في الأيام الأخيرة
عادت قضية جيفري إبستين إلى الواجهة بوصفها واحدة من أكثر القضايا الكاشفة لطبيعة
العلاقة المنحرفة بين المال والسلطة في النظام الرأسمالي المعاصر. فالقضية لم تكن
مجرد جريمة
أخلاقية فردية، بل كانت مرآة عاكسة لبنية اقتصادية وسياسية تسمح للمال
بأن يتحول إلى أداة بطش، وحصانة، وإفساد ممنهج، حين ينفلت من أي ضابط قيمي أو
أخلاقي.
البعد الاقتصادي في
هذه القضية يتجلى بوضوح في الطريقة التي استُخدم بها المال لشراء الصمت، وتحييد
العدالة، وفتح الأبواب المغلقة أمام أصحاب النفوذ. المال هنا لم يكن وسيلة إنتاج
أو أداة تنمية، بل تحول إلى قوة تسليعية لكل شيء: الأجساد، والعلاقات، والقرارات
القضائية، وحتى القيم الإنسانية ذاتها.
تتجلى إحدى أخطر سمات الرأسمالية المعاصرة، حيث تتحول الثروة من نتيجة للعمل والإنتاج إلى مصدر للهيمنة والحصانة، بما يجعل العدالة انتقائية، تطال الضعفاء وتتجاوز الأقوياء
لقد كشف هذا النموذج أن الاقتصاد حين يُفصل
عن الأخلاق لا يعود مجرد نشاط محايد، بل يصبح نظاما لإعادة إنتاج الظلم وتكريسه.
استخدام المال كأداة
بطش هو أخطر ما في القصة؛ إذ لم يكن البطش عبر العنف المباشر، بل عبر شبكات نفوذ
ناعمة: تمويل حملات، ورعاية مؤسسات، وعلاقات أكاديمية، ومراكز أبحاث، تجعل من صاحب
المال شريكا محترما في الفضاء العام، مهما بلغت درجة انحرافه الأخلاقي. وهنا تتجلى
إحدى أخطر سمات
الرأسمالية المعاصرة، حيث تتحول الثروة من نتيجة للعمل والإنتاج
إلى مصدر للهيمنة والحصانة، بما يجعل العدالة انتقائية، تطال الضعفاء وتتجاوز
الأقوياء.
الاقتصاد اللاأخلاقي
الذي أفرز هذه الظواهر ليس استثناء، بل هو نتاج طبيعي لفلسفة ترى الإنسان مجرد
أداة للمتعة أو الربح، وتُفرغ الحرية من مضمونها الأخلاقي، لتصبح غطاء لانتهاك
الحقوق لا صيانتها. ولهذا لم يكن مستغربا أن تتقاطع هذه القضية مع أسماء سياسيين
وأكاديميين في الحضارة
الغربية، يرفعون شعارات الحرية وحقوق الإنسان في المنابر،
بينما يمارسون -صمتا أو تواطؤا- نقيضها في الواقع. إنها ازدواجية فاضحة بين الخطاب
والممارسة، تكشف أن القيم حين تنفصل عن الإيمان والمسؤولية، تتحول إلى أدوات
انتقائية تخدم مصالح النخبة.
وإذا قورنت
الرأسمالية اليوم بما يُعرف تاريخيا بالرأسمالية القارونية، فإن المفارقة أن نموذج
اليوم يبدو أشد خطرا؛ فقارون كان رمزا للثراء المتغطرس، لكنه لم يمتلك شبكات
إعلامية وأكاديمية وسياسية عابرة للقارات لتبييض
فساده ومنحه شرعية فكرية وأخلاقية
زائفة. أما الرأسمالية المعاصرة، فقد طورت آليات معقدة لإعادة إنتاج الظلم تحت
شعارات براقة مثل "الحرية الفردية" و"النجاح" و"الاستقلال
المالي".
في هذا السياق، يقدّم
القرآن توصيفا بالغ الدقة لهذه الحالة حين يقول: "وَالَّذِينَ كَفَرُوا
يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ"، وهو توصيف لا
يهاجم التمتع في ذاته، بل يفضح تحوّل الإنسان إلى كائن استهلاكي بلا رسالة ولا
مسؤولية أخلاقية. وهذا الوصف يكاد يكون ملخصا دقيقا لقصة إبستين ومن يشبهه: متعة
بلا حدود، واستهلاك بلا قيم، ونهاية مأساوية تكشف خواء النموذج كله.
على الذين يتغنون بالحضارة الغربية أن يعلموا أن الحضارة الإنسانية هي حصيلة تفاعل الإنسان مع بيئته، منتجا نظاما متكاملا من القيم، والمعرفة، والابتكار
في مقابل ذلك، يطرح
الاقتصاد الإسلامي نموذجا مغايرا جذريا؛ اقتصادا أخلاقيا يجمع بين المادة والروح،
ويجعل المال أداة عمران لا أداة إفساد، ويضع الإنسان في مركز العملية الاقتصادية
بوصفه مكرما لا سلعة. فالمُلكية في الإسلام مقيدة بالمسؤولية، والحرية منضبطة
بالقيم، والربح مرتبط بالعدل، والاقتصاد كله جزء من رسالة رحمة للعالمين، لا وسيلة
للهيمنة عليهم.
إن هذه القضايا يجب
أن تكون جرس إنذار لأمة الإسلام، أمة النظافة والطهارة، لتفيق من حالة الانبهار
بالنماذج المستوردة، وتعيد التمسك بمنهجها الرباني في الاقتصاد والاجتماع
والسياسة. فالقضية ليست مجرد إدانة للغرب أو تمجيد للذات، بل هي دعوة جادة لإعادة
بناء نموذج حضاري أخلاقي، يُنقذ الإنسان من عبودية المال، ويعيد للاقتصاد وظيفته
الحقيقية: خدمة الإنسان، لا امتهانه.
وعلى الذين يتغنون
بالحضارة الغربية أن يعلموا أن الحضارة الإنسانية
هي حصيلة تفاعل الإنسان مع بيئته، منتجا نظاما متكاملا من القيم، والمعرفة،
والابتكار. فإذا فقدت الحضارة القيم -حتى لو وصلت إلى أعلى درجات المعرفة
والابتكار- فإنها تتحول إلى حضارة حيوانية أو بهيمية، وهو ما يعكسه حال الحضارة
الغربية اليوم. وقد آن لكل صاحب عقل أن يربأ بنفسه عن الركون لحضارة الحيوان ويرقى
بنفسه إلى حضارة الإنسان.
x.com/drdawaba