استعادة سيادة الإرادة: في فلسفة الصيام وكسر سلطان العادة

محمد عزت الشريف
"يرتبط الصيام في القرآن الكريم بنعمة الهداية والوحي"- الأناضول
"يرتبط الصيام في القرآن الكريم بنعمة الهداية والوحي"- الأناضول
شارك الخبر
تمهيد: من الامتناع إلى المعنى

يختزل الخطاب الشائع الصيام في تدريب أخلاقي أو تعاطف اجتماعي، فيغيب معناه الأعمق كفعل تعبدي يعيد ترتيب علاقة الإنسان بخالقه وبذاته. إن العبادات تقوم على الامتثال أولا، ثم تتكشف حكمتها في آثارها؛ فالصيام يبدأ استجابة لأمر الله، وينتهي بتجربة روحية تُعيد بناء "الإنسان المقاوم"، حيث تنضج التقوى لا كعلة منشئة فحسب، بل كـ"نتيجة" وصيرورة لمن عاش التجربة بوعي.

أولا: الصيام كفعل إرادي وسيادي (تجاوز الذات)

يدل الصيام في اللغة على الكف والإمساك، غير أن الصيام الإنساني إمساك إرادي يختاره الإنسان القادر، بخلاف السكون الطبيعي. حين يجوع الإنسان ولا يأكل رغم توفر الطعام، يكشف عن قدرة كامنة لتجاوز الاندفاع الغريزي، محولا الامتناع من حالة سلبية إلى فعل سيادي يعلن استقلال الإرادة عن الإكراه البيولوجي.

الصيام الإنساني إمساك إرادي يختاره الإنسان القادر، بخلاف السكون الطبيعي. حين يجوع الإنسان ولا يأكل رغم توفر الطعام، يكشف عن قدرة كامنة لتجاوز الاندفاع الغريزي، محولا الامتناع من حالة سلبية إلى فعل سيادي يعلن استقلال الإرادة عن الإكراه البيولوجي

وتتجلى ذروة هذه السيادة في قوله تعالى في الحديث القدسي: "كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوّمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ". إن اختصاص الله للصيام بذاته يمنحه "حرمة سيادية" مطلقة؛ فهو العبادة الوحيدة التي تفتقر للمظهرية الخارجة، مما يجعله "سرا" بين إرادة العبد وربه، وفعلا متحررا من رقابة البشر وتقييمهم. هنا تصبح التقوى (التي جعلها القرآن غاية الصيام في قوله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ") هي "الحصانة الداخلية" والوعي اليقظ الذي يحمي سيادة الإنسان من الاختراق.

إنَّ خصوصية الصيام تكمن في كونه انعتاقا مدفوعا بـ"صبر الرجاء" لا بمرارة الخوف أو إكراه القسر؛ فهو فعلُ مَن استبان له الهدف فاستعذب الطريق. وهنا يتجاوز الصيام حدود "الورع التقليدي"؛ فبينما يكفُّ الورعُ الإنسانَ عن الحرام، يذهب الصيام إلى أبعد من ذلك حين يدفع الإنسان للتخلي إراديا عن "الحلال المتاح". هذا الانفصال الواعي عن "المباح" هو الإعلان الأسمى لاستعادة سيادة الإرادة؛ فالمؤمن الذي يملك لجام نفسه أمام مقتضيات بقائه البيولوجي، يكسر بذلك "سلطان العادة" المحض، ويتحول من كائنٍ مُساقٍ بغرائزه إلى سيدٍ يقرر متى وكيف يستجيب.

هنا يتجلى الصيام كأداة لـ"تجاوز الذات"؛ فبمنظور فلسفي، يلتقي "تجاوز الذات" عند نيتشه بـ"الفناء عن الهوى" عند الغزالي في نقطة واحدة: قوة الامتناع. السيادة هنا ليست تأليها للذات، بل هي إثبات لقدرة الإنسان على كسر "سلطان العادة" و"أخلاق القطيع" التي تستجيب لكل نداء بيولوجي دون وعي. إن الصائم يشرّع لنفسه قانونا مفارقا للمادة، محولا الجوع من "حاجة" إلى "اختيار".

ثانيا: تهيئة الإفراغ لاستقبال الوحي (شكر الهدى)

يرتبط الصيام في القرآن الكريم بنعمة الهداية والوحي: "وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ". الصيام هنا هو فعل "إفراغ" للمادة وضجيجها لتهيئة الكيان لـ"الامتلاء" بنور الله.

النموذج المحمدي: تجلى ذلك في "تحَنُّث" المصطفى ﷺ؛ حيث كان إفراغ الحواس من صخب المادة ممهدا للحظة الانتقال من "وضوح الرؤية الحسية" إلى "شرح الصدر": "أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ"، ليتسع الكيان لثقل القول الكريم.

النموذج المريمي: وكذلك في صيام مريم ابنة عمران عن "تكليم العباد"؛ كان الصمت عن خطاب البشر (الذي يلوثه ضجيج التأويلات) تهيئة كبرى للامتلاء بآيات الله المعجزة.

ثالثا: الصيام واقتصاد الرغبة (الاستعلاء على التدجين)

يعتمد العالم الاستهلاكي المعاصر على توسيع الرغبات لإنتاج التبعية، محولا الإنسان إلى ترس في ماكينة الطلب اللامتناهي. يأتي الصيام ليدرّب الإنسان على تأجيل الإشباع واحتمال الفراغ. وهنا يبرز مفهوم "الاستعلاء بالإيمان"؛ فالصيام هو انطلاق من "قيد الطين"، وإعلان للتحرر من الضرورات التي يستذل بها الطغاةُ العبادَ. الإنسان الذي يستطيع أن يقول "لا" لشهوته المباحة، هو الأقدر على أن يقول "لا" لكل طاغوت يحاول استذلاله بلقمة العيش أو حطام الدنيا.

استعادة السيادة على الجسد هي "البروفة الكبرى" لكسر أنماط التدجين التي تفرضها "هندسة الهيمنة"

رابعا: الصيام كاستراتيجية مواجهة (تحطيم هندسة الصمت)

إن استعادة السيادة على الجسد هي "البروفة الكبرى" لكسر أنماط التدجين التي تفرضها "هندسة الهيمنة". فإذا كان النظام "منتحل السيادة" يراهن على "غريزة البقاء" لضمان التبعية، فإن الصائم يعلن بطلان هذا الرهان. إن القدرة على تعليق الحاجة البيولوجية هي السلاح الأول ضد "هندسة الصمت" وتزييف الوعي، فالصيام عن "لغة المنظومة" وعن استهلاك ضجيجها الإعلامي هو بداية النطق بلغة "السيادة". الإنسان الذي روّض جوعه لن يُقايض موقفه برغيف، ولن يُساق خلف "إدارة الفراغ الزمني" التي تهدف لتغييب وعيه عن قضاياه المصيرية.

خاتمة: من الجوع إلى السيادة

ينتهي الصيام باكتشاف السيادة الداخلية، محولا الجوع من ضعف إلى قوة تكشف إمكانية تعليق الحاجات بإرادة واعية. إنها تجربة متكررة لكسر سلطان العادة واستعادة سيادة الإرادة، ليكون الإنسان مستعدا لمواجهة أشكال الحصار كافة بقلب يملك قرار إمساكه وإفطاره، وعقلٍ مهيأ لاستقبال نور الحق والوحي، بعيدا عن صخب المادة وتزييف "المهندسين" للوعي الإنساني.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل