أبطال الدراما السورية وخديعة التحرر خلف الشاشات..

فراس السقال
"أمام هذا العبث بمصير الذاكرة السورية، بات لزاما تفعيل مبدأ المحاسبة القانونية والأخلاقيّة"
"أمام هذا العبث بمصير الذاكرة السورية، بات لزاما تفعيل مبدأ المحاسبة القانونية والأخلاقيّة"
شارك الخبر
تضجّ الشاشات والمنصّات اليوم بما يُسمى "الموسم الرمضاني"، وهو مصطلح نتحفّظ عليه لما فيه من خلط بين قدسيّة العبادة وضجيج التجارة الفنيّة، كما فصّلنا سابقا في مقال "رمضان بين قدسية العبادة وضجيج الشاشات".

لكن الفاجعة الأكبر في سوريا الحرّة اليوم ليست في تدنّي المستوى الفني، بل في تلك الصفاقة الأخلاقيّة التي يمارسها ممثلون قرروا فجأة اعتلاء موجة الثورة والحريّة بعد أن سقط سيدهم. هؤلاء الذين بُحت أصواتهم لسنوات في تمجيد "النظام البائد" وتلميع صورة أجهزته الأمنيّة، يطلّون علينا اليوم بوجوه مُستعارة ليجسدوا أدوار المعتقلين والمظلومين، وكأنّ دماء السوريين ومعاناتهم في الزنازين مجرد "إكسسوار" لتحسين صورتهم أو زيادة أجورهم بعد أن غرق مركب أسيادهم فعليّا وتحررت البلاد من رجسهم.

إنّ المحاولة اليائسة التي يسوقها هؤلاء الممثلون عبر ادعاء "المظلوميّة" أو "الإجبار" هي إهانة مباشرة لذكاء الشعب السوري وذاكرته الحيّة التي لم تبرد جراحها بعد. فلا يمكن لعاقل أن يصدّق أن فنانا كان يتمتع بالامتيازات واللقاءات العائليّة الوديّة مع المجرم المهزوم وقادة فرقة القتل الرابعة، كان مُجبرا على السخرية من كرامة المتظاهرين وقلب الحقائق.
هؤلاء الذين بُحت أصواتهم لسنوات في تمجيد "النظام البائد" وتلميع صورة أجهزته الأمنيّة، يطلّون علينا اليوم بوجوه مُستعارة ليجسدوا أدوار المعتقلين والمظلومين، وكأنّ دماء السوريين ومعاناتهم في الزنازين مجرد "إكسسوار" لتحسين
إنّ تلك المواقف لم تكن نصوصا أُمليت عليهم، بل كانت تعبيرا عن إيمان كامل بجدوى الظلم، وما هذا الانقلاب المفاجئ 180 درجة بعد هروب الطاغية إلى موسكو إلا حالة تتجاوز النفاق بمراحل، فالنفاق قد يظلّ دفينا في الصدور، أمّا هؤلاء فقد جسّدوا خيانتهم علانيّة بالأمس، ويحاولون اليوم سرقة سرديّة النصر التي صنعها الأحرار بدمائهم.

ولا يقتصر هذا الوزر الأخلاقي على الممثلين وحدهم، بل تشاركهم فيه شركات الإنتاج التي تمارس "الانتهازيّة الرأسماليّة" في عهد الثورة. فهذه الشركات هي التي تمنح هؤلاء "المتحوّلين" صكوك غفران فنيّة، وتستثمر في أوجاع المعتقلين عبر وجوه طالما باركت سجانهم. إنّ تقديم ممثل كان "أيقونة" في معسكر القاتل ليقوم بدور الضحيّة اليوم، هو محاولة لغسل التاريخ بماء عكر، وتمرير "مصالحة دراميّة" قسريّة، تُحوّل تضحيات الشعب إلى مجرد "بضاعة رابحة"، مما يساهم في تزييف وعي الأجيال القادمة عبر السطو على ذاكرة الضحايا وتصدير أدوات النظام البائد كأبطال في سوريا الجديدة.

إنّ ما نراه من هؤلاء الفنانين يذكرنا بموضة "التكويع" والتلون الذي مارسه ويمارسه بعض المشايخ والتجّار الذين بدّلوا جلودهم كما تتلون الحرباء فور سقوط الصنم. هؤلاء الوعاظ الذين كانوا يفتون بطاعة الطاغية، يعتلون اليوم المنابر للحديث عن الحريّة بل ويتطاولون على الثوار بادعاء أنّهم هم من "حرسوا البلاد" ببقائهم، بينما يصفون من هُجّروا قسرا بالهاربين. هذا التماهي في السلوك بين الممثل الانتهازي والشيخ المتلّون والتاجر الحرباء، يكشف عن وحدة المصدر الأخلاقي لهذه الفئات التي تعتبر الثبات على المبدأ "حماقة" والقفز إلى ضفة المنتصر "ذكاء وفهلوة".

وأمام هذا العبث بمصير الذاكرة السورية، بات لزاما تفعيل مبدأ المحاسبة القانونية والأخلاقيّة وسحب عضوية أيّ ممثل ثبتت مشاركته في الماكينة الإعلاميّة الإجراميّة، تماما كما جرى ملاحقة وفصل "شبيحة الفن" الذين يحاولون التواري في دول مثل الإمارات وغيرها.

إنّ العدالة التي أرساها السوريون بإسقاطهم للنظام لا تكتمل إلا بمنع المجرم وأبواقه من ارتداء ثياب الضحية. فالشعوب الحرّة لا تنسى من خذلها في ساعة العسرة، والحريّة أسمى من أن ينطق بها لسان طالما لهج بمديح القاتل المهزوم.
التعليقات (0)