قضايا وآراء

سوريا.. عندما تتحول التسويات إلى شرعنة للإفلات من العقاب

فراس السقال
"التسوية الاقتصاديّة، إن أُريد لها أن تكون أداة إصلاح، يجب أن تُستخدم لتمكين النزيهين وبناء مؤسسات شفافة، لا لتكريس حضور من موّل القتل واستثمر في دماء السوريين"
"التسوية الاقتصاديّة، إن أُريد لها أن تكون أداة إصلاح، يجب أن تُستخدم لتمكين النزيهين وبناء مؤسسات شفافة، لا لتكريس حضور من موّل القتل واستثمر في دماء السوريين"
شارك الخبر
صفحة الماضي

يُطلب منّا اليوم أن نطوي صفحة الماضي بجرّة قلم، تحت عنوان "التسوية" وضرورات المرحلة، وكأن هذا الماضي مجرد سحابة صيف عابرة، لا سجلّا مثقلا بالدماء والدموع. يُراد للحقيقة أن تُدفن على عجل، فوق قبورٍ بلا خرائط ولا معالم، فلا جثمان يُسلَّم، ولا قبر يُزار، ولا عزاء يكتمل. إنّ ما جرى في هذا البلد لا يمكن اختزاله في إجراء إداري أو تسوية مالية، فنحن لا نتحدث عن أخطاء عابرة، بل عن مليون شهيد، وأكثر من اثني عشر مليون مُهجّر، ومُدن دُمّرت فوق رؤوس أهلها، ومئات الآلاف من المعتقلين والمفقودين الذين ما زال أحبّتهم عالقين على عتبة الانتظار حتى ما بعد التحرير.

من هو محمد حمشو؟

محمد حمشو ليس اسما عابرا في سجلّ رجال الأعمال، بل يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه إحدى الواجهات المالية الأساسية للمجرم ماهر الأسد والفرقة الرابعة، والمسؤول عن تأمين الغطاء المالي لعملياتها. ارتبط اسمه بشبكات غسل الأموال والالتفاف على العقوبات الدولية لضمان تدفق الموارد للنظام السابق،
محمد حمشو ليس اسما عابرا في سجلّ رجال الأعمال، بل يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه إحدى الواجهات المالية الأساسية للمجرم ماهر الأسد والفرقة الرابعة، والمسؤول عن تأمين الغطاء المالي لعملياتها
كما نُسبت إليه إدارة ورشات لاستخراج المعادن من أنقاض مدن الضحايا وبيعها. وبسبب دوره في تمويل القمع، أُدرج على قوائم العقوبات الأمريكية والأوروبية باعتباره ركنا ماليّا في منظومة إجراميّة أسهمت في إطالة المأساة السورية.

التعافي والمحاسبة

من البديهي أنّ البلاد تسعى اليوم إلى التعافي بعد عقود من الفساد والاستبداد، وأنّ مرحلة البناء تتطلب استقرارا اقتصاديّا ومصالحات وطنيّة وتسويات ماليّة تضمن دوران عجلة الحياة. هذه حقائق لا يمكن إنكارها ولا القفز فوقها. غير أنّ المنطق الوطني السليم يرفض أن تتحول هذه الضرورات إلى باب خلفي لعودة من تورطوا في دعم النظام السابق حتى العظم، فالتسوية الاقتصاديّة، إن أُريد لها أن تكون أداة إصلاح، يجب أن تُستخدم لتمكين النزيهين وبناء مؤسسات شفافة، لا لتكريس حضور من موّل القتل واستثمر في دماء السوريين.

مقايضة العدالة

مع إعلان اللجنة الوطنيّة لمكافحة الكسب غير المشروع عن "تسوية شاملة" ضمن إطار "الإفصاح الطوعي" واسترداد المال العام، يبرز تساؤل وطني مشروع حول حدود هذه المقاربة وأثرها على مفهوم العدالة الانتقالية. فاسترداد المال المهنوب خطوة مطلوبة وضرورية، لكنّها لا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن المساءلة القانونية. إنّ الفصل الواضح بين مسار استعادة الأموال ومسار المحاسبة هو ما يحفظ للتسوية معناها الإصلاحي،
بناء دولة مستقرة لا يكون بطيّ الجراح دون علاج، بل بمعالجة أسبابها، وإرساء مبدأ أن لا أحد فوق القانون؛ وحدها المحاسبة العادلة، المترافقة مع مسارات التعافي، قادرة على طيّ صفحة الماضي فعلا، لا بالقفز فوقها، وصون مستقبل لا يُعاد فيه إنتاج المأساة بأسماء جديدة
ويمنع تحولها إلى مقايضة أخلاقيّة تُفهم وكأنهّا تمنح صكّ غفران لمن موّل القمع وأسهم في الإجرام. فبغير هذا الفصل، تصبح العدالة الانتقالية شعارا إداريّا لا مضمون له، وتُوضع ثقة الشعب بمسار الإصلاح أمام اختبار صعب بل معضلة.

مفارقة الظلم

في الوقت الذي يُمنح فيه ممولو القمع فرصة "فتح صفحة جديدة"، ما يزال كثير من الثوار والمنشقين يطاردون المحاكم لإثبات براءتهم من أحكام كيدية متعمدة. يُطلب من الضحيّة أن يدفع ثمن براءته، بينما يُعاد تقديم الممول في فضاءات عامة بوصفه شريكا في المستقبل. وفي ظل هذا التناقض الصارخ، يبقى مصير آلاف المغيبين مُعلّقا بلا إجابة، وكأن الوطن تحوّل إلى سوق تُشترى فيه الوجاهة ويُساوَم فيه على العدالة، لا إلى دولة تُنصف أبناءها.

مستقبل العدالة

إنّ الدولة التي تسعى إلى ترسيخ شرعيتها بعد حقبة سوداء، تحتاج قبل كل شيء إلى وضوح أخلاقي وقانوني في مقاربتها للعدالة. فالتسويات، مهما كانت ضرورية لإنعاش الاقتصاد واستعادة المال العام، لا يجوز أن تُفهم على أنّها بوابة للإفلات من المحاسبة أو رسالة مفادها أن النفوذ والمال قادران على تجاوز الذاكرة والحق. إنّ بناء دولة مستقرة لا يكون بطيّ الجراح دون علاج، بل بمعالجة أسبابها، وإرساء مبدأ أن لا أحد فوق القانون؛ وحدها المحاسبة العادلة، المترافقة مع مسارات التعافي، قادرة على طيّ صفحة الماضي فعلا، لا بالقفز فوقها، وصون مستقبل لا يُعاد فيه إنتاج المأساة بأسماء جديدة.
التعليقات (0)

خبر عاجل