الحرب على إيران وصدمة أسواق الطاقة

أشرف دوابة
"استهداف منشآت النفط والغاز في المنطقة وأي تهديد للملاحة في مضيق هرمز له تداعياته الكارثية على أسواق الطاقة"- جيتي
"استهداف منشآت النفط والغاز في المنطقة وأي تهديد للملاحة في مضيق هرمز له تداعياته الكارثية على أسواق الطاقة"- جيتي
شارك الخبر
تشهد أسواق الطاقة العالمية حالة من القلق المتصاعد مع تصاعد التوترات المرتبطة بالعدوان الصهيوني-الأمريكي على إيران، حيث تتجاوز تداعيات هذا التصعيد البعد العسكري إلى تأثيرات اقتصادية عميقة تمس قلب النظام الاقتصادي العالمي. وتكمن أهمية هذا الموضوع في أن إيران ليست مجرد طرف سياسي في الصراع، بل تعد لاعبا رئيسيا في سوق الطاقة، سواء من حيث إنتاج النفط أو موقعها الجيوسياسي الحاكم لأحد أهم شرايين التجارة العالمية، وهو مضيق هرمز.

إن إيران تنتج من النفط نحو 3.2 مليون برميل يوميا، وتصدر فعليا نحو 1.5 مليون برميل يوميا رغم العقوبات، في حين تضخ دول الخليج مجتمعة ما يزيد عن 15 إلى 18 مليون برميل يوميا، وهو ما يجعل المنطقة مسؤولة عن نحو ثلث الإمدادات العالمية من النفط، غير أن العنصر الحاسم يتمثل في مضيق هرمز الذي تمر عبره نحو 20 في المئة من تجارة النفط العالمية، أي ما يقارب 20 إلى 21 مليون برميل يوميا، فضلا عن نحو 25 في المئة من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميا، وعلى رأسها صادرات قطر.

مشكلة الطاقة أن ارتفاع أسعارها لا يبقى محصورا في قطاع الوقود، بل ينتقل سريعا إلى كافة السلع والخدمات

وفي ظل هذا التشابك، فإن استهداف منشآت النفط والغاز في المنطقة وأي تهديد للملاحة في مضيق هرمز له تداعياته الكارثية على أسواق الطاقة، وهو ما يؤدي حتما إلى قفزات سريعة في الأسعار، وقد شهدت الأسواق بالفعل تحركات حادة مع كل تصعيد، حيث ارتفعت الأسعار في بعض الفترات بنسبة 10-15 في المئة خلال أيام قليلة، بينما تشير تقديرات بيوت الخبرة إلى أن تعطيلا جزئيا للإمدادات قد يدفع أسعار النفط إلى ما بين 120 و150 دولارا للبرميل، وفي السيناريو الأسوأ قد تتجاوز 180 أو حتى 200 دولار، وقد بدأت بالفعل آثار التعطيل تظهر مع الاعتداء على بعض حقول النفط، وتراجع حركة بعض ناقلات النفط، وارتفاع تكاليف التأمين البحري بشكل ملحوظ.

ولا يقتصر التأثير على النفط فقط، بل يمتد إلى الغاز الطبيعي، خاصة أن قطر -التي تصدر أكثر من 77 مليون طن سنويا من الغاز الطبيعي المسال- تعتمد بشكل أساسي على المرور عبر مضيق هرمز، وأي تعطيل في هذا المسار أوفي الاعتداء على حقول الغاز سوف يعيد إلى الأذهان أزمة الطاقة الأوروبية التي شهدت ارتفاعات تجاوزت 300 في المئة في أسعار الغاز خلال فترات سابقة.

ومع هذا التصعيد، برزت مفارقة لافتة في إدارة سوق الطاقة العالمية، حيث لجأت الولايات المتحدة إلى تخفيف جزئي للضغوط على النفط الإيراني، مما سمح بتدفق كميات من النفط الإيراني، خاصة تلك الموجودة على متن الناقلات، ولا سيما باتجاه الأسواق الآسيوية وعلى رأسها الصين، في محاولة للحفاظ على توازن السوق ومنع انفلات الأسعار. وفي المقابل، نفت إيران وجود كميات تُذكر من النفط المخزن بهذه الصورة، الأمر الذي يعكس حالة من الجدل والغموض حول حجم الإمدادات الفعلية. وبصفة عامة فإن هذا التوجه يعكس سياسة مزدوجة تقوم على الضغط العسكري والسياسي من جهة، والسماح الضمني بتدفق النفط من جهة أخرى، لتجنب صدمة طاقة عالمية.

ومشكلة الطاقة أن ارتفاع أسعارها لا يبقى محصورا في قطاع الوقود، بل ينتقل سريعا إلى كافة السلع والخدمات. فوفق تقديرات اقتصادية دولية، فإن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط ترفع معدلات التضخم العالمية بنحو 0.2 إلى 0.3 نقطة مئوية. وبناء عليه، فإن ارتفاع الأسعار من 80 إلى ما فوق 120 دولارا قد يضيف أكثر من 1 في المئة إلى معدلات التضخم، وهو ما يضغط بشدة على الاقتصادات العالمية.

وقد بدأت مظاهر التأثير الفعلي تظهر بوضوح في سياسات الدول، خاصة الدول المستوردة للطاقة. ففي مصر، على سبيل المثال، برزت إجراءات لترشيد استهلاك الكهرباء، من بينها تقليص الإضاءة في الشوارع والمباني الحكومية في ساعات متأخرة من الليل، في محاولة لاحتواء فاتورة الطاقة التي تتضخم مع ارتفاع الأسعار العالمية. وتشير التقديرات إلى أن كل زيادة بدولار واحد في سعر النفط تكلف الموازنة المصرية مئات الملايين من الدولارات سنويا، وهو ما يفسر الاتجاه نحو سياسات تقشفية في استهلاك الطاقة.

الدول المصدرة قد تستفيد من ارتفاع الأسعار عبر زيادة الإيرادات، إلا أن هذه المكاسب تقابلها مخاطر جيوسياسية متزايدة، تشمل ارتفاع تكاليف التأمين وتراجع الاستثمارات. أما الدول المستوردة، فستواجه ضغوطا كبيرة على ميزانياتها واحتياطاتها

ولا تقتصر هذه الإجراءات على مصر، بل تمتد إلى دول أخرى في المنطقة وأوروبا، حيث عادت سياسات ترشيد الطاقة إلى الواجهة، مثل خفض الإضاءة العامة وتقليل الاستهلاك في المؤسسات الحكومية، وفي أوروبا التي تستورد أكثر من 90 في المئة من احتياجاتها النفطية، أدى ارتفاع أسعار الطاقة سابقا إلى زيادة فواتير الكهرباء بأكثر من 50 في المئة في بعض الدول، وهو سيناريو مرشح للتكرار مع استمرار الأزمة.

أما في الولايات المتحدة، فرغم إنتاجها الذي يتجاوز 13 مليون برميل يوميا، فإن أسعار الوقود المحلية شهدت ارتفاعات ملحوظة، حيث اقترب سعر البنزين من 4 دولارات للجالون في بعض الولايات، ما دفع السلطات إلى اتخاذ إجراءات استثنائية مثل تعليق بعض الضرائب على الوقود لتخفيف العبء عن المواطنين. كما تشير التقديرات إلى أن أكثر من نصف الأسر الأمريكية باتت تشعر بضغط مباشر نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة.

وفي تركيا، التي تعتمد على استيراد ما يزيد عن 90 في المئة من احتياجاتها من الطاقة، ظهرت تداعيات الأزمة بوضوح في سياسات الحكومة، حيث لجأت إلى تخفيضات ضريبية على الوقود والمنتجات البترولية للحد من تأثير ارتفاع الأسعار العالمية على المواطنين والقطاعات الإنتاجية. ويأتي ذلك في ظل ارتفاع فاتورة الطاقة التركية إلى مستويات تتجاوز 90 مليار دولار سنويا في بعض التقديرات، ما يجعل أي زيادة في أسعار النفط تشكل ضغطا مباشرا على الميزان التجاري ومعدلات التضخم، التي ترتبط في تركيا بشكل وثيق بتكاليف الطاقة والنقل.

وفي الشرق الأوسط عموما، تبدو الصورة مزدوجة؛ فالدول المصدرة قد تستفيد من ارتفاع الأسعار عبر زيادة الإيرادات، إلا أن هذه المكاسب تقابلها مخاطر جيوسياسية متزايدة، تشمل ارتفاع تكاليف التأمين وتراجع الاستثمارات. أما الدول المستوردة، فستواجه ضغوطا كبيرة على ميزانياتها واحتياطاتها من النقد الأجنبي. ولا يخرج الكيان الصهيوني عن هذا الإطار، حيث يتأثر بدوره بارتفاع تكاليف الطاقة والنقل رغم امتلاكه بعض موارد الغاز.

وفي المحصلة، فإن العالم يقف أمام معادلة شديدة التعقيد، حيث تتداخل الجغرافيا السياسية مع اقتصاد الطاقة في مشهد واحد. فالتصعيد في منطقة الخليج لا يهدد فقط إمدادات النفط، بل يمتد أثره إلى كل بيت ومصنع عبر العالم، من خلال ارتفاع الأسعار، وزيادة التضخم، وتباطؤ النمو. ومع استمرار هذه الحرب، تبدو سياسات الترشيد، وإدارة الطلب، عوامل حاسمة لتجنب انزلاق الاقتصاد العالمي إلى أزمة طاقة شاملة جديدة، وإن كان الأولى قبل كل ذلك هو وقف العدوان الصهيوني الأمريكي الغاشم على إيران والذي يرفع شعار الحرب الدينية.

x.com/drdawaba

المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)