انعقد مؤتمر
دافوس الاقتصادي العالمي في
دورته الأخيرة في لحظة دولية بالغة الصعوبة والاضطراب، والتداخل الملحوظ بين
السياسة والاقتصاد، وربط الاستثمارات بالاستعمار الاقتصادي ومشاريع الهيمنة وإعادة
تشكيل المجتمعات.
ففي الوقت الذي يقدّم فيه المؤتمر، الذي
ينظمه المنتدى الاقتصادي العالمي، نفسه كمنصة للحوار والسلام والاستدامة، تكشف
الوقائع المصاحبة له عن تحوّل خطير في وظيفة الاقتصاد العالمي، حيث يُستخدم كأداة
لإدارة الصراعات وإعادة إنتاج السيطرة، لا لإنهائها.
أبرز ما ظهر في هذا المؤتمر كان توقيع
الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب على الميثاق التأسيسي لما عُرف بـ"مجلس
السلام" وقد انطلق المجلس من ملف
غزة بوصفه الحالة الأولى التي يُراد اختبار ما يسمى نموذج "السلام الاقتصادي" فيها، قبل أن
يُوسَّع نطاقه ليصبح إطارا دائما لإدارة نزاعات أخرى حول العالم. غير أن هذا
التوسّع لا يغيّر من حقيقة أن غزة كانت المختبر الأول، وأن ما يُجرَّب فيها يُراد
تعميمه لاحقا، بمنهج يقوم على الاستعمار الاقتصادي باسم إعادة الإعمار، فضلا عن
إدارة ما بعد الحرب، دون معالجة جذور الصراع أو إنهاء الاحتلال.
غزة كانت المختبر الأول، وأن ما يُجرَّب فيها يُراد تعميمه لاحقا، بمنهج يقوم على الاستعمار الاقتصادي باسم إعادة الإعمار، فضلا عن إدارة ما بعد الحرب، دون معالجة جذور الصراع أو إنهاء الاحتلال
إن مصطلح "السلام" هنا لا يعني
العدالة أو التحرر أو إرجاع الحقوق لأصحابها، بل هو إدارة طويلة الأمد للنزاعات
عبر الاقتصاد، وتحويل الكارثة الإنسانية إلى فرصة استثمار، والركام إلى نموذج
أعمال. وفي حالة غزة، يتخذ هذا المنهج بعدا أخطر، إذ يُراد إعادة هندسة القطاع
اقتصاديا وديموغرافيا وثقافيا، وتحويله إلى مساحة خاضعة للوصاية، تُفتح فيها
الأبواب أمام استثمارات مشروطة، وتُنتزع فيها السيطرة على الموارد والموقع
الجغرافي والمنافذ المحتملة، بما يخدم مصالح الهيمنة الأمريكية ويصب في مصلحة
الكيان الصهيوني.
ولا يكتمل تحليل هذا المشروع دون التوقف
عند الدور العربي والإسلامي، الذي لم يعد يقتصر على الصمت أو العجز، بل تطوّر في
بعض الحالات إلى شراكة سياسية واقتصادية مباشرة. فمشروع إعادة هندسة غزة لا يمكن
أن يمر دون غطاء إقليمي، يتمثل في أنظمة ونخب ترى في الاستقرار المزعوم أولوية
تتقدم على العدالة، وفي السكون والخنوع والتآمر بديلا عن إزاحة الاحتلال، وفي
الاستثمار بديلا عن التحرر. والأخطر أن هذا الغطاء لا يسهّل الاستعمار الاقتصادي
فحسب، بل يندمج في حرب أوسع على الهوية الإسلامية لغزة، عبر تفريغها من بعدها
العقدي والثقافي، وتحويلها من فضاء مقاومة إلى فضاء استهلاك وسياحة وخدمات. هكذا
يُمنح المشروع شرعية زائفة، ويُعاد إنتاج الاحتلال بأدوات متعددة الأيدي، تُدار
فيها الهيمنة باسم التنمية، وتُستهدف الهوية باسم السلام.
جوهر هذا الطرح يتمثل في السعي إلى تحويل
غزة إلى ما يُسوَّق له بوصفه "ريفيرا شرق المتوسط"، وفق تصور يُلغي
التاريخ ويعيد تشكيل الجغرافيا والإنسان معا. فالمسألة ليست إعادة بناء ما دمّرته
الحرب، بل إعادة تعريف غزة نفسها: من أرض ذات هوية إسلامية مقاومة إلى كيان
اقتصادي منزوع الذاكرة، خاضع للرقابة الأمنية، ومفتوح لرؤوس الأموال المشروطة.
وبذلك، تصبح السيطرة على الموارد والممرات جزءا من مشروع هيمنة شامل، تُدار فيه
السياسة بلغة الصفقات.
تقديم هذا المشروع داخل منصة عالمية مثل دافوس يمنحه غطاء دوليا، ويُسهم في تطبيع فكرة أن السلام يمكن أن يتحقق دون إنهاء الاحتلال، وأن الإعمار يمكن أن يتم فوق أنقاض الهوية
هذا المنهج لا ينفصل عن نهج ترامب القائم
على القومية الاقتصادية ومنطق الصفقات، حيث يُعاد تعريف السياسة الخارجية بوصفها
سوقا مفتوحة للنفوذ. فالرجل الذي يوقّع على مجلس سلام ينطلق من غزة كنموذج، هو
ذاته الذي يرى العالم من زاوية السيطرة على الموارد والمواقع الاستراتيجية،
ويُقوّض منظومة التعاون متعدد الأطراف. وبهذا المعنى، لا يهدد هذا المسار غزة
وحدها، بل يكشف اتجاها عالميا يُحوّل السلام إلى إدارة نزاعات، والتنمية إلى أداة
إخضاع، ومجلس السلام إلى وسيلة لفرض إتاوات، والبقاء على ما تبقي من مهام مؤسسات
دولية يحركها الغرب كما يشاء.
إن تقديم هذا المشروع داخل منصة عالمية
مثل دافوس يمنحه غطاء دوليا، ويُسهم في تطبيع فكرة أن السلام يمكن أن يتحقق دون
إنهاء الاحتلال، وأن الإعمار يمكن أن يتم فوق أنقاض الهوية. وهنا تتجلى أزمة
النظام الاقتصادي العالمي، الذي بات مستعدا للتعامل مع التدمير كفرصة، ومع الشعوب
كعقبة، ومع القيم كخطاب بلا مضمون. كما تتجلى أزمة التبعية التي باتت منهجا لبعض
النظم العربية والإسلامية، بل بعدها تعدى من التبعية إلى التآمر، وأرض غزة التي
تشعبت بدماء الشهداء سينكسر عليها مشروع ترامب وأعوانه، وستبقى غزة منطلق العزة
والإباء والنصر والتمكين.
x.com/drdawaba