أعلن
الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب، أن
السلطات الانتقالية في
فنزويلا ستسلّم الولايات المتحدة الأمريكية ما بين
30 و50 مليون برميل من
النفط الخاضع للعقوبات، وأنه سيشرف شخصيا على إدارة عائدات
هذا النفط لضمان استخدامها لصالح شعبي فنزويلا والولايات المتحدة.
وهذا التصريح يتجاوز كونه خبرا سياسيا إلى
كونه اعترافا صريحا بطبيعة ما جرى ويجري في فنزويلا. فالمسألة لم تعد القرصنة على
رئيس دولة ذات سيادة في بيته وخطفه هو وزوجته، ولم تقتصر على عقوبات أو ضغوط
دبلوماسية، بل باتت تتعلق بمن يملك القرار في الثروة الوطنية، ومن يدير عائداتها،
ومن يحدد أولويات إنفاقها، وهو ما يجعل من التجربة الفنزويلية نموذجا صارخا
لاقتصاد سياسي تُدار فيه الصراعات عبر الأدوات الاقتصادية المدعومة بالقرصنة والبلطجة
والقوة الباطشة.
إن فنزويلا تمثل واحدة من أكثر الحالات
دلالة في الاقتصاد السياسي المعاصر، إذ يصعب اختزال ما حدث فيها في سوء إدارة
داخلية أو فساد إداري فقط، كما لا يمكن تجاهل البعد الخارجي المتعلق بالحروب
الاقتصادية والصراع الجيوسياسي. فبلد يمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم
تحوّل خلال أقل من عقدين من دولة ذات دخل متوسط مرتفع إلى اقتصاد يعاني من تضخم
مفرط، وانهيار نقدي، وتفكك اجتماعي، وهجرة جماعية واسعة، ما يفرض قراءة تحليلية
تتجاوز التفسيرات السطحية.
يبرز في هذا الإطار ما يمكن وصفه بنطاق الحماية الأمريكية المرتبط بالأمن القومي للولايات المتحدة، والخاص بالدول التي تُعد مواردها ومواقعها جزءا من الحسابات الاستراتيجية الأمريكية، بحيث يُنظر إلى أي خروج عن الدور المرسوم لها بوصفه تهديدا مباشرا للأمن القومي الأمريكي
ويقتضي الفهم العلمي لهذه التجربة الربط
بين الاقتصاد السياسي والحروب الاقتصادية التي تدعمها القوة العسكرية، حيث أصبحت
العقوبات أداة مركزية في إدارة الصراع الدولي. فمنذ أن تبنّت فنزويلا، خصوصا في
عهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز، خطابا استقلاليا في
إدارة الثروة النفطية، وسعت إلى تأميم القطاع وتقليص نفوذ الشركات الأجنبية،
وإعادة توجيه الريع النفطي نحو البرامج الاجتماعية، دخلت في مواجهة غير مباشرة مع
النظام الاقتصادي العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة. هذه المواجهة لم تتخذ شكل
حرب عسكرية تقليدية، بل تجسدت في عقوبات مالية ونفطية خانقة، وتجميد للأصول
السيادية، ومنع من الوصول إلى أسواق التمويل والتكنولوجيا، وهي أدوات ثبت تاريخيا
أنها كفيلة بإحداث شلل تدريجي في الاقتصادات الريعية المعتمدة على مصدر واحد
للدخل.
وفي هذا السياق تتجلى لعنة النفط بأقسى
صورها، حيث أدى الاعتماد شبه الكامل على صادرات النفط إلى إضعاف القطاعات
الإنتاجية الأخرى، وتكوين اقتصاد ريعي هش تتحول فيه الدولة إلى موزّع للثروة لا
مولّد لها. ومع تقلب أسعار النفط عالميا، لا سيما منذ عام 2014، تراجعت الإيرادات
العامة بصورة حادة، في وقت كانت فيه الدولة محاصرة ماليا وغير قادرة على الاقتراض
أو إعادة هيكلة ديونها. وهكذا تحولت لعنة الموارد من مشكلة هيكلية داخلية إلى عامل
مضاعِف لآثار الحرب الاقتصادية، فانفجرت أزمة العملة، واندفع الاقتصاد نحو تضخم
مفرط، وتآكلت الدخول الحقيقية للمواطنين على نحو غير مسبوق.
ويبرز في هذا الإطار ما يمكن وصفه بنطاق الحماية الأمريكية المرتبط
بالأمن القومي للولايات المتحدة، والخاص بالدول التي تُعد مواردها ومواقعها جزءا
من الحسابات الاستراتيجية الأمريكية، بحيث يُنظر إلى أي خروج عن الدور المرسوم لها
بوصفه تهديدا مباشرا للأمن القومي الأمريكي.
لقد كانت فنزويلا لعقود طويلة موردا رئيسيا
للنفط إلى السوق الأمريكية بحكم القرب الجغرافي وطبيعة الخام النفطي، غير أن
خروجها عن هذا الدور التقليدي، عبر تأميم قطاع الطاقة وبناء تحالفات سياسية
واقتصادية مع قوى دولية منافسة، جعلها في نظر واشنطن نموذجا مقلقا يجب احتواؤه أو
كسره، خشية تحوّله إلى سابقة إقليمية تشجع دولا أخرى على انتهاج مسار استقلالي
مشابه.
وقد يبدو متناقضا اهتمام الولايات المتحدة
بالنفط الفنزويلي رغم امتلاكها احتياطيات ضخمة من النفط الصخري، غير أن التحليل
الاقتصادي يكشف أبعادا أعمق؛ فالنفط الفنزويلي نفط ثقيل يتلاءم مع مصافٍ أمريكية
صُممت خصيصا لمعالجته، في حين أن النفط الصخري أعلى تكلفة، وأكثر حساسية لتقلبات
الأسعار، ويتسم بقصر عمر الآبار واحتياجه المستمر إلى استثمارات مرتفعة للحفاظ على
مستويات الإنتاج. كما أن تنويع مصادر الطاقة يظل هدفا استراتيجيا للأمن القومي
الأمريكي، ما يجعل السيطرة على تدفقات النفط الفنزويلي، أو على الأقل منع خصوم
واشنطن من الاستفادة منه، مسألة تتجاوز منطق الاكتفاء الذاتي الظاهري.
أما نتائج ما يمكن وصفه بالقرصنة
الاقتصادية، فقد كانت كارثية على المجتمع الفنزويلي، حيث تراجع الناتج المحلي
الحقيقي بصورة حادة، وتفككت الطبقة الوسطى، وانهارت القدرة الشرائية للأجور،
وتدهورت الخدمات الصحية والتعليمية، وارتفعت معدلات الفقر والهجرة. والأخطر من ذلك
أن السيادة الاقتصادية نفسها تعرضت للتآكل، إذ فقدت الدولة قدرتها على استخدام
أدوات السياسة المالية والنقدية التقليدية، وتحولت من فاعل اقتصادي إلى كيان يدير
أزمة بقاء تحت ضغط الحصار والعزلة.
ينبغي التأكيد على أن الاستقلال الاقتصادي لا ينفصل عن الاستقلال العسكري، فالدول التي لا تمتلك قرارها الدفاعي، وتُبقي سلاحها مرتهنا للخارج، تظل عرضة للابتزاز السياسي والاقتصادي في لحظات الأزمات
والدرس المستفاد من التجربة الفنزويلية لا يخص
فنزويلا وحدها، بل يمتد بوضوح إلى الدول العربية والإسلامية، ولا سيما تلك التي
تقوم اقتصاداتها على الريع النفطي أو مورد طبيعي واحد. فامتلاك الثروة لا يعني
بالضرورة امتلاك القوة، ما لم تُدعّم هذه الثروة بتنويع اقتصادي حقيقي، وبناء
قاعدة إنتاجية مستقلة، ومؤسسات قوية، وجيش وطني قوي، واستقلال في القرار المالي
والنقدي. كما تكشف التجربة أن الانخراط غير المحسوب في صراعات جيوسياسية، دون
امتلاك أدوات القوة والصمود الاقتصادي، قد يحوّل الموارد الاستراتيجية إلى نقطة
ضعف قاتلة بدل أن تكون مصدر قوة.
ومن ثم ينبغي التأكيد على أن الاستقلال
الاقتصادي لا ينفصل عن الاستقلال العسكري، فالدول التي لا تمتلك قرارها الدفاعي،
وتُبقي سلاحها مرتهنا للخارج، تظل عرضة للابتزاز السياسي والاقتصادي في لحظات
الأزمات. فامتلاك السلاح بيد الدولة، وتنويع مصادره، وبناء قاعدة للصناعات
الدفاعية الوطنية، لا يُعد ترفا عسكريا، بل هو عنصر ضروري وأساسي للسيادة
الاقتصادية، وأداة ردع تحول دون تحويل الضغوط الاقتصادية إلى إملاءات سياسية تمس
القرار الوطني. وقد أثبت الواقع أن من لا يملك قوة تحمي قراره الاقتصادي، يبقى
عرضة لأن تُصادر ثرواته أو تُدار ضده حروب اقتصادية طويلة الأمد.
وختاما، فإن ما كشفته تصريحات ترامب ليس
حدثا استثنائيا، بل خلاصة مسار طويل من الحصار ولعنة الموارد واختلال موازين
القوة، حيث تُدار الحروب في القرن الحادي والعشرين بالعقوبات الاقتصادية التي
تحميها القوة العسكرية، ويُعاد تشكيل النفوذ عبر الحصار الاقتصادي والتدخل العسكري
إن لزم الأمر، وهو درس ينبغي أن يُقرأ بعمق في العواصم العربية والإسلامية قبل فوات الأوان.
x.com/drdawaba