تمرّ
المنطقة المنعطفات الأكثر حسما في تاريخ
سوريا الحديث، وبينما تتجه الأنظار نحو
ترتيبات البيت الداخلي السوري والتحولات الدراماتيكيّة في دمشق، تطل علينا قيادة
"
قسد" بمشهد مكرر من النكوث بالعهود والتنصل من الاتفاقات. هذا السلوك
ليس مجرد مناورة سياسية عابرة، بل هو تعبير عن "أزمة وجودية" وعقليّة
تعيش خارج حدود الزمان والمكان. فما الذي يدفع هذا الكيان للمقامرة بمصيره ومصير
المنطقة في الوقت الضائع؟
الهروب
من استحقاق الهزيمة
إنّ
الرفض الأخير للاتفاق مع الحكومة السورية يعكس حالة عميقة من الإنكار، فقبول
الاتفاق يعني اعترافا ضمنيّا بنهاية مشروع "الإدارة الذاتيّة" وتلاشي
أحلام الانفصال. لذا، تلجأ هذه القيادات إلى الهروب من مرارة الهزيمة عبر افتعال
الأزمات، مفضّلة النهاية الكارثيّة والصدام العسكري على التوقيع على وثيقة تعيدهم
إلى حجمهم الطبيعي كمكوّن سوري تحت سقف الدولة، إنّهم يفرّون من الحقيقة إلى
الانتحار الجماعي.
تلجأ هذه القيادات إلى الهروب من مرارة الهزيمة عبر افتعال الأزمات، مفضّلة النهاية الكارثيّة والصدام العسكري على التوقيع على وثيقة تعيدهم إلى حجمهم الطبيعي كمكوّن سوري تحت سقف الدولة،
ما
زالت قيادات "قسد" وقنديل ترهن قرارها بـالإشارة الأمريكية، غافلة عن
حقيقة أنّ واشنطن لا تقيم وزنا إلا لمصالحها العليا. وبينما ينتظر هؤلاء دعما من
البيت الأبيض، كان الواقع يتحدّث بلغة أخرى، حيث بدأت خيوط التواصل تمتد بين
واشنطن والقيادة الجديدة في دمشق (الرئيس أحمد الشرع). إنّ الرهان على الحماية
الأمريكيّة في هذه اللحظة هو رهان على "سراب" يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا
جاءه وجد أنّ الخارطة قد تغيّرت وأنّ الأدوات الوظيفيّة تُباع عند أول صفقة كبرى.
لا
يمكن فهم هذا التعنّت دون العودة إلى منبع القرار في جبال قنديل، تلك العقليّة
التي تتسم بجمود أيديولوجي وعناد لا يرى في السياسة إلا لغة السلاح أو التبعيّة
المطلقة. هذا الارتهان للخارج يجعل من "قسد" مجرّد ورقة ضغط بيد قوى
إقليميّة، تُحرق حين تنتهي المهمّة، إنّهم يمارسون العناد على خطأ، وهو أقصر طرق الهلاك،
خاصة عندما يصطدم هذا العناد بإرادة شعبيّة ووطنيّة عارمة.
سياسة
الوقت الضائع
تتوهم
قيادة "قسد" أنّ المماطلة والنكوث قد يمنحها فرصة لتبدل الموازين، لكن
الحقيقة الميدانيّة تقول إنّ الوقت أصبح عدوا لدودا لها، فالحسكة أوشكت أن تكون
بالكامل بيد الجيش السوري، والجغرافيا تضيق، وأوراق التفاوض تتساقط يوما بعد يوم.
المراهنة على الوقت في حالة الانهيار ليست ذكاء، بل هي ظلم للنفس وتعبيد للطريق
نحو سحق مبرم، يجعل من استئصالهم ضرورة لاستقرار البلاد.
وعلى
الطرف الآخر، وجب نزع فتيل الأوهام والخزعبلات التي تروجها قيادات "قسد"
ومن خلفها "بي كي كي" (PKK)
لترهيب أهلنا
الكرد من لحظة التحرير، فالحقيقة التي تعمد تلك القيادات طمسها هي أنّ
الكرد إخوة الدين والدم والوطن، لهم ما لنا وعليهم ما علينا.
إنّ
المراسيم الجديدة المبشّرة التي أصدرها الرئيس، لم تأتِ إلا لتنصفهم وتؤكّد
على حقوقهم كاملة كشركاء أصلاء في بناء سوريا الجديدة، بعيدا عن عقليّة التخوين.
إنّ العودة إلى حضن الوطن ليست تهديدا، بل هي الخلاص من ارتهان الميليشيا إلى فضاء
المواطنة الرحب.
لقد
اختارت "قسد" بعنادها ومُكابرتها أن تضع نفسها في مواجهة حتمية مع القدر
السوري الجديد، وكأنّها تأبى إلّا أن تزيد في ظلمها لنفسها حتى يكون السحق مبرما
ومستحقا. إنّ من يرفض "قلم الاتفاق" اليوم، سيجبره واقع الميدان على
القبول بما هو أقل بكثير غدا، ولكن حينها لن يكون هناك طاولة للتفاوض، بل حساب
للتاريخ.