معالم الشخصية المؤمنة في مدرسة الصيام

أشرف دوابة
"الصوم يربي الضمير، ويجعل العلاقة بالله هي الأصل في السلوك"- الأناضول
"الصوم يربي الضمير، ويجعل العلاقة بالله هي الأصل في السلوك"- الأناضول
شارك الخبر
جاء رمضان يحمل معه نفحات البركات، وهو ليس شهرا عاديا عابرا، ولا مجرد دورة سنوية من الامتناع عن الطعام والشراب، بل هو محطة إعادة تشكيل للإنسان من الداخل وبنائه على قواعد الإيمان الصحيح. فالأحاديث النبوية حين تحدثت عن الصوم لم تقدّمه بوصفه عادة تعبّدية فحسب، وإنما رسمت له سماتٍ جامعة تكشف عن طبيعته ووظيفته في بناء الشخصية المؤمنة. وحين نتأمل هذه السمات في ضوء واقعنا المعاصر، ندرك أن الصوم ليس انقطاعا عن الحياة، بل هو تصحيح لمسارها.

أول هذه السمات أن الصوم جُنّة؛ والجُنّة هي الوقاية والحصن، أي أنه يقي صاحبه من الانفلات في الشهوات ومن التورط في المعاصي. وليس الصوم سياجا خارجيا يفرضه المجتمع، بل هو انضباط ينبع من الداخل، فالصائم يمتنع عما هو مباح استجابة لأمر الله، فيتكوّن لديه وعي رقابي ذاتي دائم، يجعله أقدر على اجتناب الحرام، بل والشبهات في زمن تتكاثر فيه المغريات وتتسارع فيه الإغراءات الرقمية والاستهلاكية،
من سمات الصوم أنه صبر، فهو مدرسة الصبر اليومية؛ صبر عن الشهوة، وصبر على الطاعة، وصبر على أذى الناس
ومن ثم يصبح الصوم تدريبا عمليا على بناء الحصانة الأخلاقية. فهو يعلّم الإنسان أن يقول "لا" حين تدعوه الرغبة، وأن يؤجل الإشباع حين تتطلب المصلحة ذلك. وهذه القدرة هي جوهر التقوى التي هي ثمرة الصيام.

ومن سمات الصوم أنه ضياء؛ والضياء هنا ليس نورا حسيا، بل نور بصيرة. فالامتلاء الدائم بالشهوات يورث ثقلا على القلب، أما الجوع المنضبط فيورث يقظة وانتباها، فحين يخفّ الجسد عن وطأة الطعام، يصفو الذهن، ويصبح القلب أقرب إلى التدبر والخشوع. لذلك كان رمضان شهر القرآن، لأن الصوم يهيئ البيئة الداخلية لتلقي النور، في عالم مزدحم بالضجيج والمعلومات والصور، ويحتاج الإنسان فيه إلى مساحة صفاء، والصوم يمنحه هذه المساحة. إنه يعيد ترتيب الأولويات، فيكتشف الصائم أن السكينة لا تُشترى، وأن نور القلب لا يُستجلب إلا بخفة التعلق بالدنيا.

ومن سماته أنه زكاة، فإذا كانت الزكاة تطهيرا للمال، فإن الصوم تطهير وتزكية للجسد والنفس، فهو يخفف من اعتياد الامتلاء، ويكسر شهوة الاستهلاك المستمر. ففي ثقافة تُقاس فيها الرفاهية بوفرة الطعام وتنوعه، يأتي الصوم ليذكر الإنسان بأن القيمة ليست في كثرة ما يأكل، بل في جودة ما يكون. وحين يجوع بإرادته، يشعر بضعفه، ويتذكر المحتاجين، ويتولد لديه إحساس عملي بالمسؤولية الاجتماعية. فالصوم لا يربي الفرد فحسب، بل يعيد ربطه بالآخرين، ويوقظ فيه معنى التضامن والتكافل المجتمعي.

ومن سمات الصوم أنه صبر، فهو مدرسة الصبر اليومية؛ صبر عن الشهوة، وصبر على الطاعة، وصبر على أذى الناس، لذلك كان من توجيه النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول الصائم إذا سابه أو شتمه أحد: "إني صائم". إنها لحظة وعي تحول دون الانفعال، وتذكير للنفس بأنها في عبادة؛ في زمن تكثر فيه التوترات، ويعلو فيه صوت الغضب وسرعة الرد،
إذا خرج الإنسان من رمضان وقد تعلم كيف ينظم طعامه وشرابه وكيف يضبط شهوته، وكيف يدير غضبه، وكيف يخفف تعلقه بالدنيا، وكيف يراقب ربه في السر والعلن، فقد سار في الاتجاه الصحيح لتحقيق مقصد الصوم
وبذلك يدرّب الصوم الإنسان على إدارة انفعالاته، وعلى ضبط ردود أفعاله. إنه لا يكبح الجوع فحسب، بل يكبح الغضب والاندفاع، ومن هنا يتخرج الصائم من رمضان أكثر توازنا وأهدأ نفسا.

ومن سمات الصوم أيضا أنه إخلاص، فالصائم يستطيع أن يفطر في الخفاء ولا يطلع عليه أحد، ومع ذلك يمسك لأن الله يراه، لذلك كان الجزاء عليه مخصوصا: "الصوم لي وأنا أجزي به". هذا البعد يعمّق في النفس معنى المراقبة، ويحررها من أسر نظرة الناس، فالصوم يربي الضمير، ويجعل العلاقة بالله هي الأصل في السلوك، لا العادة أو الثناء الاجتماعي.

وإذا جمعنا هذه السمات معا (الجُنّة، والضياء، والزكاة، والصبر، والإخلاص) وجدنا أن الصوم يعيد تشكيل الإنسان على مستويات متعددة، إنه يضبط الجسد، وينير القلب، ويهذب السلوك، ويقوي الإرادة، ويعمّق الصلة بالله. وحين نفهم الصوم بهذه الصورة، لا يعود مجرد ساعات من الامتناع تنتهي بغروب الشمس، بل يصبح منهج حياة. فالمطلوب أن تستمر آثار الجُنّة بعد رمضان، وأن يبقى الضياء في القلب، وأن يظل الانضباط حاضرا في القرارات اليومية.

رمضان إذن ليس شهرا للاستهلاك اليومي والإفراط في الطعام والشراب بعد جوع النهار، ولا هو موسم للعادات الاجتماعية التي يعلوها التباهي، بل هو فرصة لإعادة تأسيس الذات. فإذا خرج الإنسان من رمضان وقد تعلم كيف ينظم طعامه وشرابه وكيف يضبط شهوته، وكيف يدير غضبه، وكيف يخفف تعلقه بالدنيا، وكيف يراقب ربه في السر والعلن، فقد سار في الاتجاه الصحيح لتحقيق مقصد الصوم وهو التقوى الذي من أجلها فُرض، ويصبح رمضان بداية تحول في حياة المسلم بأن يكون بحق ربانيا لا رمضانيا.

x.com/drdawaba
التعليقات (0)