التصنيف الأمريكي للإخوان حصار جديد للمقاومة الفلسطينية

قطب العربي
"الإدارة الأمريكية لم تثبت في قرارها أي جرائم إرهابية ارتكبها الإخوان في الأقطار الثلاثة ضد الولايات المتحدة أو مواطنيها"- الأناضول
"الإدارة الأمريكية لم تثبت في قرارها أي جرائم إرهابية ارتكبها الإخوان في الأقطار الثلاثة ضد الولايات المتحدة أو مواطنيها"- الأناضول
شارك الخبر
تزامن صدور القرار التصنيف الأمريكي لـثلاثة فروع للإخوان في دول الطوق الثلاثة (مصر والأردن ولبنان) مع تطبيق خطة ترامب للتسوية في غزة، وخاصة مرحلتها الثانية التي تستهدف -من بين مستهدفات أخرى- استكمال حصار المقاومة، ونزع سلاحها، وإنهاء وجودها في غزة.

وعلى عكس ما يتوهم الكثيرون فإن الإدارة الأمريكية لم تثبت في قرارها الصادر في 13 كانون الثاني/ يناير 2026 أي جرائم إرهابية ارتكبها الإخوان في الأقطار الثلاثة ضد الولايات المتحدة أو مواطنيها في الخارج، وكذا أي جرائم إرهابية أخرى في أوطانهم، بل كان المبرر الوحيد الذي استندت إليه هو تقديم الدعم لحركة حماس، والدعم -حسب البيان الأمريكي- كان عسكريا من الجماعة الإسلامية في لبنان، وتحديدا من خلال قوات الفجر التابعة لها، ولذا جاء تصنيفها من وزارة الخارجية التي أدرجتها على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية بموجب المادة 219 من قانون الهجرة والجنسية، وعلى قائمة الإرهابيين العالميين المصنفين تصنيفا خاصا بموجب الأمر التنفيذي رقم 13224 بصيغته المعدلة، بينما كان الدعم -حسب البيان أيضا- ماديا ومعنويا وسلعيا وخدماتيا من الفرعين الآخرين وهما إخوان مصر والأردن، ولذا خضعا لتصنيف أقل من قبل وزارة الخزانة، بإدراجهما على قائمة العقوبات بموجب الأمر التنفيذي رقم 13224، بصيغته المعدلة، والعقوبات هنا حصرا في أمور مالية، بمعنى تجميد ممتلكات ومصالح الأشخاص المُدرجين أو المُجمّدين (لم يتم تحديدهم في القرار)، سواء كانت موجودة في الولايات المتحدة، أو في حوزة، أو تحت سيطرة أشخاص أمريكيين.

كانت التوقعات أن تصدر الإدارة أمرا تنفيذيا بتصنيف جماعة الإخوان جميعها ككيان إرهابي خارجي، لكن ما حدث هو اقتصار التصنيف على 3 فروع الملاصقة للكيان الصهيوني والتي رأت الإدارة أنها تمثل خطرا عليه

قبل الدخول في مزيد من التفاصيل يجدر التنويه أن التصنيفات الإرهابية العالمية تتدرج في قوتها، فالتصنيفات الصادرة من مجلس الأمن هي الأقوى، وهي ملزمة لكل الدول، وهذا لم يحدث بشأن الإخوان، ثم يأتي التصنيف الأمريكي تاليا، ويتدرج بدوره بين تصنيف وزارة الخارجية وهو الأعلى، وتصنيف وزارة الخزانة وهو الأدنى، كما يحق للكيانات أو الأفراد المدرجين الطعن على قرارات إدراجهم، وتقوم الإدارة من ناحيتها بمراجعة قرارات الإدراج كل عامين، فتحذف منها، أو تضيف إليها.

التصنيف الأمريكي للإخوان جاء بعد محاولة سابقة خلال الدورة الأولى للرئيس ترامب، وكان أحد تعهداته الانتخابية، لكن مساعدي ترامب حالوا دونه لعدم ملاءمته، ولضرره على مصالح الولايات المتحدة ذاتها، وفي الدورة الثانية لترامب تجددت مطالب التصنيف من لوبيات صهيو/ مسيحية داخلية، وحكومات عربية، وكانت التوقعات أن تصدر الإدارة أمرا تنفيذيا بتصنيف جماعة الإخوان جميعها ككيان إرهابي خارجي، لكن ما حدث هو اقتصار التصنيف على 3 فروع الملاصقة للكيان الصهيوني والتي رأت الإدارة أنها تمثل خطرا عليه.

جاء التصنيف ضمن خطوات محمومة لتصفية القضية الفلسطينية، حربا من خلال العدوان الذي استمر سنتين على غزة، وسياسة عبر التسوية الجاري تنفيذها حاليا في غزة، وتستهدف إنهاء المقاومة، وكذا عبر مساعي إعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط برمتها، وتعميم التطبيع الإبراهيمي، ومن ثم فقد رأى صنّاع القرار الأمريكي وحلفاؤهم الإسرائيليين والعرب أن من الضرورة بمكان حرمان المقاومة من حواضنها الشعبية، وخاصة في دول الطوق، وفي طليعة هذه الحواضن جماعة الإخوان المسلمين التي ولدت من رحمها حركة حماس.

لم يخف القرار الأمريكي نواياه، بل كشف بكل صراحة أن سبب التصنيف هو تقديم الدعم لحركة حماس التي صنفتها واشنطن من قبل حركة إرهابية، وللمفارقة لم تهتم بهذا التصنيف خلال العامين الماضيين، وخاضت حوارا مباشرا معها على مستوى سياسي رفيع في الدوحة.

يقول وكيل وزارة الخزانة الأمريكية لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية، جون ك. هيرلي: "لقد ألهمت جماعة الإخوان المسلمين جماعات إرهابية مثل حماس، ورعتها، وموّلتها، وهي تُشكّل تهديدا مباشرا لأمن وسلامة الشعب الأمريكي وحلفائنا، وعلى الرغم من مظهرهما السلمي الظاهر، فقد تآمر فرعا جماعة الإخوان المسلمين في مصر والأردن لدعم إرهاب حماس وتقويض سيادة حكومتيهما، وستستخدم هذه الإدارة جميع الأدوات المتاحة لديها لمحاسبتهما على العنف الذي حرضا عليه".

وبشكل متناقض، ودون أن يقدم توثيقا مفصلا زعم بيان التصنيف أن الجماعة في مصر نسقت مع حماس في عام 2025 بشأن أنشطة محتملة ضد المصالح الإسرائيلية في الشرق الأوسط، وفي منتصف عام 2025، سعى قادة الجناح العسكري لحماس إلى استغلال التوترات في الشرق الأوسط، وتعاونوا مع جماعة الإخوان المسلمين المصرية لتقويض الحكومة المصرية، وزعزعة استقرارها، متلقّين تمويلا من حماس لتحقيق ذلك (نلاحظ هنا أن التمويل من حماس للإخوان! ولا يوجد ذكر لأسماء الأشخاص، ولا حجم وطريقة التمويل، كما لم تعلن السلطات المصرية عن قضية أو متهمين بهذه الاتهامات)، وفي عام 2024 احتاج الأفراد الراغبون في السفر إلى غزة للقتال في صفوف حماس إلى علاقات مع جماعة الإخوان المسلمين، وبمجرد وصول هؤلاء الأفراد إلى مصر، تواصل المقاتلون المحتملون مع الجماعة لدخول غزة، حيث كانت الجماعة تُطلع حماس بانتظام على وضعهم ومكان وزمان إدخالهم للمقاتلين (لم يذكر وقائع وأشخاص محددين أيضا، كما لم تعلن السلطات المصرية عن قضية بهذه الاتهامات)، وفي عام 2023، قام أحد أعضاء الإخوان في السعودية (لم يذكر اسمه) بجمع تبرعات لحماس، ثم حوّل الأموال إلى مقاتليها قبل عودته إلى مصر.

الاتهامات التي صنفت بموجبها الإدارة الأمريكية الإخوان تنطبق بدورها على العديد من الجماعات والقوى الإسلامية والقومية والناصرية التي لا تنكر دعمها للمقاومة الفلسطينية، بل تنطبق على دول وحكومات احتضنت بشكل مباشر المقاومة، وقادتها، وناصرتها ماليا وسياسيا، وبالتالي فلنا أن نتوقع صدور تصنيفات أخرى

الحرب الأمريكية على الإخوان والتي زعم وزير الخارجية أن تصنيف هذه الفروع الثلاثة خطوة أولى فيها تأتي ضمن سياق دولي تتصاعد فيه موجة الإسلاموفوبيا، وضمنها استهداف الجمعيات والكيانات الإسلامية في الغرب، كما تتسع مساحة المؤمنين بالصهيونية المسيحية التي ترى أن دعم المشروع الصهيوني هو واجب ديني لتسريع عودة المسيح ليحكم الأرض ألف عام. وعلى الصعيد الإقليمي يسعى الحلف الصهيوني بوجهيه العبري والعربي لإعادة تشكيل خريطة المنطقة على مستوى الدول والحكومات والقوى والكيانات الشعبية، لتصبح جميعها على مقاس ذلك المشروع، ولا تمثل خطرا عليه، ومن هنا جاء استهداف جماعة الإخوان في دول الطوق الثلاث. وبالمناسبة فقد تم تجاهل التصنيف الإخوان في الدولة الرابعة وهي سوريا، حيث أنهم لا يمثلون خطرا في الوقت الحالي لمواءمات سياسية، وبحكم إقصائهم عن المشهد لنصف قرن تقريبا.

وعلى عكس ما يتوهم الكثيرون فإن التصنيف الأمريكي لن يزيل الإخوان من الوجود، فالجماعة الإسلامية في لبنان التي تعرضت للتصنيف الأشد أكدت أن التصنيف "قرار سياسي وإداري لا يستند إلى أي حكم قضائي لبناني أو دولي، ولا يترتّب عليه أي أثر قانوني داخل لبنان"، وأكدت أنّها "مكوّن سياسي واجتماعي لبناني مرخّص، يعمل بشكل علني وتحت سقف القانون، وله تاريخ معروف في العمل السياسي والنيابي والاجتماعي، دون أن يصدر بحقّه أي قرار قضائي لبناني يدينه أو يجرّمه"، وما يسند موقف الجماعة الإسلامية في لبنان أن حزب الله سبقها إلى هذا التصنيف، ولم يمنعه ذلك من الترشح للانتخابات البرلمانية، والمشاركة في الحكومات اللبنانية.

أما في مصر والأردن فإن الأمر سيقتصر على عقوبات مالية لمن تتمكن واشنطن من إثبات تمويلهم للمقاومة الفلسطينية، سواء كانوا أفرادا أو مؤسسات، وهذا ربما ينطبق على حالات محدودة، وبذلك يعتبر القرار الأمريكي رمزيا في المجمل حتى الآن.

وعلى كل حال، فإن الاتهامات التي صنفت بموجبها الإدارة الأمريكية الإخوان تنطبق بدورها على العديد من الجماعات والقوى الإسلامية والقومية والناصرية التي لا تنكر دعمها للمقاومة الفلسطينية، بل تنطبق على دول وحكومات احتضنت بشكل مباشر المقاومة، وقادتها، وناصرتها ماليا وسياسيا، وبالتالي فلنا أن نتوقع صدور تصنيفات أخرى لبعض تلك القوى إذا رأت واشنطن ضرورة لذلك.

x.com/kotbelaraby
التعليقات (0)