في
مسار
الثورة السورية، لم تكن البطولة حكرا على من رفع السلاح فقط، بل كان في مقدمة
الصفوف رجال حملوا العلم والضمير، وخرجوا من دائرة الصمت إلى ساحة الموقف، بثبات
وهدوء ويقين. ومن هؤلاء الشيخ الشهيد ضيف الله الشلبي (أبو اليمان)، الذي جمع بين
طلب العلم، وخدمة الناس، وصدق الانحياز إلى المظلوم، حتى ختم الله له بالشهادة تحت
التعذيب تقبله الله.
هكذا
عرفته
تعرفتُ
إلى الشيخ ضيف الله الشلبي أبو اليمان، في معهد المحدث الأكبر الشيخ بدر الدين
الحسني بدمشق أواخر التسعينيات. جمعنا طريق طلب العلم، وكذلك الزمالة في كلية أصول
الدين في جامعة أم درمان فرع دمشق حيث تخرجنا في 2009، فالمعايشة اليومية والبيئة
المشتركة كانت كافية لتكشف معدن الرجل. كان حضوره هادئا، لا يلفت بالصوت ولا
بالادعاء، وإنما يترك أثره بالخلق والسكون والصدق.
وُلد أبو
اليمان في قرية عتمان بمحافظة درعا عام 1983، ونشأ في بيئة حورانيّة عُرفت
بالبساطة والكرامة. تزوج ورُزق ثلاثة أبناء: أيهم، واليمان، وندى، وحمل مسؤولياته
مبكرا دون شكوى.
في
معهد الشيخ بدر الدين
كان
المعهد فضاء علم وتربية وصحبة، هناك رأيت الشيخ ضيف الله طالب علم جادا في طلبه،
قليل الكلام، كثير الإصغاء. لم يكن ممن يحرصون على الظهور أو تصدّر المجالس، بل
كان يميل إلى الهدوء والتأمل، يأخذ العلم بثبات وهدوء.
تلقّينا
العلم على أيدي عدد من كبار علماء الشام والعالم الإسلامي، منهم: شيخ قراء بلاد الشام الشيخ كريم راجح، والشيخ المحدث عبد
القادر الأرناؤوط، والشيخ الأديب هشام الحمصي، والشيخ الفقيه محمد شقير، والشيخ
عبد الرزاق الشرفا، والشيخ أنور شويكي، والشيخ نعيم العرقسوسي، وغيرهم رحم الله من
مضى وحفظ من بقي. لقد كان احترامه للعلم وأهله واضحا، وتواضعه جزءا من سلوكه اليومي.
هدوءٌ
لا يتغيّر
أبرز
ما ميّز الشيخ ضيف الله خلقه. كان حليما إلى أبعد الحدود، متأنّيا، وكان على
النقيض من طبعي، فإذا رآني منفعلا قابلني بابتسامة هادئة، كأنها تزيدني اضطرابا ثم
تعلّمني الصمت. لا يُعرف عنه غضب ولا فظاظة. لم أسمع منه يوما كلمة جارحة، وكان
كثير التبسّم، يلقى النّاس بوجه طلق، ويخدم من حوله، لا سيما طلّاب العلم، دون تذمّر
أو انتظار مقابل.
بعد
التخرّج، جمعنا العمل مرة أخرى في قسم التوجيه الداخلي في مجمع الشيخ بدر الدين
الحسني قرابة أربع سنوات. هناك عرفتُه عن قرب: زميلا هادئا، أمينا، يؤدّي ما عليه
بإخلاص، دون ادعاء دور أو طلب ثناء. لم يكن مُربّيا بالمعنى الاصطلاحي، لكنّه كان مربّيا بسلوكه،
بحضوره، وبخدمته الصامتة.
حكاية
كان يكررها
كان الشيخ
يذكّر دائما لطلاب العلم في المعهد قصّة الملك ووزرائه الثلاثة: "فقد أرسلهم يوما ليأتوا بأثمن ما يجدون
في زيارتهم للبلدان. فعاد أحدهم بكيس من الذهب، والثاني بكيس من الطعام، والثالث
ملأ كيسه هواء ظنا منه أن الملك لن يفتشه، فلما عادوا حبسهم الملك قائلا: سيعيش كل واحد ممّا جمع. فعاش
صاحب الذهب لأنّه كان يرشي السجّان ليأتيه بالطعام، وعاش صاحب الطعام مما جمع، أما
صاحب الهواء فلم يجد مالا ولا طعاما، فعاش عيشة بائسة". كان الشيخ ضيف يرويها
ليؤكّد أن الزاد الحقيقي هو ما ينفع، وأن الإنسان يُمتحن بما ادّخره ليوم الحاجة.
ومن
شواهد تأنيه: أنّه سأل بائعا يوما عن السعر، فرد البائع بثمن ذلك الشيء، ثم سكت
قليلا قبل الرد، فظن البائع أنّه لم يعجبه السعر، فخفّض وراعاه، ثم سكت الشيخ ولم
يتكلم، فإذا بالبائع يخفّض السعر مرة أخرى، كل ذلك قبل أن ينطق الشيخ ضيف بكلمة
واحدة. كان ذلك طبعه، هدوء يسبق الكلام،
وتأنٍّ في كل أمر.
حين
بدأت الثورة
مع
انطلاق الثورة السورية عام 2011، كان موقفه واضحا للغاية، فقد كان كما عرفته يميل
إلى الحق حيث مال. رافقته في بداياتها، واقترحتُ عليه أن نزور مع بعض الإخوة عددا
من العلماء لنقل حقيقة ما يجري في درعا من قمع وإجرام، ولشدّ الهمم، وحثهم على دعم
الثورة. زرنا عددا من المشايخ، منهم: الشيخ كريم راجح، والشيخ رشدي القلم، والشيخ
مصطفى البغا، والشيخ إسماعيل الزبيبي، وكذلك أخذنا موعد من الشيخ أسامة الرفاعي
ولكن سبق الموعد اعتقالي الأول.
كما
زرنا مجمع أبي النور في ركن الدين، والتقينا الشيخ أنس دوامنة والشيخ عدنان
أفيوني، وكان اللقاء طويلا ومملا، واتّسم بدفاع شديد منهما عن النظام وتقديم أعذار
له، بينما كنا نحاول نقل صوت المظلومين كما هو في الواقع.
في
الشارع والمسجد
شارك
الشيخ ضيف الله في المظاهرات السلمية في بلدة التل، حيث كان مؤذّنا في جامع
الكوثر، وشارك في عدد من مظاهرات حي الميدان بعد دروس الشيخ كريم راجح والشيخ محمد
شقير في جامع الحسن، وفي مظاهرات بلدة المليحة، وكاد يُعتقل أكثر من مرة.
ومع
تصاعد القمع وانسداد السبل، كان الشيخ ضيف من أوائل من حملوا السلاح في مدينة التل
دفاعا عن الناس، بتواضع دون ادعاء بطولة.
كان
يخرج الشيخ ضيف للدعوة في محافظة السويداء مع بعض الإخوة، خاصة أيام الجمعة،
يدخلون المساجد، يخطبون ويعظون الناس، حاملين همّ الإصلاح بالكلمة الصادقة. وكان كثيرا ما يذكر
الشهادة ويرجوها، كأن قلبه كان
مهيأ لها.
في
عام 2014، وأثناء توجهه لزيارة أهله في درعا، اعتقلته شبيحة النظام على حاجز قبل بلدة
طفس. سأل عنه أهله طويلا دون جدوى، ثم جاءهم خبر أنّه كان في فرع المخابرات الجويّة
الظالم بالمزة. وبعد سنوات، تبيّن أنّه استُشهد تحت التعذيب في أواخر عام 2015،
ولم يتجاوز الثانية والثلاثين من عمره.
بقي
من الشيخ ضيف الله هدوؤه، وخلقه، وابتسامته، وخدمته الصامتة، وموقفه الصادق. بقي
ذكره الطيب في قلوب من عرفوه، وبقيت سيرته شاهدا على رجال خرجوا من الصمت حين وجب
الكلام.
شهادة
أكتبها
أنا
فراس السقال كاتب هذه المقالة، أشهد أن هذه الكلمات هي ما عرفته ورأيته وسمعته عن
أخي الشيخ ضيف الله الشلبي، وكذلك ما نقلته عن بعض الإخوة والشيوخ الكرام، جزاهم
الله خيرا. كتبتها شهادة لله، والله على ما أقول شهيد.
رحم
الله الشهيد الشيخ ضيف الله الشلبي، وتقبّله في الصادقين، وعوّض أهله وولده خير
العوض.