سوريا بين فخر التحرير وجحود المنافي..

فراس السقال
"ألا يكفي فخرا تحرير المعتقلين من مسالخ الموت، وتحطيم الفروع الأمنية التي كانت كوابيس تلاحق الصدور؟"- الأناضول
"ألا يكفي فخرا تحرير المعتقلين من مسالخ الموت، وتحطيم الفروع الأمنية التي كانت كوابيس تلاحق الصدور؟"- الأناضول
شارك الخبر
يُحكى أنَّ رجلا ترك أهله وهم يغرسون في أرضهم القاسية بذور الأمل بعد سنوات من الظلم، وذهب ليعيش في بلادٍ غريبةٍ هانئة. وبدلا من أن يحفظ وِدَّهم، ويُقدّر تعبهم، صار يجالس الغرباء يذمُّ كفاح أهله ويشوه صورتهم، ظنا منه أنّه يرتفع في أعين مُضيفيه. فقال له رجلٌ حكيم: "يا هذا، لا تظن أنك تعلو بسبِّ أهلك، فمن يَبصق في البئر التي شرب منها يوما، يُعلِّم الغرباء كيف يحتقرونه ويحتقرون أصله، ومن لا وفاء له لمنبته، لا أمان له في غربته".

منجزات الثورة وعزّ التحرير

ألا يكفينا عزّا أننا طهّرنا الأرض من ظَلَمة أذاقوا الشعب الويلات؟ ألا يكفي فخرا تحرير المعتقلين من مسالخ الموت، وتحطيم الفروع الأمنية التي كانت كوابيس تلاحق الصدور؟ إنّ القضاء على حزب البعث المجرم واستلام دفّة الحكم من قبل أشخاص نعرفهم بتواضعهم ونزاهتهم ولا نزكي على الله أحدا، هو في حدّ ذاته "الفتح العظيم" الذي يستحق أن نرفع به رؤوسنا أمام العالم أجمع. ولا يعني ذلك أن الطريق خالٍ من الأخطاء أو أنّ التجربة بلغت كمالها، فكل عمل بشري يحتاج إلى تقويم ونصح صادق، لكن شتان بين نصح المحب المجتهد وقَدح الجاحد المتفرّج.
لا يعني ذلك أن الطريق خالٍ من الأخطاء أو أنّ التجربة بلغت كمالها، فكل عمل بشري يحتاج إلى تقويم ونصح صادق، لكن شتان بين نصح المحب المجتهد وقَدح الجاحد المتفرّج

تغيير العتبة وأمانة الكلمة

ولنا في قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام مع زوجة ابنه إسماعيل موعظة بليغة، حين زار بيتهما فاستقبلته زوجته بالشكوى والتذمّر وفضح حال بيتها، فأوصى ولده بأن "يُغير عتبة داره". إنّ من يفضح بيته ووطنه ويشكو حاله للأغراب لا يستحق شرف الانتماء لهذا البيت، فمن لا يصون "عتبة وطنه" بكلمة طيبة في حال الشدّة، لا يستحق أن ينعم بظلّه في حال الرخاء.
 
لقد حذّر الإسلام من خصلة الجحود، فالقاعدة النبويّة تقول: "لا يشكرُ اللهَ من لا يشكرُ الناسَ". إنّ مكافأة المعروف تكون بالكلمة الطيبة والدعاء، لا بالطعن والتشهير، عملا بقوله ﷺ: "من صنَع إليكم معروفا فكافِئوه، فإن لم تجِدوا ما تُكافِئونه فادْعوا له".

أدب الستر وشيم الكرام

إنّ الشريف يستر أهله ويبرز محاسنهم، خاصّة أمام الأغراب، تيمّنا بقوله ﷺ: "وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِما سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ". ولا يوجد أبلغ مما قاله الشاعر ردا على من يرهن انتماءه بمستوى الرفاهية:

بلادي وإن هانَت علـيَّ عزيزةٌ    ولو أنني أعرى بـهـا وأجـوعُ
أأجعلها تحت الثرى ثم أبتغـي   خلاصا لهـا؟ إنـي إذا لوضيـعُ

دعوة للأوبة وشرف البناء

إلى كلّ من زلّ لسانه في بلاد الهجرة بنقد هدّام: الوطن يناديكم والفرصة أمامكم لتكونوا "عُمّارا" لا "عُوّارا". امتثلوا لهدي النبي ﷺ في قوله: "مَنْ رَأَى مِنْ أَخِيهِ خَيْرا فَلْيَنْشُرْهُ، وَمَنْ رَأَى شَرا فَلْيَسْتُرْهُ". إنّ سوريا اليوم تحتاج لتكامل الجهود، رجال يبنون في الداخل بإخلاص، ورجال في الخارج يحمون هيبة بلدهم. فبدل أن تكونوا خناجر طعن، كونوا منابر للكلمة الصادقة، وكونوا "مسكا" يضوع بوفائه، فالتاريخ سيفتح ذراعيه لكل تائب غيور يرى في التحرير بعثا جديدا:

وما أنا إلا المسك في كل بلدةٍ    أضوعُ وأما عندكم فأضيعُ

* المقال يعبر عن رأي كاتبه
التعليقات (0)

خبر عاجل