الأمن المائي.. بين طهارة السلوك وذكاء الإدارة

فراس السقال
"الحفاظ على الماء هو حفاظ على الوجود والرزق"- سانا
"الحفاظ على الماء هو حفاظ على الوجود والرزق"- سانا
شارك الخبر
يُروى أنّ عمر بن الخطاب t خرج بالنّاس يوما يستسقي، فما زاد على الاستغفار حتى انصرف، فقيل له: ما رأيناك استسقيت؟ فقال: "لقد طلبتُ الغيثَ بمفاتيحِ السماءِ التي يُستنزَل بها المطر"، ثم قرأ قوله تعالى: "فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارا".

هذه القصة الموجزة تحمل في طياتها المعنى الذي نحتاجه اليوم، فبعد سنوات من الجفاف، فتح الله لنا خزائن رحمته بغيثٍ وفير أحيا به الأرض بعد موتها. إنّ هذا المطر ليس ظاهرة عابرة، بل هو رسالة واختبار، فما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رُفع إلا بتوبة، وحفظ هذه النعمة يبدأ بالاستغفار الصادق، ويستمر بالعمل والتدبير.

الاستقامة والنهي عن المنكرات والآثام

إنّ دوام النعم مرتبط بالاستقامة، فالمعاصي سببٌ لمحق البركات، كما جاء في الحديث: "ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنِعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمطروا". ولا شك أنّ طهارة الموارد المائية تبدأ من طهارة السلوك المجتمعي، فالمجتمع الذي ينبذ المنكرات يهيئ بيئة لاستمرار فيض الكريم.

ولقد رأينا كيف تتأثر أنهارنا حين يطغى الهدر وتنتشر المظاهر التي لا تراعي حقّ النعمة وشكرها، حتى إنّ شؤم المعصية ليلاحق "الحبارى" في وكرها. إنّ شكر الله يكون بجنس النعمة أيضا، لذا فإن زكاة هذا الغيث تتجلى في إغاثة العطاشى حول العالم كأفريقيا، وبالتكافل المحلّي عبر دعم الفلاحين المتضررين من الجفاف لينهضوا من جديد. إن شكر النعمة يكون بإنشاء "وقف مائي" وسبل خيرية، ليكون بذل الماء سببا في دوام سقيا السماء.

الإدارة الحكومية وحماية الأمن المائي

تقع على الجهات الحكومية مسؤولية شرعية ووطنية في إدارة هذه الثروة كأمن قومي. فلا بد من تطوير البنية التحتية لحصاد الأمطار وتدابيرها، ومنع تعدّي الصرف الصحي على الينابيع والأنهار، فظهور الفساد في البر والبحر هو بما كسبت أيدي الناس.

وهنا نؤكد على القدوة في الإدارة، كما في تجربة الجارة تركيا التي صانت مواردها حتى جعلتها مناطق سياحيّة عالميّة. كما نوصي بتوظيف الذكاء الاصطناعي في مراقبة الينابيع، وتحلية المياه الجوفية، وإعادة تدوير الصرف الزراعي، وبناء السدود وتوسيع الغطاء النباتي، ليكون ذلك "مخزون الأمان" الذي يحوّل المطر إلى ثروة مستدامة.

تكامل أدوار مؤسسات التربية والإعلام

إنّ حماية الثروة المائية معركة وعي يقودها العلم والإعلام بذكاء، فمن واجب المدرسة غرس قيمة "قطرة الماء" في وجدان التلاميذ، وتعليمهم أن استدامة الماء جزء من إيمانهم، فهي امتثالٌ لأمر الله في مَنْع الفساد، وتجسيدٌ لخلُق النبي ﷺ في عدم الإسراف، وبذلٌ لصدقة جارية تحفظ حق الأجيال القادمة في الحياة والكرامة.

وبالموازاة، يجب على الإعلام إطلاق حملات تخاطب العقل والعاطفة، وتُبرز أن رغد العيش ووفرة الماء أمانة ثقيلة تستوجب الحذر من الغفلة. إن تكامل هذه الأدوار يحول الحفاظ على الماء من مجرد قوانين جافة إلى ثقافة وسلوك يومي، إيمانا بأن الحفاظ على الماء هو حفاظ على الوجود والرزق، فالله قد جعل من الماء كل شيء حي.

تقوى الله صمام أمان نعمنا

يا أهلنا في سوريا وفي كل بلاد المسلمين، إنّ الله قد أعطانا الكثير، وبقاء هذا الخير رهينٌ بحسن تصرفنا وتوبتنا. فلنتقِ الله في كل قطرة ماء، ولنعد إلى ربّ الأرباب ليُدِرَّ علينا الرزق من السحاب. ولنتأمل في قصة الرجل الذي سمع صوتا في السحاب يقول: "اسقِ حديقة فلان"، فلما سُئل عن سرّه، قال: "إني أنظر إلى ما يخرج منها، فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثا، وأرد فيها ثلثه". هكذا تُحفظ النعم: بالبذل، والترشيد، وإعادة الاستثمار في الأرض. فمن حفظ حقّ الله في عطائه، سخّر الله له السحاب ليأتيه برزقه حيث كان.

اللهم اجعله غيثا نافعا، وبارك لنا فيما أعطيت، واجعلنا من الشاكرين.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)