بيان التقويض
تحبس القراءة
التقليدية للسيرة النبوية الحراك المحمّدي في إطار وعظي أو إصلاحي هادئ، بما يُغيّب
جوهره التفكيكي العميق. فلم يأتِ محمد بن عبد الله ﷺ لترميم نظامٍ قائم، بل لتقويض
بنيةٍ زائفة ادّعت لنفسها حقّ السيادة المطلقة على الإنسان، مستخدما منطق الضرورة في
مواجهة استراتيجيات السيطرة على الوعي. هنا، لا تُقرأ
السيرة بوصفها سردا أخلاقيا،
بل معيارا تاريخيا لكسر الهيمنة.
إرهاصات
الانفجار: جيل الرفض وإعدام الحيز العام
قبل البعثة،
"لم تكن مكة صامتة، بل خاضعة لهندسة صمت لا يَسمعُ فيه أحدٌ إلا ضجيج الأصنام".
في هذا المناخ، برز جيلٌ من الحنفاء رفض انتحال السيادة القرشية، واجه الملأ هذا الوعي
بسياسات النفي والتغييب و"تضييق الفضاء التداولي"، لمنع تحوّل الرفض الفردي
إلى عدوى وعيٍ جماعي.
جاء التوحيد لا نفيا للأصنام فحسب، بل فضحا لكل بنيةِ سلطةٍ تُقدّس ذاتها، وتُحوّل الخضوع لها إلى قدرٍ أخلاقي أو ديني
تجلت مكة
كبنية استئثارية تُحكم السيطرة على المعنى والأرزاق، ممارِسة ما يمكن تسميته بـ"تأميم
الحيز العام" عبر تحويل المقدس إلى خادم للاحتكار الطبقي. لم يكن اعتزال
النبي
ﷺ في غار حراء هروبا، بل قطيعة فطرية واعية مع نظامٍ بلغ في تشييء الإنسان حدّ رهن
النساء ضمانا للدَّين؛ مما دفع بعضهم إلى وأد البنات خشية هذا المصير، وهنا تصدق الإدانة
القرآنية لهذه البنية: "وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ".
تفكيك
مفهوم "انتحال السيادة"
يُقصد
بانتحال السيادة انتقال حقّ الحكم والتشريع من مبدئه الفطري الإلهي إلى بشرٍ يؤلّهون
مواقعهم، فيحتكرون القرار ويغلقون باب المساءلة، ويحوّلون الظلم إلى نظامٍ طبيعي مقبول.
لا يظهر هذا الانتحال في ادّعاء الألوهية الصريح، بل في تقرير من يُقصى ومن يُمحى،
ومن يُسمَع ومن يُسحق. فجاء التوحيد لا نفيا للأصنام فحسب، بل فضحا لكل بنيةِ سلطةٍ
تُقدّس ذاتها، وتُحوّل الخضوع لها إلى قدرٍ أخلاقي أو ديني.
حركية
العقيدة: التوحيد كفعل بنيوي لنقض الهيمنة
لم يكن
التوحيد في سياقه المكي طقسا قلبيا مجرّدا، بل فعلا بنيويا يسحب حقّ التشريع المطلق
من البشر. تتجلّى ثوريته في رفض المنكر على مستوياته كافة: "مَن رأى منكم منكرا
فليغيّره بيده.."؛ هنا يصبح التغيير ممارسة عملية لنفي السيادة عن غير الله: "إِنِ
الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ"، كما يمنح الوحي للمظلوم شرعية الجهر بالرفض وكسر هندسة
الصمت: "لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن
ظُلِمَ".
وحدة المسار
الثوري للأنبياء
الحراك
المحمّدي تجلٍ لقانون نبوي ثابت: كسر احتكار المعنى، وهي استجابات لبنية ظلم واحدة،
مع اختلاف الأدوات:
- إبراهيم:
واجه تفويض السيادة للمادة: "قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ".
- موسى:
كسر أحادية الرؤية والقرار: "قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ".
- يوسف:
استعاد أدوات إدارة الأرزاق لصالح العدل: "اجْعَلْنِي على خَزَائِنِ الْأَرْضِ".
المناورة
الاستراتيجية: الهدنة كأداة لتفكيك الحصار
لا تعني
القراءة التفكيكية للسيرة اندفاعا صداميا أعمى، بل هي اشتباكٌ محكوم بمنطق "الضرورة".
وتتجلى هذه العبقرية في "صلح الحديبية"؛ حيث لم تكن المهادنة تنازلا عن السيادة،
بل "إعادة هندسة للميدان". لقد كسر النبي ﷺ بالهدنة حصار قريش لـ"المجال
التداولي"، محولا الصراع من الميدان العسكري إلى الاختراق المعرفي.
الهجرة
والفتح: من الحصار إلى تحرير المعنى
الهجرة
كسرت "هندسة الحصار" القرشية، ورفضت تأجيل المحاسبة عبر الزمن. وفي المدينة
تأسس حيزٌ عام جديد بـ"الوثيقة"، بلغت المواجهة ذروتها في فتح مكة بتحطيم
الأيقونات التي شرعنت الظلم، محرّرة الإنسان من عبودية البشر.
مواجهة
"تعقيم السيرة".. نقض تعطيل أثر التوحيد
إنّ اتهام
السيرة بـ"التسييس" هو استراتيجية تهدف إلى تجريف أثرها التحرري، وتحويل
التوحيد إلى قالب طقسي بارد لا يزعج موازين القوى؛ فقريش لم تضطهد النبي ﷺ لفكره الغيبي،
بل لإدراكها أن "كلمة التوحيد" هي إعلانٌ بسقوط شرعيتها السياسية والاقتصادية.
وهذا ما
جسّده جعفر بن أبي طالب أمام النجاشي، حين عرّى بنية السلطة الجاهلية بقوله: "كنا
أهل جاهلية.. يأكل القوي منا الضعيف.. حتى بعث الله إلينا رسولا.. فأمرنا بخلع ما كنا
نعبد نحن وآباؤنا". إن هذا "الخلع" لم يكن مجرد استبدال غيبي، بل كان
الفعل السياسي الأسمى لاسترداد السيادة المنهوبة من يد منتحليها.
نقض السيرة
"المؤممة".. من الطقس المِحرابي إلى الاشتباك مع الواقع
محمد ﷺ
ليس مجرد نموذج أخلاقي، بل هو المعيار لتفكيك كل سلطة تبتلع السيادة وتدّعي الألوهية
عبر هندسة الصمت. إن السؤال الذي يصفع وعينا اليوم ليس: "كيف نعبد الله في المحاريب؟"
بل: "كيف نحطم الأصنام التي تسكن كراسي التشريع، وتهندس صمتنا، وتدير فراغنا الزمني
للمساءلة؟".
إن السيرة
التي لا تؤدي إلى اشتباك مع "منتحلي السيادة" المعاصرين هي سيرة "مؤممة"
تخدم الجلاد؛ الصراع لم يكن يوما على "شكل الإله"، بل كان دائما على:
"من يملك حق هندسة الواقع؟". وإذا لم تكن عقيدتنا هي أداة النقض لهذه الهيمنة،
فنحن نعبد "أصناما بأسماءٍ مقدسة".