قضايا وآراء

ملامح قائمة الإرهاب الأمريكية.. أولويات المصالح والمخاطر

عباس قباري
"بعض حلفاء الولايات المتحدة، بما في ذلك الإمارات العربية المتحدة ومصر، سيكونون على الأرجح سعداء بالتصنيف"- الأناضول
"بعض حلفاء الولايات المتحدة، بما في ذلك الإمارات العربية المتحدة ومصر، سيكونون على الأرجح سعداء بالتصنيف"- الأناضول
شارك الخبر
أعلنت وزارتا الخزانة والخارجية، الثلاثاء 13 كانون الثاني/ يناير2026، عن الإجراءات ضد الفروع اللبنانية والأردنية والمصرية لجماعة الإخوان المسلمين، والتي قالوا إنها تشكل خطرا على الولايات المتحدة والمصالح الأمريكية.

وصنفت وزارة الخارجية الفرع اللبناني منظمة إرهابية أجنبية، وهي أشد التسميات، مما يجعل من تقديم الدعم المادي للجماعة جريمة جنائية. وتم إدراج الفرعين الأردني والمصري من قبل وزارة الخزانة كإرهابيين عالميين محددين خصيصا لتقديم الدعم لحماس.

وقال وزير الخارجية ماركو روبيو في بيان: "تعكس هذه التسميات الإجراءات الافتتاحية لجهود مستمرة ومستمرة لإحباط عنف فصول الإخوان المسلمين وزعزعة الاستقرار أينما حدث". وأضاف: "ستستخدم الولايات المتحدة جميع الأدوات المتاحة لحرمان هذه الفروع من الإخوان المسلمين من الموارد للانخراط في الإرهاب أو دعمه".

جاء ذلك نفاذا للأمر التنفيذي الذي أصدره دونالد ترامب في الرابع والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 بحثّ وزارتا الخارجية والخزانة على تصنيف الإخوان.

البدعة الأمريكية!
عوّدتنا الولايات المتحدة منذ بداية حقبة "القطب الواحد"، وانفرادها بقيادة العالم، على التحرك المنطلق من مصلحتها، بلا اعتبار لأي أحد

عوّدتنا الولايات المتحدة منذ بداية حقبة "القطب الواحد"، وانفرادها بقيادة العالم، على التحرك المنطلق من مصلحتها، بلا اعتبار لأي أحد، ففي شعارات سياسييها، وعناوين حملاتها الانتخابية، وتصرفاتها قادتها في العالم، دلالة على تصرفها بمنطق "إله" ينبغي على الجميع "عبادته" فضلا عن طاعة أوامره، واجتناب نواهيه، والاصطفاف خلفه في كل موقف بلا تفكير أو معارضة.

أكبر المصائب التي صبّتها أمريكا على رأس العالم، تمثلت في "تدابير مكافحة الإرهاب"، و"بدعة قرارات التصنيف بالإرهاب" التي أصدرتها بحق دول، ومؤسسات، وشركات، وأفراد، لا رابط بينهم، إلا أنها صنفتهم في خانة الأعداء لمعارضتهم سياسات الهيمنة الأمريكية، أو أنهم يمتلكون ثروات تسعى أمريكا لاستلابها، وكانت قرارات "التصنيف" هي الأداة الذهبية والبوابة الذكية لفتح النار على ضحاياها، عبر تفعيل نظام متكامل من أدوات الضغط الممنهجة، عبر الإجابة عن أسئلة رئيسة حول ماهية التصنيف، وكيفية تطبيقه، وطبيعته القانونية، ومن تم وضعهم على القوائم الأمريكية؛ نستطيع أن نكوّن فهما حول الأمر التنفيذي لتصنيف جماعة الإخوان المسلمين في مصر، والأردن، ولبنان ككيانات إرهابية وفق الوصف الأمريكي، استجابة لضغوط "إسرائيلية" مدعومة بعمل إماراتي دؤوب بالاشتراك مع أنظمة الدول المستفيدة من هذا التصنيف.

متى بدأت الولايات المتحدة في التصنيف.. ولماذا؟

في خطابه الذي ألقاه في الكونغرس عقب أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001، قال الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش "إن حربنا على الإرهاب تبدأ مع تنظيم القاعدة، لكنها لا تنتهي عند هذا الحد. ولن تنتهي حتى يتم العثور على كل جماعة إرهابية ذات امتداد عالمي ووقفها وهزيمتها". وتعد هذه جملة معبرة عن نهج أمريكي امتد طوال الـ25 عاما الماضية، "ونية" أمريكية مبيّتة لاستدامة الحرب على الإرهاب، واتخاذها ذريعة لحروب الهيمنة التي خاضتها الولايات المتحدة في دول عدة. ويمتد تاريخ الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب لعقود قبل هذا التاريخ، إلا أن البداية الحقيقية لانخراطها في صنع مظلتها الخاصة، وحمل دول العالم على التحالف معها، قد بدأت فعليا عقب أحداث أيلول/ سبتمبر 2001، وكان الأمر التنفيذي الذي أصدره "بوش" في 23 أيلول/ سبتمبر 2001 هو الأساس الذي ما زالت أمريكا تعمل بموجبه حتى اللحظة، واتخذته أداة لحظر الممتلكات ومنع المعاملات، وتصنيف المؤسسات والأشخاص على لوائح الإرهاب.

ملامح التصنيف الأمريكي

تصورات البعض عن قرارات التصنيف الأمريكي خاطئة في معظم الأحيان، وهو ما يستلزم إلقاء الضوء على أهم ملامح منظومة التصنيف الأمريكية، حيث يتمثل الملمح الأول في كونها إجراءات استثنائية غير صادرة عن القضاء، فالجهة التي تقوم بالتصنيف هي وزير الخارجية أو وزير الخزانة، بالتنسيق مع النائب العام، وبالتالي فالإجراء مهما علا فهو إجراء إداري وليس قضائيا.

ويترتب على هذا ملمح آخر، أن الإجراء يأتي نهائيا لا سبيل فيه للتظلم منه أو مراجعته، وهنا يأتي الملمح الثاني، فنحن أمام "قرار مرن" يقع في حدود اختصاص الوزير، وبالتالي لو تمكن أحد المتضررين من إلغاء القرار أمام المحاكم الأمريكية، فإنه يحق للإدارة الأمريكية إعادة وضع الشخص مرة أخرى بموجب إجراء جديد، دون سقف، أو مانع من التكرار. والملمح الثالث يتمثل في أن القائمة ليست آلية تستوعب أعدادا كبيرة كما تتصور بعض الجهات الحكومية العربية، فالقوائم العربية للإرهاب في كل من الخليج والأردن ومصر تضم أعدادا تقدر بالآلاف، أما القائمة الأمريكية فلا تتضمن طوال ربع القرن الماضي سوى 291 شخصا و106 مؤسسات على مستوى العالم. الملمح الرابع يتمثل في شروط التصنيف التي توجب أن تكون المؤسسة أجنبية، ومنخرطة في نشاط إرهابي بالفعل، وأن يهدد هذا النشاط أمن المواطنين الأمريكيين أو الأمن القومي الأمريكي، وهي أمور تحتاج لإثبات وأدلة لا توفرها أمريكا، بل تصنف وفق رغبتها ولو لم يوجد ثمة رابط أو دليل.

ويتمثل الملمح الخامس والأهم يتمثل في أن القائمة الأمريكية تضم كيانات وأشخاص منخرطة في الأعمال القتالية عبر تشكيلات عسكرية معادية لأمريكا (حسب وصف الإدارة الأمريكية)، أما بخصوص جماعة الإخوان المسلمين في حال تم تصنيفها فستكون المرة الأولى التي تضع الولايات المتحدة جماعة من جماعات "الإسلام السياسي" الملتزمة بأطر العمل المجتمعي، على قوائم الإرهاب الأمريكية وهو ما ينبغي لفت الانتباه إليه. هذه أبرز ملامح الأمر وهناك بالطبع تفصيلات أخرى تأتي في مراتب أخرى.

المرة الأولى التي تضع الولايات المتحدة جماعة من جماعات "الإسلام السياسي" الملتزمة بأطر العمل المجتمعي، على قوائم الإرهاب الأمريكية

بيزنس التصنيف

تشي الخطوات المعلنة من جانب بعض النظم العربية، بخصوص التعاون والتنسيق مع الجانب الأمريكي، في ظل تعزيز وإلحاح إسرائيلي، ورعاية إماراتية، بأن الهدف الأهم من تمرير خطوة التصنيف هو تحقيق رغبة إسرائيلية وفق تقييمها لنتائج معركة "طوفان الأقصى"، لكن تمرير هذه الرغبة عبر أنبوب القرار الأمريكي لا يتم عبر دوافع سياسية فقط، بل يتم بشكل أكبر عبر ما يقترب من آليات البيزنس، حيث تمارس الإمارات ضغوطا وتخوض مفاوضات في اتجاه تمرير الأمر، مستغلة طريقة الرئيس ترامب في تمرير الملفات مدفوعة التكلفة، وهو الأمر الذي تكرر بأشكال عدة خلال الفترة الماضية، حيث سددت الإمارات فاتورة الطموح الإسرائيلي في أكثر من ملف، وهو ذات الأمر الذي سبق للإمارات ممارسته بخصوص جماعة الحوثي وفق ما أعلنته صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" من أن الحكومة الإسرائيلية تضغط على إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن لتصنيف جماعة الحوثيين في اليمن "منظمة إرهابية بناء على طلب من الإمارات، وهو الأمر الذي استجاب له ترامب بمجرد وصوله للسلطة".

وتمثل الإمارات رأس حربة في هذا الأمر، بينما يظل النظامان المصري والأردني هما اللاعبَين الرئيسيين في هذا الملف، نظرا لنشأة جماعة الإخوان وتواجدها في كلا الدولتين، ويأتي في مرتبة متأخرة لبنان عبر تواجد فرع لجماعة الإخوان مارس بعض الأعمال الداعمة خلال طوفان الأقصى، لكن وفق تحليل مسار الأحداث نستطيع القول إن الدافع الرئيس خلف الضغوط التي يمارسها هذا المحور مع الإدارة الأمريكية يكمن في وجود فرصة أمام هذه النظم في تصفية حسابات سياسية مع الجماعة باعتبارها المحرك الرئيس في ثورات الربيع العربي التي تكرهها نظم المنطقة، وتخشى تكرارها.

وفي تعليقه على الأمر التنفيذي للأسوشييتد برس، قال ناثان براون، أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن، إن بعض حلفاء الولايات المتحدة، بما في ذلك الإمارات العربية المتحدة ومصر، سيكونون على الأرجح سعداء بالتصنيف. وقال: "بالنسبة للحكومات الأخرى التي يتم فيها التسامح مع الإخوات، ستكون شوكة في العلاقات الثنائية"، بما في ذلك في قطر وتركيا.

المصالح الأمريكية "أمريكا أولا"

بطبيعة الحال، من حق الدول أن تتخذ من الإجراءات ما يحقق مصالحها، وتعد الولايات المتحدة الدولة الأكثر استخداما لأدواتها في تحقيق مصالحها، لكن أمريكا تحديدا تأتي في مقدمة الدول التي تقدر مصالحها تلك إهدارا لمصالح الآخرين بمن فيهم حلفاؤها! فالولايات المتحدة عندما صنفت بعض الكيانات أو الشخصيات على قوائم الإرهاب، استندت لأسباب، وساقت أدلة، لكنها عندما قررت حذف هذه المؤسسات أو الشخصيات من قوائم الإرهاب لم تقدم تبريرا لذلك، أو توضيحا حول زوال الأسباب أو تغير الظروف، ولم تعتمد في الإدراج أو الحذف سوى مصالحها وحدها. وحدث هذا أكثر من مرة، في حالة جماعة الحوثيين التي حذفها جو بايدن حتى لا تعترض السفن الأمريكية قبالة سواحل لليمن عام 2021، ثم حذف ترامب الرئيس السوري أحمد الشرع من القوائم بعد تحقق بعض المصالح الأمريكية في سوريا، وفيه دلالة على وجهة قوائم التصنيف كأداة ضغط سياسية.

في النهاية.. تبقى تدابير مكافحة الإرهاب، وقوائم التصنيف، آليات استثنائية جائرة، تستخدمها الأنظمة بالأساس للهروب من آليات "القضاء" المنضبطة، والحيلولة دون تطبيق مقررات حقوق الإنسان التي تتشدق بها، والإفلات من سلطان مسائل الحريات والحقوق الشخصية التي تتزين بها الدساتير، ولا تُستخدم على قاعدة الخطر الواقع على الدولة، بل على أرضية حسم الخلاف السياسي بين من في السلطة ومن في المعارضة، أو بين من يمتلك القوة ومن يمتلك الثروة.

وأصبحت مظلة مكافحة الإرهاب التي مدتها أمريكا، وانضمت لها دول العالم، شاهدة على دول صارت أثرا بعد عين، وثروات نُهبت على وقع قصف الطيران، وأفراد مكثوا في السجون معظم أعمارهم، وربما ماتوا دون أن يعلموا لأنفسهم تهمة، وفي المقابل -ورغم حجم تدابير مكافحة الإرهاب وتعددها- لم تنتهِ الظاهرة ولم يندثر منتسبوها، وفي ذلك دلالة على الغرض من التدابير، والحرص على الاستمرار، ومدة الاستفادة من وجود الإرهاب والإرهابيين، حتى صارت تلك التدابير بحد ذاتها "بيزنس" خاضع لضوابط السوق، واستراتيجيات العرض والطلب!
التعليقات (0)

خبر عاجل