قال الله تعالى: "مَن قَتَلَ نَفْسا بِغَيْرِ
نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعا" (المائدة:
32).
تستيقظ
تركيا اليوم على غصّة لا تُبارح الحناجر،
وألم يمتدّ من "أورفا" إلى "مرعش"، وصولا إلى
"زونغولداك". إنّ تحوّل
المدارس إلى ساحات للعزاء أو مسارح للتهديد
بالقتل، وسقوط العديد من الجرحى والأبرياء، هو ناقوس خطر يضعنا جميعا أمام مسؤولية
جماعية تجاه أرواحٍ قصدت العلم فواجهت عنفا غير مبرر. إنّ رحيل هؤلاء الضحايا يمثل
صدمة إنسانيّة تتجاوز الكلمات، سائلين الله أن يربط على قلوب الأمهات والآباء
بالسكينة والشفاء العاجل للمصابين.
إنّ حادثة "زونغولداك" وما تبعها من
إجراءات أمنيّة لحظر مئات الحسابات التي تمجّد الجريمة، تكشف عن خطر العدوى النفسيّة
عبر الهواتف الذكية. إن وصول المراهقين للأسلحة أو محاولتهم محاكاة القتلة رقميا،
يعكس ثغرة أمنية تبدأ من غياب الرقابة المنزلية. قد يسهم الإفراط في بعض المحتويات
العنيفة في خلق نوع من التبلّد تجاه الألم البشري لدى بعض المراهقين، فتتحول
التهديدات بالقتل إلى مزاح ثقيل أو محاولات لنيل شهرة زائفة في عوالم الإنترنت
المظلمة.
قد يسهم الإفراط في بعض المحتويات العنيفة في خلق نوع من التبلّد تجاه الألم البشري لدى بعض المراهقين، فتتحول التهديدات بالقتل إلى مزاح ثقيل أو محاولات لنيل شهرة زائفة في عوالم الإنترنت المظلمة
تلعب
الأسرة دورا محوريا في تشكيل سلوك الأبناء، حيث قد يؤدّي غياب التوازن بين الحزم والاحتواء
إلى ضعف في ضبط السلوك، فالإفراط في تلبية الرغبات أو الإهمال في المتابعة، خصوصا
في ما يتعلّق باستخدام الأجهزة الذكيّة، قد يفتح المجال أمام تأثيرات سلبيّة دون
قصد. وفي هذا السياق، تأتي جهود الدولة في مواجهة تمجيد هذه
الجرائم لتؤكّد ضرورة وضع حدود واضحة للمحتوى المحرّض على العنف، بما يحفظ أمن
المجتمع، ويعزز في الوقت ذاته تكامل دور الأسرة والمدرسة بوصفهما خط الدفاع الأول
في مواجهة هذا الانفلات السلوكي.
لم يعد التحدي مقتصرا على مقاهي الإنترنت كما في
السابق، بل امتد إلى الهواتف الشخصية والمنصات الرقمية التي ترافق الطالب في كل
مكان. لذا فإن الجهود الرقابية يجب أن تتطور لتشمل التوعية الرقمية، وتعزيز
الاستخدام الآمن للتكنولوجيا، إلى جانب متابعة الأماكن العامة التي قد تساهم في نشر
محتوى غير مناسب.
تتطلب مواجهة هذه الظاهرة خطة متكاملة تشمل عدة
مسارات مترابطة، تبدأ من داخل المدارس عبر تعيين مرشدين نفسيين مؤهلين وتفعيل برامج
لرصد السلوكيات الخطرة مبكرا، وتمتد إلى الأسرة من خلال تعزيز الحوار مع الأبناء
ومتابعة استخدامهم للأجهزة الذكية دون إفراط أو إهمال، وتصل إلى المستوى الحكومي
عبر تشديد الرقابة على المحتوى المحرّض على العنف ودعم حملات التوعية الرقمية، إلى
جانب توفير بدائل إيجابية كالتوسع في الأنشطة الرياضية والثقافية داخل المدارس
لاحتواء طاقات الشباب وتوجيهها بشكل صحي، إذ إن نجاح هذه الجهود يبقى مرهونا بتنسيق
حقيقي بين هذه الأطراف جميعا، لا بمعالجة جزئية لكل جانب على حدة.
وفي الختام، لنتذكر قول النبي ﷺ: "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ
رَعِيَّتِهِ"، فسلامة أبنائنا أمانةٌ في أعناقنا جميعا قبل أن تسألنا عنها
الأجيال. إنَّ إحياء الوازع الأخلاقي والرقابة الواعية هما الحصن المنيع الذي
سيحمي مدارسنا من غزو العنف، فلنزرع في قلوبهم حبّ البناء والرحمة، لتبقى المدرسة
مكانا يُصان فيه العلم وتُحفظ فيه الحياة، وتظلّ أرواح الأبرياء في مأمنٍ وحفظٍ
وسلام.
حفظ الله تركيا وأهلها، ورحم الراحلين، وحمى
أطفالنا من كل سوء.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.