أصحاب الوجيعة: حين يدفع المريض فاتورة العلاج وثمن الوهم

محمد عزت الشريف
"ماذا أصبح الوهم أقرب من الطبيب؟"- CC0
"ماذا أصبح الوهم أقرب من الطبيب؟"- CC0
شارك الخبر
المرض وسؤال العدالة

في المجتمعات التي تختل فيها موازين العدالة، لا يبقى المرض واقعة طبية خالصة، بل يتحول إلى اختبار قاسٍ. فالمريض لا يدخل باب العلاج محمولا على حقه، بل على ما تبقى في جيبه؛ ولا يُسأل فقط: ماذا يؤلمك؟ بل يُسأل ضمنا: ماذا تستطيع أن تدفع؟ ولا تبدو أزمة الرعاية الصحية مجرد نقص في الخدمة، بل أزمة عدالة تحدد من يملك حق الوصول إلى العلاج، ومن يُترك خارجه لأن دخله أضعف من حاجته. فالعدالة هنا شرط عملي لحماية الصحة العامة.

فخ الأرقام

كثيرا ما يستند النقاش العام إلى متوسطات دخل ومؤشرات تبدو مريحة، بينما الواقع اليومي أشد قسوة. فالقدرة على العلاج لا تُقاس بالدخل الاسمي، بل بما يتبقى بعد الإيجار والطعام والمواصلات. ووفق بيانات البنك الدولي، بلغ الإنفاق المباشر من جيوب الأسر في مصر نحو 57.2 في المئة من إجمالي الإنفاق الصحي الجاري عام 2023، وهذا يعني أن عبء المرض ينتقل بقوة إلى الأسرة. وعندما تلتهم الأشعة أو التحاليل أو الدواء معظم هذا المتبقي، يتحول المرض من أزمة صحية إلى أزمة معيشية تدفع المريض إلى الاستدانة أو تأجيل العلاج.

من رقم الأجر إلى صدمة الفاتورة
المريض لا يدخل باب العلاج محمولا على حقه، بل على ما تبقى في جيبه؛ ولا يُسأل فقط: ماذا يؤلمك؟ بل يُسأل ضمنا: ماذا تستطيع أن تدفع؟

ولا يبدأ الخلل من باب المستشفى، بل من طريقة تسجيل الأجر نفسه. فحين يُسجل العامل بأجر تأميني أقل من دخله الحقيقي، تتراجع الحماية قبل أن يبدأ المرض. فالرقم المسجل لا يحدد اشتراكا فقط، بل قد ينعكس لاحقا على مستوى الحماية وحدود الاستحقاق. هكذا يبدأ الخلل من رقم ناقص وسجل غير عادل.

وبين رقم الأجر الناقص ورقم الفاتورة الغامض، يجد المريض نفسه محاصرا من جهتين: حماية أقل، وتكلفة لا يعرف أساسها. يُقال له إنه سيدفع "نسبة بسيطة"، لكن السؤال المغيب هو: نسبة من أي سعر؟ هل تُحسب مساهمته على السعر التعاقدي الفعلي بين جهة التمويل ومقدم الخدمة، أم على السعر المعلن للجمهور؟ الفارق هنا ليس تفصيلا إداريا، بل قد يكون الفاصل بين العلاج والاستدانة. فإذا كانت خدمة طبية سعرها التعاقدي 25 ألف جنيه، وسعرها المعلن 40 ألفا، وكانت مساهمة المريض 10 في المئة، فمن العدل أن يدفع 2500 جنيه، لا 4000 جنيه. والفارق قد يعني لأسرة محدودة الدخل دينا جديدا أو تأجيل دواء.

المريض في أضعف لحظاته لا ينبغي أن يُترك أمام عبارة عامة مثل "نسبة تحمل" دون رقم واضح وأساس حساب محدد. فالشفافية ليست ترفا إداريا، بل ضمانة تمنع تحول الحق في العلاج إلى صدمة مالية. لذلك يجب أن يعرف المريض قبل العلاج التكلفة المتوقعة، وبعد ذلك يحصل على فاتورة مفصلة تبين سعر الخدمة، ونسبة التحمل، وأساس الحساب.

حين يقترب الوهم

حين تصبح الخدمة الرسمية مرهقة ماليا وغامضة إداريا، يتسع سوق البدائل الهشة. فالوصفات السريعة ونصائح غير المتخصصين لا تزدهر بسبب الجهل وحده، بل بسبب الإقصاء. لا يذهب الناس إلى الوهم لأنهم يرفضون العلم، بل لأنهم يعجزون عن تحمل كلفة الوصول إليه. وحين يصبح التشخيص عبئا، وكل خطوة مشروطة بمبلغ جديد، يظهر الوعد الأرخص كإغراء مفهوم، حتى لو كان مضللا.

المنظومة التي تهمل الكشف والوقاية تدفع لاحقا ثمنا أكبر في مضاعفات أشد تكلفة. العدالة الصحية لا تبدأ من غرفة العمليات، بل من الوحدة الصحية، والكشف المبكر، ومسار إحالة مفهوم

لا تنجح مقاومة الخرافة بالوعظ وحده، فالسؤال الأعمق ليس: لماذا صدق المريض الوهم؟ بل: لماذا أصبح الوهم أقرب من الطبيب؟ المواطن الذي يجد خدمة محترمة، وتكلفة واضحة، ومسارا مفهوما، لن يغامر بصحته. أما إذا تُرك بين حسابات مبهمة وخوف من الكلفة، وجد الوهم طريقه إليه.

لا علاج في الظلام

الإصلاح يبدأ من قاعدة بسيطة: لا يجوز أن يدفع المريض في الظلام. وأول خطوة هي إلزام مقدم الخدمة بإعلان التكلفة المتوقعة كتابة قبل بدء العلاج، مع بيان ما يدخل في الخدمة وما قد يضاف إليها. وثانيها ربط نسبة تحمل المريض بالسعر التعاقدي الفعلي، لا بالسعر المعلن الأعلى، حتى لا تتحول النسبة الصغيرة إلى عبء كبير. وثالثها وضع سقف سنوي للإنفاق المباشر من جيب المريض، خصوصا لمحدودي الدخل وأصحاب الأمراض المزمنة، فليس من العدالة أن تتحول نوبة مرضية إلى كارثة مالية تمتد إلى الأسرة.

ولا يقل عن ذلك أهمية إعادة الاعتبار للرعاية الأولية، فالمنظومة التي تهمل الكشف والوقاية تدفع لاحقا ثمنا أكبر في مضاعفات أشد تكلفة. العدالة الصحية لا تبدأ من غرفة العمليات، بل من الوحدة الصحية، والكشف المبكر، ومسار إحالة مفهوم.

خاتمة

قضية أصحاب الوجيعة ليست طبية أو إدارية فقط، بل قضية كرامة عامة. الإنسان لا ينبغي أن يُعاقب لأنه مرض، ولا أن يُقصى لأنه عاجز، ولا أن يُدفع إلى الوهم لأن الطريق الرسمي صار أعلى من احتماله. وحين تضيع الثقة، يخسر النظام قدرته على حماية الناس من الاستنزاف والتزييف. عندها لا يعود السؤال: كم تكلف الخدمة؟ بل يصبح السؤال الأكثر مرارة: لمن بقيت هذه الخدمة أصلا؟


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)