أمريكا بعد التنف: لماذا أصبح الانسحاب من سوريا ضرورة استراتيجية؟

محمد الصاوي
"المهمة استنفدت مبرراتها الأصلية، وكلفتها السياسية والعسكرية لم تعد متناسبة مع عائدها"- الجيش الأمريكي
"المهمة استنفدت مبرراتها الأصلية، وكلفتها السياسية والعسكرية لم تعد متناسبة مع عائدها"- الجيش الأمريكي
شارك الخبر
التاريخ يُظهر أن القوى الكبرى لا تُستنزف في لحظة هزيمة كبرى، بل في الإصرار على التمسك بجبهات لم تعد تخدم مصالحها الحيوية. الوجود العسكري الأمريكي في سوريا يقترب من هذه النقطة الحساسة؛ نقطة يصبح فيها البقاء أقل عقلانية من الانسحاب.

اللحظة التي تكشف حدود القوة

ليست كل مغادرة هزيمة، كما أن البقاء ليس دائما دليل قوة. ما يجري اليوم في سوريا يمثل اختبارا لقدرة الولايات المتحدة على التمييز بين ما هو حيوي لأمنها القومي، وما تحول إلى التزام منخفض العائد.

منذ بدء التدخل العسكري عام 2014 في عهد الرئيس باراك أوباما تحت عنوان محاربة تنظيم داعش، كان الهدف واضحا: تفكيك البنية الجغرافية للتنظيم ومنع استخدام الأراضي السورية كمنصة لتهديد الأمن الدولي، وقد تحقق هذا الهدف بدرجة كبيرة عبر التحالف الدولي وبدعم شراكات محلية.

هذا التحول لا يعني انسحابا من الشرق الأوسط، بل انتقالا من نموذج "الانتشار المفتوح" إلى نموذج "الموازنة الذكية". الموارد العسكرية والسياسية ليست بلا حدود، وتوزيعها على مسارح منخفضة الأولوية قد يضعف القدرة على الردع في مناطق أكثر حساسية

لكن المهمة تمددت تدريجيا، فإلى جانب مكافحة الإرهاب، أصبح الوجود الأمريكي أداة لاحتواء النفوذ الإيراني، وضبط توازنات ميدانية معقدة في شمال شرق سوريا. ومع تغير البيئة الأمنية وتراجع كثافة العمليات ضد داعش مقارنة بسنوات الذروة، بدأت واشنطن تعيد النظر في جدوى الانتشار المستمر.

تقارير منشورة في صحيفة نيويورك تايمز وصحيفة وول ستريت جورنال خلال عام 2024 كشفت عن نقاشات داخل وزارة الدفاع الأمريكية حول مستقبل القوات في سوريا، في ضوء ارتفاع المخاطر وتغير الأولويات. كما رصدت رويترز تحركات عسكرية وإعادة انتشار للقوات بين سوريا والأردن لتعزيز الحماية وتقليل الانكشاف.

الأرقام التي تعيد تعريف النقاش

وفق تقارير وزارة الدفاع الأمريكية وتقارير المفتش العام لعملية "العزم الصلب"، يتراوح عدد القوات الأمريكية في سوريا بين 800 و900 عنصر. وبعد تشرين الأول/ أكتوبر 2023، سُجل أكثر من 150 هجوما بالطائرات المسيّرة والصواريخ على مواقع أمريكية في سوريا والعراق خلال أشهر معدودة، ما رفع مستوى المخاطر التشغيلية بصورة ملحوظة.

أما من حيث الكلفة، فالمهمة السورية تُدرج ضمن مخصصات عملية "العزم الصلب"، التي تكلّف سنويا مليارات الدولارات ضمن اعتمادات العمليات الخارجية لوزارة الدفاع الأمريكية.

هذه الأرقام تعيد طرح السؤال الجوهري: هل يبرر هذا الانتشار المحدود -عالي المخاطر نسبيا- كلفته الاستراتيجية في لحظة تعيد فيها واشنطن ترتيب أولوياتها العالمية؟

من الشرق الأوسط إلى المحيطين الهندي والهادئ

التحول في التفكير الاستراتيجي الأمريكي بات واضحا في وثائق الأمن القومي والدفاع الصادرة عن البيت الأبيض ووزارة الدفاع في عامي 2022 و2023، حيث تتقدم منافسة القوى الكبرى -خصوصا الصين- سلم التهديدات.

هذا التحول لا يعني انسحابا من الشرق الأوسط، بل انتقالا من نموذج "الانتشار المفتوح" إلى نموذج "الموازنة الذكية". الموارد العسكرية والسياسية ليست بلا حدود، وتوزيعها على مسارح منخفضة الأولوية قد يضعف القدرة على الردع في مناطق أكثر حساسية مثل أوروبا الشرقية والمحيطين الهندي والهادئ.

في هذا السياق، يبدو الوجود العسكري في سوريا أقرب إلى التزام متبقٍ من مرحلة "الحرب على الإرهاب"؛ أكثر منه ركيزة في الاستراتيجية الكبرى الجديدة.

الردع والمصداقية: بين الصورة والواقع

يرى معارضو الانسحاب أن أي مغادرة قد تُفسَّر كضعف في الردع، غير أن الربط التلقائي بين التمركز العسكري والمصداقية يتجاهل حقيقة أن الردع يقوم على القدرة، لا على الانتشار الرمزي.

الولايات المتحدة قادرة على التدخل السريع من قواعد إقليمية، وعلى توظيف أدوات استخباراتية وسيبرانية ودبلوماسية لضبط التوازنات. أما الإصرار على البقاء في مسرح منخفض الأهمية خشية "صورة الضعف"، فقد يؤدي إلى استنزاف تدريجي يُقوّض الردع بدل أن يعززه. الردع المستدام يتطلب وضوحا في تعريف المصالح الحيوية، لا انتشارا بلا نهاية.

حسابات الحلفاء الإقليميين

أي انسحاب أمريكي لن يكون قرارا ثنائيا بين واشنطن ودمشق، بل سيؤثر في حسابات قوى إقليمية رئيسية.

في حالة إسرائيل، يُنظر إلى الوجود الأمريكي كعنصر توازن غير مباشر في مواجهة التمركز الإيراني، رغم اعتماد تل أبيب أساسا على قدراتها الذاتية في تنفيذ ضربات استباقية.

أما تركيا، فترتبط مقاربتها بالملف الكردي شمال شرق سوريا، ما يجعلها معنية بضمان ترتيبات أمنية تحول دون قيام تهديد حدودي دائم.

بالنسبة إلى الأردن، يظل أمن الحدود ومنع تهريب السلاح والمخدرات أولوية قصوى، ما يتطلب استمرار تنسيق استخباراتي فعال، سواء بوجود أمريكي مباشر أو عبر ترتيبات بديلة.

ومن ثم، فإن الانسحاب المنظم ينبغي أن يُدار ضمن مشاورات إقليمية مسبقة، لتفادي أي فراغ أمني مفاجئ.

لماذا يجب أن تنسحب الولايات المتحدة؟

الجواب، من منظور استراتيجي بحت، واضح: لأن المهمة استنفدت مبرراتها الأصلية، ولأن كلفتها -السياسية والعسكرية- لم تعد متناسبة مع عائدها.

القضية لا تتعلق بسوريا وحدها، بل بقدرة الولايات المتحدة على إعادة تعريف مفهوم القوة في عالم متعدد الأقطاب. هل تستطيع واشنطن أن تثبت أن الانسحاب المدروس يمكن أن يكون فعل قوة، لا علامة ضعف؟

البقاء العسكري المحدود لا يمنع تمدد النفوذ الإيراني بصورة حاسمة، ولا يعيد تشكيل المشهد السوري وفق المصالح الأمريكية، في المقابل، يعرّض القوات الأمريكية لمخاطر تصعيد غير محسوب، ويستهلك موارد يمكن توجيهها إلى أولويات أكثر إلحاحا في سياق التنافس الدولي.

الاستراتيجية الناجحة ليست تلك التي تتجنب الانسحاب، بل تلك التي تعرف متى تنهي مهمة استنفدت جدواها.

جدول خروج منظم

الانسحاب ليس قرارا لحظيا، بل عملية يجب أن تُدار عبر مسارات متوازية:

1. تعزيز التنسيق الاستخباراتي الإقليمي لمنع عودة التنظيمات العابرة للحدود.

2. دعم ترتيبات أمنية محلية تتحمل فيها القوى الإقليمية مسؤولية أكبر.

3. إعادة ضبط الإطار القانوني لاستخدام القوة خارج مناطق النزاع التقليدية.

الغموض هو ما يضعف الردع، لا الانسحاب المنظم؛ إعلان استراتيجية خروج واضحة قد يعزز المصداقية أكثر مما يفعل استمرار انتشار رمزي بلا أفق سياسي.

ما بعد سوريا: اختبار إعادة تعريف القوة

القضية لا تتعلق بسوريا وحدها، بل بقدرة الولايات المتحدة على إعادة تعريف مفهوم القوة في عالم متعدد الأقطاب. هل تستطيع واشنطن أن تثبت أن الانسحاب المدروس يمكن أن يكون فعل قوة، لا علامة ضعف؟

الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل الوجود الأمريكي في سوريا فحسب، بل ستكشف شكل الدور الأمريكي في النظام الدولي خلال العقد المقبل.
التعليقات (0)