لعل السؤال الذي يطرحه عنوان هذا المقال
صادم، إذ كيف يمكن أن يمثل الانضمام إلى هذه الدعوى فرصة لإسرائيل؟ لكن تزول
الصدمة من السؤال وغرابته، إذا تعرفنا على الدفع الرئيس الذي تقدمت به
بلجيكا في طلب الانضمام، فحسب ما أعلنت المحكمة في بيانها حول الانضمام، فإن
"بلجيكا تُركز في تدخلها على تأويل مفهوم "نية ارتكاب
الإبادة" المنصوص عليه في المادة الثانية من اتفاقية منع الإبادة الجماعية"،
وهو الأمر المتعلق بالقصد الذي تضمنته المادة الثانية من اتفاقية منع الإبادة، والذي
يعرّف جريمة الإبادة بأنها "أي من الأفعال التالية المرتكبة على (قصد)
التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية،
وتشمل الأفعال التالية:
- قتل
أعضاء من الجماعة.
-
إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة.
-
إخضاع الجماعة، عمدا، لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كليا أو جزئيا.
-
فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة.
-
نقل أطفال من الجماعة عنوة إلى جماعة أخرى".
كيف نبحث في نية الإبادة في جريمة إبادة مكتملة العناصر والأركان، وكيف نتناقش حول "ركن النية" في جريمة لا يتم ارتكابها أصلا إلا بشكل عمدي؟
والانضمام إلى الدعوى من زاوية طلب تفسير
"نية الإبادة" باعتبارها "نية خاصة" حسب نص الاتفاقية،
يثير الريبة من جانب، كما يفتح باب التأول لمصلحة
إسرائيل من جانب آخر، إذ
كيف نبحث في نية الإبادة في جريمة إبادة مكتملة العناصر والأركان، وكيف نتناقش حول
"ركن النية" في جريمة لا يتم ارتكابها أصلا إلا بشكل عمدي؟
فالجريمة في القانون لها ركنان، الأول: الركن
المادي ويتمثل في ارتكاب الأفعال المادية المحسوسة للجريمة، والثاني: الركن
المعنوي ويكمن في "نية ارتكاب الجريمة"، ولا أوضح من نموذج حرب الاحتلال
الإسرائيلي على غزة للدلالة على جريمة الإبادة مكتملة الأركان المادية والمعنوية.
والجريمة امتدت زمنا لعامين ويزيد، وقامت
فيها "إسرائيل" باستخدام القوة المفرطة في كل ساعة، كما أنها امتدت مكانا
على "كامل" قطاع مكتظ بالسكان لا ينفصل فيه العسكري عن المدني، ولا
يتوفر فيه مكان يأوي إليه طفل أو شيخ أو امرأة أو مريض. فلو ألقت إسرائيل
"حجرا ضخما" من أي ارتفاع فإن النتيجة ستكون مقتل أسرة كاملة على الأقل،
فكيف وأننا أمام أسلحة تخترق الأرض لمسافة 50 مترا وتستمر في التفجر تحت طبقات
الأرض لساعات وربما أيام حسب شهود عيان! وكيف تسمي استهداف البشر بتقنيات
الذكاء الاصطناعي التي تنتقي الأهداف بلا تمييز، بصورة آلية بعيدا عن تدخل البشر؟ وكيف
لا نعتبر سلاح التجويع لمليوني إنسان، أو استهداف المستشفيات ومدارس الإيواء، أو
تعمد استهداف الجموع في طوابير استلام المساعدات من أفعال الإبادة؟
هذه الأفعال بذاتها تمثل توافر نية الإبادة
في أعلى مراتبها، كما أن تبييت القصد لإحداث أكبر عملية تدمير للبنية التحتية التي
طالت آلاف المنازل، وكل ما له علاقة بالبنية الصحية والإغاثية ومعدات الإنقاذ
والدفاع المدني واضح للعيان لا يحتاج إثبات.
لا ينبغي أن يتم الإفراط في بحث مسائل
قانونية إجرائية، وتطبيق منازعة فلسفية بخصوص "مذبحة" أسفرت عن مقتل 70
ألف نفس، غير من لا زالوا تحت الأنقاض، وجرح ما يزيد عن 120 ألف إنسان معظمهم قطع بالأطراف
أو استهداف للعيون. لا ينبغي أمام هذه البشاعة المميتة أن نتساءل حول مدى توافر ركن
النية في جريمة الإبادة، ففي الفقه الجنائي إن قمت بضرب "أحدهم"
بكلتا يديك على صدره بعنف، قد تطلب النيابة بحث توافر "العمد في الفعل"
الذي أدى لمقتل الشخص الذي تعرض للضرب، فكيف بمن يستخدم مسدسا من مسافة قريبة؟ وما
بالنا بمن استخدم قوة نارية مفرطة بآلاف القنابل والصواريخ بما يفوق قوة القنبلة
النووية؟
أمام هذه الحقائق قد يبدو إثارة السؤال حول
نية الإبادة -في أعلى مستويات حسن الظن- سؤالا ساذجا، لكنه مع ذلك يبقي
الدفع القانوني محل شك حول البواعث والنتائج، فماذا لو أدى دفع بلجيكا إلى توفير
مخرج لإسرائيل من أجل الإفلات من هذه الجريمة مكتملة الأركان، أو تمييع الاتهام
الثابت علها بعشرات الأدلة ومئات القرائن؟
بالعودة لما نصت عليه المادة الثانية من
الاتفاقية، نجدها عددت أفعال الجريمة، ونجدها معظمها إن لم يكن كلها، قد توافرت في
حالة قطاع غزة، فقد قتلت إسرائيل جماعة يتوفر فيها أسباب العرق والدين، باعتبارهم "عربا مسلمين"، وقد استهدفتهم إسرائيل
وفق هذه الزاوية التمييزية، وقد ألحقت إسرائيل "أذى جسديا وروحيا خطيرا"
بأعضاء هذه "الجماعة
الفلسطينية" بأن قتلت وجرحت وهدمت، وفرقت
بين الأسر الفلسطينية وتركت أطفالا بلا مأوى أو آباء. ثم إن إسرائيل "أخضعت
الفلسطينيين عمدا لظروف غاية في الرداءة المعيشية"، بعد أن دمرت موارد
رزقهم وأحكمت حصارا يمنعهم الغذاء والدواء والملبس. كل هذه أسباب تجعلنا أمام
حقيقة واحدة تتمثل في أن "إسرائيل" قد ارتكبت جريمة الإبادة الأبشع في
العصر الحديث التي اكتملت فيها كل أسبابها معا.
عدة مؤشرات تعزز التخوف الذي نطرحه، أولاها، يتمثل في تصريح وزير الخارجية
البلجيكي مكسيم بريف حول خطوة الانضمام للدعوة وكونه لا يتعلّق باتخاذ
موقف إلى جانب أي طرف، ولا بالتعليق على وجود إبادة جماعية من عدمه،
مؤكدا أن محكمة
العدل الدولية وحدها المخوّلة بإصدار القرار النهائي في هذا الشأن"،
وهو الأمر الذي أكدته المحكمة في التعليق على انضمام بلجيكا من أن "هذه
الخطوة لا تعني تبني بلجيكا لاتهامات جنوب أفريقيا أو دفاعها عن إسرائيل، وإنما
تهدف إلى تقديم تصورها القانوني الخاص في إطار القضية". وهو أمر محيّر،
إذ كيف تبقى على الحياد ولا تعمل "مع" طرف "ضد" الطرف الآخر؟
وضوح الجانب الإنساني في حرب غزة لم يدع فرصة للحياد، كما لم يترك أي جانب من جوانب الغموض حول طرفي المسألة؛
والمؤشر الآخر يتعلق بموقف بلجيكا المتناقض
في مسألة الاعتراف بدولة فلسطين، حيث علقت اعترافها الرسمي بدولة فلسطين على ضرورة
"إبعاد حركة حماس" عن الحكم الفلسطيني حتى تتمكن من إصدار مرسوم
ملكي يعترف بدولة فلسطين، وهي هنا قد أثبتت "جريمة" الإرهاب على حركة
حماس بدون أي محاكمة، لكنها على العكس اتخذت موقفا محايدا من جريمة الإبادة
الثابتة في حق إسرائيل، بل إنها تبحث في مدى توافر النية والقصد! ويؤكد الموقفان
معا مساحة تشكك في دوافع الموقف البلجيكي.
عدة دول سبقت بلجيكا في الانضمام إلى الدعوى
التي رفعتها جنوب أفريقيا في كانون الأول/ ديسمبر 2023، حيث انضمت خلال عام 2024
كل من نيكاراجوا، وكولومبيا، وليبيا، والمكسيك، وفلسطين، وإسبانيا، وتركيا، وتشيلي،
وجزر المالديف، وبوليفيا، قبل أن تنضم أيرلندا في كانون الثاني/ يناير 2025
والبرازيل في أيلول/ سبتمبر 2025.
وتعد قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل فرصة
تاريخية أمام دول العالم لإدانة الجرائم الإسرائيلية المستمرة بحق الشعب
الفلسطيني، وهو ما يفترض أن تهتم الدول المتدخلة بمساحة تقديم أدلة جديدة تسهم في
إثبات الجريمة، لا أن تقف على الحياد في أمر واضح وضوح الشمس، أو تتوقف عند مسائل
إجرائية ضيقة قد تعقد مسار الدعوى.
أخيرا، فإن وضوح الجانب الإنساني في حرب غزة لم
يدع فرصة للحياد، كما لم يترك أي جانب من جوانب الغموض حول طرفي المسألة؛ محتل
يمارس كل أفعال الإبادة طوال ثمانية عقود، ومقاوم يحاول الدفاع عن وجوده فوق أرضه،
دون فلسفة أو مزيد شرح.