لقد شكّلت جولة الرئيس أحمد
الشرع في
ألمانيا وبريطانيا نقطة تحوّل مفصلية، قد تُمثّل في أبعادها بداية مسار جديد يهدف
لإعادة تموضع
سوريا كفاعل إقليمي يسعى للاستقرار. لم تعد دمشق اليوم تكتفي بالبحث
عن القبول الدولي، بل تحاول من خلال هذه اللقاءات تقديم رؤية لدولة مؤسسات وقانون
تطمح لإنهاء عزلتها عبر بوابة الاستثمار العالمي.
إنّ هذه الدبلوماسيّة النشطة، التي
تتحرك بحذر ومرونة بين العواصم الكبرى، تعكس رغبة جادة في تحويل سوريا إلى جسر
محتمل للطاقة وسلاسل التوريد، مستندة في ذلك إلى قراءة واقعيّة للمتغيرات الإقليميّة
والدوليّة المعقّدة.
سيادة القانون
وحصر السلاح
تعتبر العودة إلى مفهوم الدولة
المركزية القويّة جوهر رؤية الرئيس الشرع للمرحلة الانتقاليّة، فقد شدد في حواراته
على حتميّة حصر السلاح بيد الدولة، وفرض سيادة القانون، معتبرا أنّه لا مكان
للفصائل في سوريا المستقبل. هذا التوجه يسير جنبا إلى جنب مع بناء منظومة قانونيّة
متكاملة، تضمن العدالة الانتقالية، ومحاسبة مرتكبي الجرائم، مما يؤسس لشرعية
مجتمعية ودوليّة متينة.
هذه الدبلوماسيّة النشطة، التي تتحرك بحذر ومرونة بين العواصم الكبرى، تعكس رغبة جادة في تحويل سوريا إلى جسر محتمل للطاقة وسلاسل التوريد، مستندة في ذلك إلى قراءة واقعيّة للمتغيرات الإقليميّة والدوليّة المعقّدة
إنّ العمل على صياغة دستور جديد عبر
لجان تنبثق عن مجلس الشعب يمثل الضمانة الحقيقية للانتقال نحو تعددية سياسية
وانتخابات حرّة تليق بتطلعات السوريين، بعيدا عن أخطاء التجارب السابقة التي
تجاوزتها الدولة بوعي مؤسسي جديد.
التوازن
الدبلوماسي والنأي بالنفس
انتهجت سوريا في هذه الجولة سياسة
القياس الدقيق لحماية أمنها القومي بعيدا عن محاور الصراع، وقد تجلّى ذلك في
الموقف الواضح تجاه التدخلات الخارجيّة، حيث أكّد الرئيس التأني في فتح
العلاقات
مع القوى التي ساهمت في معاناة الشعب السوري.
إن التواجد السوري الفاعل في مراكز
القرار العالمي، من البيت الأبيض إلى الكرملين، يبرهن على حيوية الدبلوماسية
الجديدة وقدرتها على تحويل سوريا إلى منطقة استقرار وسلام وجذب للاستثمارات الكبرى.
هذا النأي بالنفس ليس عزلة بل هو قرار سيادي لحماية البلاد من الاستهداف المباشر،
وتجنب تكرار الصراعات العبثية، مع الحفاظ على وحدة حال وثيقة مع قضايا المنطقة
العادلة.
إعادة الإعمار
عبر الاستثمار
لم يعد ملف التعافي مجرد مطالبة
بالمعونات بل تحول إلى فرصة استثمارية كبرى، حيث تشير البيانات الرسميّة الصادرة
عن قطاع الطاقة لتوجه الدولة لإنتاج قرابة 5000 ميغاواط من الكهرباء، إضافة
لمشاريع طاقة متجددة بقدرة 4700 ميغاواط.
ومن خلال تفاهمات استراتيجية مع
شركات عالمية رائدة، تسعى سوريا فعليا لإعادة بناء بنية تحتية متطورة تشمل نظام
قيادة وتشغيل للشبكة الكهربائية وتطوير قطاع الغاز والإنتاج. إنّ هذه الرؤية تعتمد
على تحويل الدمار إلى نقطة تحوّل، حيث تفتح الحاجة لملايين الوحدات السكنية وتطوير
القطاعات الحيوية أبوابا واسعة للشركات الدولية الطامحة لمشاركة سوريا نهضتها، بما
يسهم في تجاوز آثار المرحلة السابقة التي مرت بها البلاد.
الهجرة
الدائرية والجسر الإنساني
يمثل اللاجئون السوريون في
أوروبا
ركيزة أساسية في مشروع النهوض الوطني، وقد طرح الرئيس مفهوم الهجرة الدائرية كحل
إبداعي يسمح للأطباء والمهندسين بنقل خبراتهم إلى وطنهم الأم دون انقطاع عن
مجتمعات اغترابهم. إن الربط بين عودة اللاجئين وإعادة الإعمار يحول هذا الملف من
أزمة إنسانية إلى محرك اقتصادي وبشري فاعل، يساهم في سد فجوة البطالة وزيادة عجلة
الإنتاج.
لقد أثبتت اللقاءات مع الجاليات
السورية أنّ هؤلاء المبدعين يمثلون جسرا من النور يربط سوريا بالعالم، وهم الشركاء
الحقيقيون في نقل التجربة الحضارية الغربية وتوطينها في التربة الوطنية السورية
بما يخدم المصلحة القومية العليا.
اختبار التنفيذ والواقع العملي
المتابعة الشعبية ستكون موجهة نحو مدى قدرة المؤسسات السورية على تحويل هذه الآمال إلى إنجازات تمنع نزيف الكفاءات، فالإنجاز الحقيقي يُقاس بما يتحقق على الأرض لا بما يُكتب في مذكرات التفاهم
إنّ هذا الزخم الدبلوماسي والصناعي
الذي حققته الزيارة يضعنا أمام سؤال الاستحقاق الجوهري: هل ستتحول هذه الأرقام
والوعود والكلمات المؤنقة إلى واقع عملي يلمسه السوريون في حياتهم اليومية؟ إنّ
الرهان الحقيقي يبدأ الآن، فبالرغم من التحسن الملحوظ في البيئة الدولية وتراجع
بعض القيود السابقة، لا تزال هناك تحديات جسيمة تتعلق بثقة المستثمرين والبيئة
المالية والتنظيمية التي تحتاج لإصلاحات هيكلية تضمن استدامة هذه الشراكات.
فهل سنشهد تنفيذا فعليا للتفاهمات
لإنهاء معاناة أهلنا مع العجز الكهربائي المزمن؟ وهل ستتحول مشاريع الوحدات
السكنية المطروحة إلى ملاذات آمنة تنهي بؤس الملايين في المخيمات وتمنحهم كرامة
العيش بدلا من الخيام؟ إنّ المتابعة الشعبية ستكون موجهة نحو مدى قدرة المؤسسات
السورية على تحويل هذه الآمال إلى إنجازات تمنع نزيف الكفاءات، فالإنجاز الحقيقي
يُقاس بما يتحقق على الأرض لا بما يُكتب في مذكرات التفاهم.
نظرة مستقبلية
واعدة
تتطلع سوريا اليوم نحو أفق مشرق
يستند إلى ركائز السيادة والقانون -إذا ما استمرت وتيرة التنفيذ- حيث تتحول من
ساحة للصراعات إلى مركز استراتيجي للاستقرار والابتكار الاقتصادي في قلب المنطقة.
إن هذه الإنجازات الدبلوماسية والشراكات الدولية المتينة تمهد الطريق لبناء دولة
عصرية تستثمر في إنسانها قبل عمرانها، وتستعيد دورها الحضاري كصلة وصل عالمية آمنة.
ومع اكتمال مسار العدالة الانتقالية والتحوّل الديمقراطي المؤسسي، ستغدو سوريا نموذجا
مُلهما في النهوض من الركام وصناعة مستقبل يليق بتضحيات أبنائها وتطلعات أجيالها
القادمة.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.