الشكل والمعنى مقابل القوة والدمار.. قراءة في تجربة العرب الكبرى

عادل الحامدي
لم تكن نكبة فلسطين حدثًا طارئًا، بل نتيجة منطقية لتجربة سياسية قررت أن تُنشئ كيانًا بالقوة، وتختبر إمكانية شطب شعب من الجغرافيا والتاريخ معًا.. الأناضول
لم تكن نكبة فلسطين حدثًا طارئًا، بل نتيجة منطقية لتجربة سياسية قررت أن تُنشئ كيانًا بالقوة، وتختبر إمكانية شطب شعب من الجغرافيا والتاريخ معًا.. الأناضول
شارك الخبر
في البدء كانت التجربة. هكذا قال الأدب عن نفسه حين تمرّد على القوالب، وكسر عمود الشعر، وخرج من يقينيات السرد الكلاسيكي إلى مغامرة الشكل والمعنى. روائيو الحداثة، وروّاد الشعر الحر، لم يكونوا يلهون باللغة، بل كانوا يختبرونها، يضعونها في مختبر الوجود، يسألون: ماذا يحدث لو كتبنا خارج السياج؟ ماذا لو جعلنا النص ساحة شك لا منبر يقين؟

السياسة، على نحوٍ ما، فعلت الشيء ذاته، ولكن بثمنٍ أفدح. السياسة أيضًا تجربة، لكنها ليست تجربة في مختبرٍ معزول، بل في أجساد الشعوب، في خرائط الدول، في مصائر الأمم. ومنذ أكثر من قرن، ونحن ـ كعالم عربي وشرقٍ مثخن بالذاكرة ـ موضوعٌ دائم لسياسات التجريب، لا بوصفنا شركاء في السؤال، بل كمواد خام للاختبار.

السياسة، على نحوٍ ما، فعلت الشيء ذاته، ولكن بثمنٍ أفدح. السياسة أيضًا تجربة، لكنها ليست تجربة في مختبرٍ معزول، بل في أجساد الشعوب، في خرائط الدول، في مصائر الأمم. ومنذ أكثر من قرن، ونحن ـ كعالم عربي وشرقٍ مثخن بالذاكرة ـ موضوعٌ دائم لسياسات التجريب، لا بوصفنا شركاء في السؤال، بل كمواد خام للاختبار.
إذا أعدنا قراءة التاريخ بعجالة، سنجد الخيط نفسه يمتد بلا انقطاع. من عام 1916، حين رُسمت الوعود على رمال الثورة العربية الكبرى، لا بوصفها مشروع تحرر حقيقي، بل كأداة في معادلات القوى الكبرى. ثم 1948، حيث لم تكن نكبة فلسطين حدثًا طارئًا، بل نتيجة منطقية لتجربة سياسية قررت أن تُنشئ كيانًا بالقوة، وتختبر إمكانية شطب شعب من الجغرافيا والتاريخ معًا.

ما تلا ذلك لم يكن إلا فصولًا متعاقبة من التجريب ذاته: حروب، انقلابات، هزائم تُسمّى "نكسات"، ومعارك يُعاد تدويرها بلا مراجعة أخلاقية. كل مرة كان السؤال واحدًا: إلى أي مدى يمكن للقوة أن تمضي من دون عدل؟ وإلى متى يمكن إخضاع المجتمعات باسم الاستقرار؟

وحين انتقل المختبر إلى أفغانستان والعراق، بدا أن التجربة قد بلغت ذروتها الوقحة. إسقاط أنظمة بالقوة، إعادة هندسة مجتمعات كاملة تحت شعارات الديمقراطية، ثم ترك الخراب يتكفل بالباقي. لم يكن الفشل هناك عرضيًا، بل كان جزءًا من التجربة نفسها: ماذا يحدث حين تُفرض الحرية من فوهة الدبابة؟

وهذا ينطبق على الفلسطينيين في غزة، حيث أن الإبادة التي تعرضوا لها وتحويل وطنهم إلى رماد لم تمحِ من قلوبهم حب تلك الأوطان. فهم يقفون طوابير على معبر رفح، عاقدي العزم على العودة، مستعدين للموت على الأرض التي أراد المحتلون إخراجهم منها، متحدين التجربة نفسها التي حاولت تدمير إرادتهم ومصيرهم.

ثم جاء الفصل الأكثر فجاجة: التحالف الصريح مع القوى الصلبة في منطقتنا، لا لحماية الشعوب، بل لمنع أي انتقال ديمقراطي حقيقي. أصبح الاستبداد "ضرورة واقعية"، وأُعيد تعريف الاستقرار بوصفه غياب التغيير، لا حضور العدالة. هكذا تحولت السياسة من فن إدارة الممكن إلى علم قمع الممكن.

القوة وحدها ستظل صمّاء وعمياء. قد تنتصر عسكريًا، وقد تفرض واقعًا مؤقتًا، لكنها لا تبني حياة. العدل وحده هو ما يمنح القوة معنى، ويحوّلها من أداة قسر إلى إطار حماية. العدل ليس قيمة أخلاقية مجردة، بل شرط وجودي، قوام الحياة وأساسها.
واليوم، نعيش ذروة هذا المسار في غزة. الإبادة ليست حدثًا منفصلًا، بل نتيجة منطقية لتاريخ طويل من التجريب على الدم العربي. اختبارٌ جديد: هل يمكن تدمير مدينة كاملة على مرأى العالم؟ هل يمكن تسويغ القتل الجماعي بلغة القانون والأمن؟ وهل يمكن للعالم أن يعتاد ذلك؟

والآن، يُلوَّح بغزو إيران، كأن التجربة لم تشبع بعد، وكأن الخرائط لم تمتلئ بما يكفي من الرماد. لا حاجة هنا لاستحضار ما جرى للاتحاد السوفييتي ولا لجمهورياته، ولا حتى لمادورو أو لأوروبا الجاثية على أعتاب الولايات المتحدة. الخيط واحد، واليد التي تشده واحدة، والمنطق ذاته يتكرر بأقنعة مختلفة.

لكن ما لا يمكن الوثوق به ـ وهنا تكمن المأساة ـ هو الاعتقاد بأن السياسة يمكن أن تُدار بمنطق الحتميات الرياضية. العلوم الإنسانية، مهما بلغت من دقة، لا تخضع لقوانين الجبر. الإنسان ليس رقمًا، والمجتمع ليس معادلة مغلقة. كل تجربة سياسية تتجاهل هذه الحقيقة محكوم عليها بالانفجار، ولو بعد حين.

القوة وحدها ستظل صمّاء وعمياء. قد تنتصر عسكريًا، وقد تفرض واقعًا مؤقتًا، لكنها لا تبني حياة. العدل وحده هو ما يمنح القوة معنى، ويحوّلها من أداة قسر إلى إطار حماية. العدل ليس قيمة أخلاقية مجردة، بل شرط وجودي، قوام الحياة وأساسها.

الأدب تعلّم، بعد تجاربه القاسية، أن الشكل بلا روح يتحول إلى عبث. والسياسة، إن لم تتعلم الدرس ذاته، ستبقى تكرر التجربة نفسها، منتظرة نتيجة مختلفة، بينما الخراب هو الثابت الوحيد في المعادلة.
التعليقات (0)