رمضان بين قدسية العبادة وضجيج الشاشات..

فراس السقال
"الفن الحقيقي هو الذي يساهم في بناء الإنسان وصون كرامته"- عربي21/ علاء اللقطة
"الفن الحقيقي هو الذي يساهم في بناء الإنسان وصون كرامته"- عربي21/ علاء اللقطة
شارك الخبر
إنّ ما نشهده اليوم من استنفار لوزارات الثقافة والإعلام لضخّ عشرات المسلسلات دفعة واحدة في رمضان، ليس مجرد تقليد إنتاجي، بل هو تركة ثقيلة من سياسات "الإلهاء الممنهج". هذه البدعة التي تجذرت في كنف أنظمة الاستبداد البائدة، كالنظام الأسدي المجرم، لم تكن تهدف يوما لإثراء الفكر، بل صُممت لتكون "مخدّرا" يصرف المسلمين عن جوهر دينهم وقضاياهم الكبرى، ويشغلهم بتفاهات الأمور وتفاصيل الدراما، ليظلّ الوعي الشعبي مُغيبا خلف الشاشات.

لقد تحوّل هذا "الموسم" في الماضي إلى أداة لمحاصرة الصائم، في وقتٍ يخبرنا فيه الحق سبحانه عن هذه الأيام؛ "أَيَّاما مَّعْدُودَاتٍ". غير أنّ الماكينة الإعلاميّة السابقة دأبت على سرقة هذه المعدودات، لتجعلها "معدومات"، محولة البيوت من محاضن للذكر إلى صالات عرض مفتوحة. إنّ إشغال النّاس بالصراعات الوهميّة هو في حقيقته عمليّة اغتيال لوقت العبادة، واستنزاف لرصيد المسلم الروحي، ليخرج من الشهر مُتعبا ذهنيّا بدلا من أنّ يخرج مُتزوّدا بالتقوى والسكينة.

بناء الدولة القوية يبدأ من حماية وعي الإنسان، واحترام "الخصوصيّة الزمانية" للعبادات. فكما كان السلف الصالح يفرون من مجالس العلم ليخلوا بالمصحف في رمضان، يجدر بمؤسساتنا اليوم أن تحترم هذا الأدب مع الزمن، وأن تعيد لرمضان وقاره وهيبته بعيدا عن صخب الإنتاج الذي يزحم الأرواح

والأنكى من ذلك هو المضمون الصادم الذي كان يُقدّم، فبدلا من تعزيز القيم، رأينا إصرارا مُريبا على عرض قصص الخيانة، والتعرّي، والخمور، وعقوق الوالدين، وإدمان المخدرات. فعرضها في أي زمن كان هو جناية كبيرة، فكيف في شهر كريم عظيم؟!

إنّ حشر هذه الرذائل في قلب شهر الخير هو استهداف مباشر للفطرة، وتجرؤ سافر على حرمة الزمان. هذا التناقض الصارخ يثبت أن الأمر كان مُسيّسا لتطبيع الانحلال، وتوهين الوازع الديني لدى الأجيال الناشئة، وهو نهج لا يستقيم أبدا مع هويّة أمتنا ولا مع قدسيّة شعائرنا.

أمّا اليوم، ونحن نعيش في سوريا بفضل الله زمن الحرية والإصلاح والبناء بعد التحرير، فإننا نتطلع إلى دولتنا وحكومتنا بعين التفاؤل لتغيير هذا المسار تغييرا جذريا. إنّ بناء الدولة القوية يبدأ من حماية وعي الإنسان، واحترام "الخصوصيّة الزمانية" للعبادات. فكما كان السلف الصالح يفرون من مجالس العلم ليخلوا بالمصحف في رمضان، يجدر بمؤسساتنا اليوم أن تحترم هذا الأدب مع الزمن، وأن تعيد لرمضان وقاره وهيبته بعيدا عن صخب الإنتاج الذي يزحم الأرواح.

ومن هنا، نوجّه دعوة صادقة للمنتجين والمؤلفين والكتّاب: إن مسؤوليتكم في زمن الإصلاح تقتضي انتقاء مواسم عرض لا تتعارض مع الشهور الفضيلة، واختيار مواد تدعم سياسة البلاد في الترميم الأخلاقي والتربية القيمية لأبنائنا. إنّ الفن الحقيقي هو الذي يساهم في بناء الإنسان وصون كرامته، لا الذي يهدم ما تبنيه المساجد والبيوت، فتوزيع الإنتاج على مدار العام يضمن للفن جودته وللمواطن استقراره الروحي والفكري.

إنّ حراسة الوعي في عهدنا الجديد هي أمانة في أعناق الجميع، فالمسلم مأمور بحفظ وقته لقول النبي ﷺ: "نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ". وأعظم الغبن أن تضيع ساعات الرحمة في متابعة ما لا ينفع. آن الأوان لإيقاف هذا العبث الموروث، ليعود رمضان محرابا للسكينة والطهر، وساحة للتربية الإيمانية التي تصنع جيلا يبني وطنه بساعد القوة وروح التقوى.
التعليقات (0)