الحسم المؤجل"؛ حيث تم ضبط الصراع
بحيث لا يسقط النظام ولا تنتصر المعارضة. تحولت الجغرافيا السورية إلى "مناطق
نفوذ" مستقرة، ونشأت طبقة من أثرياء الحرب جعلت من استمرار النزاع
"وضعية مريحة" للقوى الكبرى.
الاعتراضات: عجز
عسكري أم خطة مدروسة؟ الرد على المشككين قد يُقال إن طول
الحروب ناتج عن "العجز العسكري المتبادل". الرد: لو كان عجزا تقنيا صرفا،
لرأينا انهيارا تدريجيا، لكن الملاحظ هو إعادة تأهيل الأطراف المتعبة عمدا لكي
تواصل القتال، ومنع استقرار سيادة طرف واحد على المجال العام.
الخاتمة: عندما
يصبح "السلام" خطرا على مصالح الكبار إن أخطر ما في
الحسم المؤجّل أنه يجعل اللاحسم يبدو طبيعيا. السؤال الأهم ليس "من يعجز عن
الحسم؟"، بل "من يخشى وقوع
الحسم؟"؛ لأن السلام قد يكون أكثر زعزعة للمصالح من
استمرار الاستنزاف.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.