قضايا وآراء

فنزويلا بعد مادورو: من يملك السلطة.. ومن يملك النفط؟

محمد الصاوي
"ساحة مواجهة استراتيجية يتم فيها اختبار حدود التدخل الخارجي في شؤون الدول ذات العمق النفطي والسياسي"- جيتي
"ساحة مواجهة استراتيجية يتم فيها اختبار حدود التدخل الخارجي في شؤون الدول ذات العمق النفطي والسياسي"- جيتي
شارك الخبر
(اعتقال رئيس من قصره ليس نهاية حكم، بل بداية معركة على السيادة والقرار والثروة. وبين صور الاحتفال في الشوارع وصمت المؤسسات، تبدأ أخطر مراحل التحول السياسي)

مقدمة

شهدت فنزويلا في 3 كانون الثاني/ يناير 2026 عملية عسكرية مفاجِئة قادتها الولايات المتحدة أدّت إلى اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو داخل مجمّع عسكري في العاصمة كاراكاس، ثم نقله خارج البلاد لمحاكمته في نيويورك بتهم عديدة بينها الاتجار بالمخدرات بحسب الادعاء الأمريكي. هذه العملية لم تكن مجرد حدث عسكري، بل تحوّل استراتيجي في مسار الدولة والهوية الوطنية، يستدعي قراءة متعمّقة في سياقات التاريخ البنيوي، والصراعات الدولية، والخيارات الاقتصادية.

دلالة اعتقال مادورو بشكل مهين: دولة خارج نطاق السيادة

عملية اعتقال رئيس دولة داخل مجمّعه الرئاسي تمّت بواسطة قوة عسكرية أجنبية هي أقصى درجات الإذلال المؤسسي. الحدث هنا لا يقتصر على إسقاط شخص، بل إسقاط رمزية الدولة نفسها أمام جهة خارجية، وهذا يحمل ثلاث دلالات استراتيجية:

عملية اعتقال رئيس دولة داخل مجمّعه الرئاسي تمّت بواسطة قوة عسكرية أجنبية هي أقصى درجات الإذلال المؤسسي. الحدث هنا لا يقتصر على إسقاط شخص، بل إسقاط رمزية الدولة نفسها أمام جهة خارجية

- تكريس هيمنة القوة على القرار السياسي الداخلي.

- إضعاف الاعتراف الدولي بالسيادة الوطنية.

- فتح الباب أمام إعادة ترتيب السلطة وفق مصالح خارجية.

التسوية التي قد تلي مثل هذا الحدث غالبا تتطلّب إعادة بناء الدولة عبر شروط خارجية، ما يضع فنزويلا في سيناريو مشابه لتجارب عراق 2003 وليبيا 2011، حيث لا يبدأ البناء إلا بعد انهيار شامل، وغالبا بوصاية أو قيادة دولية.

مادورو: الخلفية السياسية ومسار السياسات المؤدية للأزمة

الخلفية

نيكولاس مادورو جاء من خلفية نقابية يسارية، وبرز داخل الحركة البوليفارية في عهد هوغو تشافيز. شغل منصب وزير الخارجية (2006-2013)، ثم نائب الرئيس، قبل أن يتولى الرئاسة عام 2013.

السياسات الاقتصادية

واصل مادورو نموذج الدولة الريعية الشعبوية المعتمد على النفط، حيث:

- شكّل النفط أكثر من 90 في المئة من الصادرات

-تراجع إنتاج النفط من نحو 2.5 مليون برميل/يوم (2013) إلى أقل من 800 ألف برميل/يوم (2020).

- انكمش الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من 70 في المئة بين 2014-2021.

- بلغ التضخم مستويات مفرطة بلغت مليون في المئة عام 2018.

السياسات السياسية والمؤسسية

اتسم حكم مادورو بتقويض استقلال القضاء، وتحجيم البرلمان المنتخب (2015)، والاعتماد المتزايد على المؤسسة العسكرية،  تعزيز التحالف مع روسيا والصين وإيران لمواجهة العزلة الغربية.

العقوبات الأمريكية منذ 2017 عمّقت الأزمة، لكنها لم تكن سببها الوحيد، بل عاملا مسرعا لانهيار بنيوي سابق. فالأزمة الفنزويلية هي أزمة نموذج حكم، لا أزمة شخص فقط.

خلفية الأزمة الاقتصادية: النفط محور الصراع

النفط.. جوهر الصراع الحقيقي

تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، يقدّر بأكثر من 300 مليار برميل (OPEC). لكن هذا المورد الهائل لم يُحوِّل الدولة إلى قوة اقتصادية مستقرة بسبب ما يُعرف في العلوم السياسية بـ"الدولة الريعية" (rentier state)، حيث يسيطر النفط على الاقتصاد السياسي، وتُهمل القطاعات الإنتاجية الأخرى، ويتحوّل النفط إلى سلعة سياسية أكثر من كونه مورد تنموي.

هذا النموذج يجعل الدولة هشّة أمام الصدمات الخارجية، ويجعل الصراع على السيطرة عليها ذا أهمية استراتيجية للدول الكبرى.

العقوبات الأمريكية السابقة عمّقت الأزمة الاقتصادية، كما أدّت إلى انخفاض طاقات الإنتاج النفطي، ما أثّر سلبا على الناتج المحلي ونسب الفقر التي طالت ملايين الفنزويليين خلال عقدين من الأزمة البنيوية.

في ظل اضطراب أسواق الطاقة العالمية والحرب في أوكرانيا، تصبح فنزويلا هدفا استراتيجيا لإعادة إدماج نفطها في السوق الغربية، وتقليص نفوذ روسيا والصين في قطاع الطاقة، وإعادة فتح المجال أمام شركات مثل "Chevron" و"ExxonMobil".

ماريا كورينا ماتشادو: المعارضة بين الديمقراطية والارتباط الخارجي

زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة على جائزة نوبل للسلام عام 2025، تمثل تيارا يرفض النظام القديم ويطالب بالتغيير السريع، وهو تيار حظي بدعم رمزي من المجتمع الدولي، ويُنظر إليه في بعض الدوائر كبديل محتمل لما بعد مادورو.

لكن من الضروري التذكير بأن جائزة نوبل لم تُمنح لها كاعتراف عالمي نهائي لقائد دولة، بل كاعتراف رمزي بنضالها السياسي، وماتشادو أعلنت دعمها للأفعال الأمريكية ضد النظام، معتبرة أن الضغط الخارجي كان حاسما في تراجع السلطة السابقة.

وقد أبدت موقفا متقدما من إسرائيل، معلنة نيّتها نقل السفارة الفنزويلية إلى القدس في حال وصولها إلى الحكم، في انقلاب دبلوماسي واضح عن السياسة الفنزويلية التقليدية التي كانت داعمة للقضية الفلسطينية.

هذه الخلفيات تُبرز أن ماتشادو لا تمثّل فقط المعارضة الداخلية، بل تحالفا سياسيا وجيو-استراتيجيا له امتدادات خارجية، وهو ما يؤثر على كيفية تصوير المرحلة القادمة من السلطة.

فنزويلا وساحة الصراع الدولي (واشنطن- موسكو- بكين):

كانت فنزويلا على مدى عقود منصة لصراع النفوذ بين القوى الكبرى:

- الولايات المتحدة: تعاملت مع فنزويلا كجيران لها في نصف الكرة الغربي، ووضعت استراتيجيات ضغط اقتصادي وسياسي مستمرة منذ عقود.

- روسيا: دعمت النظام السابق اقتصاديا وعسكريا، واعتبرت التدخل الأمريكي تجاوزا للسيادة.

- الصين: موّلت مشاريع وبنى تحتية بما يفوق 60 مليار دولار منذ 2007، معظمها مرتبط بالطاقة. اتخذت الصيت موقفا صارما ضد الضربة الأمريكية معتبرة أنها انتهاك للسيادة الدولية.

هذا التنافس الدولي يجعل فنزويلا أكثر من مجرد أزمة داخلية؛ بل ساحة مواجهة استراتيجية يتم فيها اختبار حدود التدخل الخارجي في شؤون الدول ذات العمق النفطي والسياسي.

دروس العراق.. التحذير الذي لا يُقرأ

العراق بعد 2003 لم يُحرَّر، بل نُهبت موارده، فُككت مؤسساته، غُيّبت سيادته. والتشابه مع فنزويلا لا يكمن في الشخصيات، بل في النموذج: إسقاط نظام تحت شعار الديمقراطية، ثم فرض ترتيبات اقتصادية وسياسية طويلة الأمد.

تأثير الاعتقال والانتقال المتوقع على السياسة الدولية

اعتقال مادورو يحمل احتمالين متناقضين:

1. تحرير ديمقراطي داخلي بحدود دولية: إذا تمّ انتقال السلطة عبر توافقات داخلية مدعومة دوليا، مع احترام القانون الدولي.

2. وصاية خارجية على موارد الدولة: إذا تمّ فرض قيادة جديدة بقيادة أحزاب أو قوى مرتبطة بالقوة الخارجية المسيطرة.

تصريحات ترامب حول احتمال تولّي ماتشادو بعد سقوط مادورو تُثبت أن هناك إعادة ترتيب سياسي يتمّ بناء على حسابات استراتيجية وخارجية أكثر من مجرد إرادة شعبية داخلية. إذا تمّ توقيع اتفاقات استراتيجية بين المعارضة والممثلين الأمريكيين، خصوصا في مجال النفط والاستثمارات، فإن هذا سينعكس لاحقا على تغيير وجهات العلاقات الدولية لفنزويلا (نحو علاقات أكثر قربا من توازنات غربية):

اعتقال مادورو داخل القصر الرئاسي واعتباره فعلا مهينا للدولة ليس حدثا عابرا، بل يُظهر مدى قوة التدخل الخارجي في إعادة رسم الخريطة السياسية الفنزويلية

- ارتباطات عسكرية وأمنية جديدة في أمريكا اللاتينية لم تكن موجودة في السابق.

- ضغوط مضادة من روسيا والصين للحفاظ على نفوذهم في المنطقة.

خلاصة استراتيجية

1. اعتقال مادورو داخل القصر الرئاسي واعتباره فعلا مهينا للدولة ليس حدثا عابرا، بل يُظهر مدى قوة التدخل الخارجي في إعادة رسم الخريطة السياسية الفنزويلية.

2. المرحلة القادمة تعتمد على كيفية توازن القوى بين الداخل والخارج، وما إذا كان هناك انتقال حقيقي للسلطة عبر توافق وطني، أو عبر مشروع ترتيبي خارجي.

3. المعارضة بقيادة ماتشادو تمثل مشروعا مختلفا سياسيا وجيواستراتيجيا، خصوصا مع مواقفها من إسرائيل وارتباطاتها الدولية، مما يخفض احتمالات العودة إلى السياسات التقليدية التي عرفتها فنزويلا سابقا.

4. الصراع الدولي على فنزويلا يعكس تغيرات أكبر في النظام العالمي، حيث تتصارع القوى العظمى حول مواقع استراتيجية نفطية وسياسية.

ما بعد مادورو.. سؤال السيادة قبل سؤال الحكم

القضية في فنزويلا ليست من سيحكم، بل من يكتب العقد الاجتماعي الجديد؟ من يسيطر على النفط؟ ومن يملك القرار السيادي؟ الفرح السريع بسقوط رأس النظام قد يكون، كما في بغداد، بداية مأساة مؤجلة.
التعليقات (0)